تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

رسالة مفتوحة إلى أصدقائي اليساريين في اسبانيا: خواطرُ كاتبٍ ومثقفٍ ريفي، ملتزمٍ بشدةٍ بأواصر الصداقة التي تجمع بين شعبينا.

 

 

د.أمحمد لشقر /المغرب 

 

 

أصدقائي الأعزاء: أكتب إليكم انطلاقاً من الصداقة، ولكن أيضاً من منطلق الاختلاف في الرأي. الايمان بأن الصداقة وما يجمعنا من حسٍّ يساريٍّ مشترك ينبغي أن يتيح لنا التحدث بصراحة، حتى و ان كانت مواقفنا غير متوافقة في بعض الأحيان.

أتحدث إليكم أيضاً بصفتي كاتباً ومثقفاً من منطقة الريف، ولدتُ في أرضٍ يرتبط تاريخها ارتباطاً وثيقاً بتاريخ إسبانيا. ولكن، وقبل كل شيء، فإنني أتحدث إليكم من منطلق المودة الشخصية والصداقة التي أكنّها لإسبانيا وللشعب الإسباني؛ فقد حظيتُ طوال حياتي بمئات الأصدقاء الإسبان، وشاركتُ الكثيرين منهم تفاصيل طفولتي وشبابي ولحظاتٍ هامة من حياتي. وبالنسبة لي، لا تُعد إسبانيا واقعاً بعيداً أو مجرد بلدٍ جارٍ فحسب، بل هي جزءٌ لا يتجزأ من ذاكرتي وتاريخي الشخصي.

ولهذا السبب بالتحديد، أشعر بالاستغراب – بل وبالأسى، لا بد لي من القول – إزاء بعض المواقف التي تبنيتموها عقب أحداث سبتة.

بطبيعة الحال، تستوجب تلك الأحداث إدانةً لكل أشكال العنف ومطالبةً واضحةً بالمحاسبة. ومع ذلك، أرى أنه من الظلم البالغ ، ومن الخطورة بمكان من الناحية السياسية، الخلطُ بين النظام المغربي والحكومة المغربية والمجتمع المغربي التعددي، الذي طالما تمتع بتقاليد راسخة في المعارضة والنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

لقد كان العديد من المثقفين والكُتّاب والصحفيين والنشطاء والمواطنين المغاربة هم أول من استنكروا تصرفات قادتهم، وسعوا للحصول على تفسيرات، وطالبوا بالمحاسبة، وأدانوا ما حدث؛ وإن اختزالهم في كتلة وطنية صماء تخدم أصحاب السلطة يُعدّ تجاهلاً متعمداً لتاريخهم النضالي.

إن نضال المغاربة من أجل الديمقراطية والحريات والكرامة لم يبدأ بالأمس، كما أنه لا يحتاج إلى وصاية خارجية، فهو نضالٌ عريقٌ تكبّدوا فيه أثماناً باهظةً، انسانيا وسياسياً، دفع كثيرٌ منهم حريتهم ثمناً لها، ولا يزالون يدفعون ذلك الثمن حتى يومنا هذا.


نحن المغاربة لا نحتاج إلى من يأتي من الخارج ليرشدنا إلى طريق الديمقراطية، فنحن نريد أن نسلك هذا الطريق بأنفسنا، ومن خلال نضالاتنا وتناقضاتنا، وقبل كل شيء، من خلال تحملنا لمسؤوليتنا الذاتية. ولهذا السبب، أجد صعوبة في فهم كيف يتبنى بعض الأصدقاء الإسبان المحسوبين على اليسار، وهم الذين طالما دافعوا بحق عن حرية الشعوب وكرامتها، موقفاً تجاه المغرب يبدو أحياناً وكأنه ينطوي على نزعة وصائية.

منذ متى كانت التضامن الدولي يتمثل في التحدث نيابةً عن أولئك الذين يناضلون من أجل حقوقهم منذ عقود؟ وعلاوة على ذلك، ثمة مسألة أخرى أجد أنه من المستحيل الاستمرار في تجنبها و تجاهلها و هي : المسألة الاستعمارية.

لا يمكننا توقع فهم ما يجري اليوم في سبتة ومليلية وكأن التاريخ يبدأ من جديد كل صباح، فهناك تاريخ سابق، طويل ومؤلم، وإسبانيا جزء منه.

إن الإقرار بالمسؤولية التاريخية للاستعمار لا يعني تبرير أخطاء الحكومة المغربية أو تجاوزاتها، ولا يعني أيضاً إنكار المشكلات الراهنة، بل يعني ببساطة التسليم بضرورة النظر إلى التاريخ في شموليته، وبأن الذاكرة لا يمكن أن تكون انتقائية.


بصفتي ريفياً، تلامس هذه القضية وجداني بعمق، فالريف يدرك تماماً عواقب القرارات التي تُتخذ من الخارج، كما يعي الثمن الذي قد تدفعه الشعوب حين يُكتب التاريخ من منظور المنتصرين. ولهذا السبب، أجد صعوبة في تقبّل محاولات مناقشة الحاضر مع تجنّب المواجهة المباشرة مع ذلك الماضي.


إن ما يقلقني ليس هو انتقادكم للحكومة المغربية، بل على العكس، فالنقد أمر ضروري وصحي، وعلينا أن نمارسه جميعا بكل بحرية ودون مساومة. ما أرفضه هو أن يتحول هذا النقد في نهاية المطاف إلى إدانة شاملة للمغرب وللشعب المغربي، في حين يتم استبعاد المسؤولية التاريخية لإسبانيا بعناية من دائرة النقاش. ولعل هذا هو بالضبط موضع التقائنا كيساريين: القدرة على تطبيق المعايير النقدية ذاتها على أنفسنا كما نطبقها على الآخرين.

لا تحتاج سبتة إلى المزيد من النزعة القومية، سواء كانت إسبانية أو مغربية. كما أنها ليست بحاجة إلى الشوفينية، أو الاستفزازات، أو التنافس حول المظالم التاريخية. وهي بالتأكيد لا تحتاج إلى تبادل مستمر للمواعظ الأخلاقية بين الجيران. إن ما تحتاجه حقاً هو الهدوء والحكمة السياسية.
إسبانيا والمغرب بلدين جارين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والثقافة، وقبل كل ذلك، روابط إنسانية لا حصر لها. لا يمكننا تغيير جغرافيتنا أو محو تاريخنا، لكن بوسعنا أن نحدد كيف نريد أن نعيش جميعا مستقبلنا.


يمكننا الاستمرار في تأجيج المواجهة والخطاب القومي والتصعيد الكلامي، أو يمكننا السعي وراء مسارات أخرى، مسارات تتسم بالهدوء والطابع السياسي، وتحترم كرامة الشعبين. وأنا شخصيا أُفضّل الخيار الأخير. ولأنني أعتبركم أصدقاءً، أصدقاءً إسباناً أشاركهم الذكريات والمودة وجزءاً من تاريخي الشخصي، فإنني أشعر بالقدرة على مصارحتكم بالقول: دعونا لا نخلط بين انتقاد الحكومة وازدراء الشعب، ولا نخلط بين التضامن مع الديمقراطية وبين الرغبة في التحدث نيابةً عن أولئك الذين ناضلوا من أجلها لعقود. ودعونا لا نسمح لخلافاتنا المشروعة بأن تقوّض صداقةً بُنيت على مر الأجيال.

إن الصداقة بين إسبانيا والمغرب ، بين الإسبان والمغاربة، تستحق ما هو أفضل من تعصب البعض ونزعة الوصاية لدى البعض الآخر، فهي تستحق الاحترام والحوار والصدق، وقبل كل شيء، الاستعداد المتبادل للتفاهم و التواصل.

 

 

 
 
 
 
 
 
 
Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات