إلى الحكومة القادمة…
رسالة إلى من سيؤتمنون على تدبير البلاد و العباد
بقلم: ذة نجاة زين الدين
الباحثة في بناء الإنسان الكوتش و المدربة و الأخصائية النفسية.
إلى من ستضعهم الأقدار، أو تختارهم صناديق الإقتراع، أو تسند إليهم مسؤولية تدبير شؤون هذا الوطن بطريقة أو أخرى…
إلى من سيجلسون غدا على كراسي القرار، و يحملون أمانة لا تقاس بإمتيازاتها، و لا برواتبها، و لا بنفوذها، و إنما ستقاس بما ستتركه من أثر في حياة الناس، و بما ستسلمه من وطن للأجيال القادمة…
هذه ليست رسالة خصومة، و لا رسالة تشهير، و لا دعوة إلى الفوضى و لا إلى الشجار و لا إلى تقاذف الإتهامات و لا إلى تبادل الرجم بتحميل المسؤوليات لهذا الطرق أو ذلك…
إنها رسالة مواطنة نيــــفت عــلــى الستين، تخاف عــــلى وطــــنها، و تخاطب ضمائركــم قبل مكاتبكم، و إنسانيتـــــكم قــــــبل مناصبــكم، و إيمانكم بمستقبل هذا الشعب و هذا الوطن قبل حساباتكم السياســـــية الضيقـــــة و الهزيــــلة…
فاسمعوووووووها و إقرؤوووووها جيييييييييدا…
لأن المناصب عابـــرة، و السلطـــــة عابرة، و المال عابر، و الجاه عابر، و حتى أسماء الذين يحكمون الـــيوم ستصبح غدا مجرد سطور في كتب التاريخ، مهـــما فعلووووووووا…
أما الوطن… فهو البـــــــاااااقي…
و الشعب الذي وضع ثقته فيــــكم، أو لم يضع، هو الذي سيبقـــى بعد رحيلكم، و هو الذي سيحـــمل آثار قراراتكم، ســواء كانت قـــــــرارات أنصفت، أو سياســــات أوجعت، أو إختيــــارات صنــــعت مستقبلا، أو أخطاء ستدفع الأجيال القادمــــــة ثمنــــــــــــها و تكلفــــة فاتورتهــــا غاااااالــــيـــا…
يا من ستتولون تدبير المغــــرب… تذكروا حين تصلون إلى مواقــــع القرار أن السلطة أمانة، فلا تنــظروا إلى الكرسي بإعتبـــاره إمتيـازا، بل أنظروا إليه كأمــــــانة ثقيــــــلة و مسؤوليـــــة جسيــــمـــــة…
فوراء كل قرار حكومي إنســــان…
و وراء كل رقم في ميزانيــــــاتكم المصادق عليها أســــرة تنـتظـــــر…
و وراء كل إرتفـــاع في الأسعار أم تحسب ما تبقى في جيــبها قبل أن تقتني حاجيـــــات أبنائها…
و وراء كل شــــاب عاطل حلــــــم يتـــآكل…
و وراء كل مدرسة متعثرة طفل قد تضيع منه فرصة عمره…
و وراء كل مستشفى لا يــــــــؤدي وظيفته مريض لا يملك رفاهيــــة الإنتظار لإستعجالية حالته…
و وراء كل منطقة مهمشة موااااطن يسأل سؤالا بســيطا و مشــــــروعا:
لماذا لا أحظى أنا أيضا بنصيبي من هذا الـــــوطـــــــــن؟؟؟
فلا تجعلوا المـــواطن يشـــــــعر أن الدولة قوية عليــه، و ضعيفة أمام مشـــــكـــلاتــــــه…
و لا تجعلوا القانون عصا ترفــع في وجه الضعيف، ثم يتحول إلى حبر بارد حين يتعلق الأمر بمعاقبـــــــة القـــوي المســـتبــــد…
إن دولة القانون لا تعنــــي فقـــط تطبيق هذا القانون على المواطن…
بل تعني أولا أن يكون المســؤول نفسه خاضعا لقواعد هذا القانون دون تميــيز، و محاسبـــا أمامه، و مراقبا بسلطــــانه و مساطــــره…
المغرب ليس وطنا فقيرا… فلماذا يشعر بعض أبنائه بهذا الفقــــــــر المذقع؟؟؟
و هنا يأتي السؤال الذي يجب ألا نخاف منه:
كيف يمكن لوطن يمتلك موقعـــــا إستراتيجيا مهما، و ثروات طبيعية و بشرية، و مؤهـــــلات فلاحية و سياحية و صنـــاعية، و مـــوروثا حضاريا و ثقافيا عريقا، أن يسمح لبعض أبنائه بأن يشــــــــعروا بأن المستقبل مغلق أمـــــــامهــم؟؟؟
المشكلة ليســـت في غـــــيـــــاب الإمكانيات وحدها، فالمشكلة تكمن أحيانا في كيفية توزيع الفرص، و في جودة الحكامة، و في ترتيب الأولويات، و في قدرة السياسات العمومية على تحويل الثروة إلى كرامة، و الإستثمار إلى شـــغل، و النمو إلى عــدالة إجــــتمـــاعية و مجــــاليـــة…
فليس المهم أن نقول إن الإقتصاد ينمو,، بل الأهم أن نســـأل:
هل يشعر المواطن بهذا النمـــو في حيــــاتـــه اليـــوميـــة؟؟؟
هل تحس الأسرة أن مستقــــــبل أبنائها أصبح أكثر أمانا؟؟؟
هل يجد الشاب فرصــة يستحقها حسب كفاءته؟؟؟
هل يستطيع الموظف و العامل و الفلاح و الحـــرفي أن يعيشـــــوا بكرامة؟؟؟؟
هل يشعر المواطن في القرية كمــا يشعر المواطن في المدينـــــــة بأن الدولة تراه و تسمــعه و تحتــويه و تحمي حقه في العيش الكــريم؟؟؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية، التــــي يجب أن تجيـــبوا عليها بضمــير و مســـؤولية…كما يجب أن لا تديروا وجوهكم لظــــــاهرة النــــــــزوح و الهجـــرة كيفما كانت طبيعتها نظامية أو غير نظامــــية…
إن المشاهد التي عرفها المغـــــرب خلال السنوات الأخيرة، و ما رافق بعض موجاتها من صور مؤلمـــة و مقلقة كتلك الأخيرة التي عرفتــها مدينة الفنيدق و سبتـــــة مؤخرا، ليست مجرد مشاهد عابرة ينبــغي أن نطوي صفحتــــها بعد إنتهـــــاء الحــدث…
إنها جرس إنذار إجتماعي و نفسي و إقتصادي و سياسي على قثامة الوضع الداخلي و تأزمـــه…
كما لا ينبغي أن يكون السؤال فقط:
كيف نمنع الشباب من الرحـــيل؟؟؟
بل يجب أن يكون السؤال الأعمـق:
لماذا فكــــروا أصلا في الرحيل؟؟؟
و ماهو السبب الرئيســـــــي ا الذي يدفع شابا إلى المخــــــــــــــــاطرة بحيـــاته في عبـــــاب البحــــــار و المحيطات؟؟؟
و ما الذي جعـــله يرى المجهــــــول أكثــر أمـــلا من المعلوم؟؟؟
و ما الذي جعــــــــل البحر، بكــــــل مخاطره، يبدو لبعض الشباب أقــل رعبا من واقعـــهـــم الذي يــــرونه قاثما و محبطا؟؟؟
لا تجيبوا عن هذه الأسئلة بالغضب،
و لا بالإدانة، و لا بالإتهـــــــــام، و لا بالقول إن هؤلاء الشباب لا يحــبون وطنهم…قد يكون العــــكس تماما…
قد يكون الكثـــــير منهم يحبــــون الوطن حتى النخاع، أكثر من اولئك الذين يتبــجحون بكراســـيهم و سطور خطاباتهم الصماء البكماء، الكاذبة و البعيدة عن الحقيقة الكاشفة للمآسي… نـــعم هم كذلك، لكنهم يبحــــــــثون فقط عن وطن يشعرون داخله بأن لهم مكانـــــــا، و دورا، و فرصـــــة، و مستقـــبلا…
و الإعلام الأجنبي الذي يتوقف عند هذه المشــــــــاهد و يتســــاءل عن دوافعها، ينبغي أن يدفعنا نحن قبل غيرنا إلى أن نسأل أنفــسنا:
ما الذي يحدث داخل مجتمعنـــــــا حتى يصل ببعض أبنائه إلى هــــذه الدرجة من اليـــأس و الإختناق؟؟؟
لا تحـــاربوا أعراض الأزمـــة… بـــل يجــــب عليكـــــم معالجتــــــها من الجـــــــذور…
أيها المسؤولون القااادمون…
لا يكفـــــــــي أن نحصـــــي أعداد المهاجرين، كما لا يكفي أن نراقب الحدود، أو نعلن عن برامج مؤقتة هنا و هنــــاك…
فالحدود قد تمنع الإنســــــــان من العبـــــور، لكنها لا تستطيع أن تمنع الإحباط من العبور إلى قلبـــه…
و القـــــــوانين قد تمنع فعلا معينا، لكنها لا تستطيــــع وحدها أن تمنح الإنســـان الأمـــــل المنتظــــر…
كما أن الأمن ضروري، نعـــم…لكن الأمن الإجتماعي و الإقتصــادي و النفســــي لا يقل أهمـــية عن أمن الحدود…
إبنوا مدرسة تجعل الطفل يؤمـــن بأن مستقبله يمكن أن يصنعه هنا…
إبنوا جـــامعــــة تمنح المعــرفة و المهارة، لا مجــرد الشهــادة…
إبنوا إقتصادا يخلق فرصا حقيقية، لا أرقاما جميلة و منمــــقة فـــــي التقارير…
إبنوا منظومة صحية تحفظ كرامـة المريض…
إدعموا المقـــــاولة الصغــــيـــرة و المتوســطــــة…
أنصــــفوا العــــالم القــــــــروي…
إستثــــمروا في الشبـــــــــــاب…
إحمـــوا الماء و الأرض و الثروات الطبيعية…
و إجعلوا المواطن شريـــكـــــا في التنميـــة، لا مجرد متــلق لقرارات تتخذ بعيدا عنه…
و تعلموا من الذين سبقــــــونا إلى صـــنــاعة النهـــــضـــة…
أيها المسؤولون بمختلف مراكـــــز قراراتكم و بتنوع إيديولوجياتكم و كاسيكاتكم السيــــاسيـــة…
ليس عيبا أن نتعلم من تجـــــــارب الآخرين…بل العيب أن نمـــــــــتلك القدرة على التعــــلم ثم نرفــض أن نتـــعلــــم…
أنظروا إلى تجارب دول خرجت من أزمات قاسية، و من حروب مضنية و من مجاعات مبيـــدة و تمكـــنت من خـــــلال عقود قليلة من بنــــاء نماذج تنمويـــة مختلفة و رائــــدة، مثل الصــــــين و سنـــغافـــــورة و اليـــابان و كـــــوريا الجنـــــوبية و رواندا…الخ…لا أحـــــــد يقـــول إن هذه التجارب قابلة للنســـــخ الحرفي…
و لا أحد يقول إن لكل دولة ظروفا متطـــابقة…لكن هناك قـــواســـــم مشتركة تستحـــق التـــــأمل ب:
وضوح الرؤية، و الشــــفافيـة في البرامج و الإنضباط في التنفيذ، و الإستثمار في الإنسان، و ربـــــــط المسؤولية بالمحاسبة، و وضــــــع المصلحة الوطنية فوق المصــالح الذاتية الضيقة، و الإستثمــــار في التعليم و الإنتاج و البنية التحتية و الإبتــــكـــــار…
لقد أدركت هذه الـــــدول، كــــــــل بطريقتها، أن بناء الوطن لا يبدأ من كثرة الخطب، و لا بتنميق أساليبها و إنما من صدق النوايـــــا في بناء الإنسان و تجــــــويد المؤسسات…
فلماذا لا ندرس تجاربهم بجدية؟؟؟
لماذا لا نأخذ منها ما ينـــــاســــــب خصوصيتنــــا المغربية و نشتـــغل عليها؟؟؟
لماذا لا نبحث عن النموذج المغربي الذي يجمع بين الأصالة و الحداثة، و بين العدالة الإجتماعية و المجالية، و النجاعة الإقتصادية، و بين السيادة الوطنية و الإنفـــتاح على العالم؟؟؟
فالسيادة الوطنية ليست شعـــارا… إنها قدرة على الإعتماد على الذات، كما أن السيادة الحقيقية لا تقــاس فقط بإمتلاك الحدود و الــــراية و المؤسسات…بل إن السيادة الوطنية تبنى أيضا عندما يستطيـــع الوطن أن يؤمن غذاءه و ماءه و طاقته، و عندما يحمي موارده، و يطـــــــــور صناعته، و عندما يستثمـــــــــر في علمائه و شبــــــابه، و عندما يصـنع جزءا كبيرا من إحتياجاته، و عندما يملك القدرة على إتخاذ قـــــراراتــه وفق مصالحــه الوطنية العليا…
إن الدولة التي تستورد قووووتها، و تستورد جزءا كبييييرا من أدوات إنتاجها، و تستـــورد المعــــــرفة و التكنولوجيا دون أن تبنــــي قدرتها الذاتية، ستظل سيادتها ناقصة مهما كانت شعاراتها عاليييية و منتقـاة…
لذلك، يا حكومة المستقبل:
إجعلوا السيادة الغذائية و المائية و الطاقية و التكنولوجية مشــــروعــا وطنيا طويــــل النـــفس…
و لا تبيعوا المســــتقبل من أجـــــل مكاسب قصيييييرة الأجل…
ولا تستنزفوا موارد الأجياااااال القادمة من أجل إرضاء الحاضر…
فالماء ليس سلعة عابـــــرة…
و الأرض ليست مجرد عقار…
و الثروات الطبيعية ليست ملكا لحكومة بعينها…
إنها وديعة في أعناقكم و أعناقنا جمييبيــــعا…
إتقوا الله… فهناك قانون أعلى مـن كل القوانين…و أيقظوا ضمائركـــم من سباتها و من أنانيتــــها…
أيها المسؤولون…
يمكن للإنسان أن يتهرب من رقابــة البشر…و قد يستطيع أن يناور أمام المؤسسات…و قد يجد من يصــفق له…و قد يجمع المال…و قد يبنـــي النفوذ…و قد يحيط نفسه بأصحاب المصالح…
لكن هناك لحظة لا تنفـــــع فيــــها الحاشية، و لا المال، و لا النفوذ، و لا المنصب…
لحظة يقف فيهــــا الإنســان وحده أمـــــــام اللـــه…
فإن كنتم تؤمنون بالله، فتذكروا أن أمانة الناس ليست لعبة سياسيــة…
و أن المال العام ليس غنيــــــــمة…
و أن السلطة ليست ملكيـــــــــــــة شخصـــيـــــــة…
و أن المواطن ليــس رقمـــــــا في الإنتخابات…
و أن الضعيف الذي لا يملك واسطة له رب يسمــــع دعاءه و أنينـــــه…
فإخشوا الله في الأرملة…
و في اليتيم…
و في المريض…
و في العامل…
و في الفلاح…
و في المعطل…
و في الطالب…
و في الشاب الذي يقف على حافة اليأس و الإحبــاط…
و إخشوا الله في كل درهــــــم من المال العـــــام، يتم تبذيره فـــــــي مهرجانات المهانة و الذل و مواسم الجهل و التخلف و إستثمارات بعيدة عن الواقع …
و خافوا الله في كل قرار يمكن أن يرفع إنســـانا أو يســــحقه…
فما أســــرع أن يتــحول كرســـــي المسؤولية إلى ذكرى، و ما أســـرع أن ينتهي العمـــــر، و ما أســـرع أن يغادر الإنسان الدنيا و لا يبقى له إلا ما قــدم و ما تـــرك من بصــــــــمة واضحة في الإنجاز…
لا تنتظروا أن يغضب الشارع أكثــر حتى تســـمعوا صـــوته و آلامــــه…
فالشعوب لا تنفجر من فــــــــراغ…
و الغضب الإجتماعي لا يــــولد في ليلة واحدة…إنه يتراكــــــــــم…من الشعور بالظــــلم و الحـــــــــݣرة و التمييبز الطبــقي…و من تفاوت في الفــــــرص…و من إنسداد الأفق…و من فقدان الثقة…و من الإحســـاس بالخذلان، عندما لا يصل صــــــوت المواطن إلا بعد أن يرتفع بالتنـــديد و الإحتــجـــاج…
فلا تجعلوا المواطن يرفع صــــوته كي يسمع…إسمعوه و هو يهمــــس بأنينــه بتحضر و رقي…إسمعــــوا الأحياء الشعبية قبل أن تمتـــــلئ الساحات…إسمعوا الشباب قبل أن يطـــرقوا أبواب الهجرة…إسمـــعوا للفلاح قبل أن يهــجـــر أرضه… إســمعوا الطبـــيب و الممرض و الأستـــاذ و العــــامل و التــاجر و الحرفي…إسمعـوا النساء اللــــواتي يحمــــلن أعبــــــــــــاء الأســـــرة بصمت…إسمعـــوا إلى المـــــــغرب العميق، لا إلى المغرب الذي يظـــهر فقط في التقارير و التصـــــريحات الرسمــــية…
فالحكومات الذكية لا تـــــنتـــــظر الأزمات حتى تبدأ في البحـــث عن الحــل…
إنها تلتقط إشـــاراتها و هي لا تزال صغيرة بإستــــباقية ذكيــــــــــة و بحدس مســـــــؤول…
لا نريد حكومة تخاف من الشعب… بل حكومة تخاف على الشـــــعب…
نحن لا نريد مسؤوليــــن يعيشون خلف الأســـــــوار…و لا نريــــــــد حكومة تنشـــــــغل بإدارة صورتها أكــثر من إنشــغالها ببــــــــــــرامج واقعــــــيــة و حقيقيــة و حكيــمة لإدارة الواقــــع …
و لا نريد خطابا جميــــلا لا يــــجد طريقه إلى حياة المواطن…بل نريد حكومة تعرف أن هيبة الدولــــة لا تبنى بالخــــوف و القــــمـــــع، و لا بالمـــقـــــــــــاربة الأمنـــــــيـــة، و إنــــــمــــــا تبــــــنـــــى و تؤثـــــث بالـــعــــــــــدل…و بأن إحــــتــــرام المؤسسات لا يأتي من قوة السلطة وحدها، و إنما من ثقة الناس فيها…
و أن المواطن حين يشـــــــــعر أن القانون عادل، و المؤسسات نزيهة، و الفرص متكافــــئة، و المحاســبة تطال الجميـــــع، فإنه يصـــبح أول مدافع عن وطــنه…أما حين يشــعر بأن هناك مواطنا له كل شــــــيء و مواطنا آخر يتحمل مسؤوليــة كل شــــيء بدون مقابل و لا إستحقاق مناسب، فإن الثقة تبدأ في التآكل…
يا حكومة المستقبل… لا تجعــــلوا التاريخ يكتب أسماءكم بحبر أسود
قد تمتلــكون خلال ولايتكم سلطة القرار…و قد تملكـــــون أرقـــــــام الميزانيات…و قد تملكـــون أدوات التنفيذ…لكنـكم لا و لن تملكــوا التاريخ و لن تتمكنوا من تصويره…
لأن هذا التـاريخ هو الذي سيحكم عليكم…عندما يأتي يوم يسأل فيه أبنــــاؤنا عن:
ماذا فعل الذين حكموا المغرب في هذه المــــرحـــــــــــــــــــــلة؟؟؟
هل بنوا الإنســــــــــــــــــــان؟؟؟
هل حاربوا الفقر و التهميـش؟؟؟
هل أنصفوا المناطق المهمشة؟؟؟
هل حموا المــــــــــــــال العام؟؟؟
هل واجهوا الفساد بصرااااامة؟؟؟
هل إستثمروا في التعليم و الصحة؟؟؟
هل جعلوا الإقتصاد في خدمة الإنسان؟؟؟
هل حافظوا على ثروات البلاد للأجيال القادمة؟؟؟
هل سمعوا نبض الشــــــارع؟؟؟
هل فهموا رسالة الشبـــــاب؟؟؟
هل جعلوا المغرب أكثر عدلا، و أكثر قوة، و أكثر إستقلالا، و أكثر ثقة بنفسه؟؟؟
فذلك هو الإمتحان الحقيقي…لأن المغرب يستحق أكثـــر و كل ما هو أحسن و أجود بفضل خــــــيراته و ثرواتها الطبيــــعية و المعدنــــية…
يأيها الذين ستتولون تدبير شــؤون هذا الوطن…
لا أكتب إليكم من مـــوقع اليأس…
بل أكتب لكم من موقع الغيرة على المغرب…وطـــني و وطـــنكم، لأنه يستحق أن يكون أفضل دولة فوق كل الخريطة العالمية…
و شعبه يستحق حياة أفضل لأنـــه شعب مقاوم و مكافح و مناضــــل لولا الإحبــــاطات و الإكراهـــــــات الخارجيــة التي تسببــت فيـــــــها الحكومات السابقة، عــــلى أمل أن تكونوا الإستثناء، و إن لاحت معالم التلابز و التقاذف المميع الذي تدور حمى رحاه هذه الأيـــام في جــــو مستفز و مثــــير للإنفعال، بســبب التراشق البديء المتبادل بين بعض الأحزاب السيـــاسية المغــربية، في غياب واضح لبــــــــــرامج سياسية صادقة و واعدة و حقيقيـــــــــة و واقعــــــيــــة…
كما أن لشبابه الحق أن يحلـموا هنا فوق أرضـــه…و لأطفاله الحــــــــق في مدرسة أفضل…و مرضــــــــــاه يستحقون علاجا أفضل…و فلاحوه يستحقون حماية أفضل…و عمــاله يستحقون أجورا تحـفظ كرامتهم…
و مثقفوه و باحثوه يستحقون بيئة تمكنهم من الخلق و الإبــــــــداع
و مواطنوه جميعا يستحقون دولة يشعرون أنها دولتـــــهم، و قانــونا يرونه قانونهم، و مؤسسات يثقون في أنها تحمــــيهم و تنصــــــفهم…
فلا تجعلوا من المغرب بلـــــــــدا يطلب أبناؤه فرصة للعيش خارج حدوده…بل إجعلوه بلدا يأتي إليه الآخرون بحثا عن هذه الفرص…
و أخيرا…
إلى كل من سيحمل غدا مـسـؤولية تدبير هذا الوطن:
تذكروا أنكم عابرون…و أن المغرب باق، ستغادرون مكاتبكم…و ستغلق أبواب الوزارات خلفكم…وستطــوى صفحات ولايتكم…و قد ينســـــــى الناس الكثير من تصــــريحاتـكم و خطبــكم و تقاذفاتكم المشفرة التي تدور في جو مشحون بالخطابات الملغومة و المجسمة لأنانيتـــكم و الساعية إلى الحفــــــاظ عـــــــــلى مصالحـــــــكم و كراسيــــــــــكم و إستفاداتكم بالدرجـــة الأولــــى…و مكالماتكم الهاتفية المهيــــــــــنة و المستحمرة لكل هذا الشعـــــب، و الفاضحة لأساليب العمل المــــريبة داخل بعض الأحـــزاب السيــاسية، عند منحــــها لتزكيــــاتهــــا لبعــض أعضـــــائها بتــــلك الطــــــــــرق و السيناريوهات الغريبة و العجــيبة، لكنهم لن ينســوا أبدا ما فعلــــــتم بحـــــــــياتهم إن توليتم المنــاصب بمسؤولية و ضمـــير و بخــوف من الله:
لن تنسى الأم المدرسة التي أنقذت مستقبل إبنها…
و لن ينسى المريـــــض المستشفى الذي حفظ كرامته…
و لن ينسى الشاب الوظيفة التـــي أعادته من حافة اليأس و الإحباط الى روح الأمل و نفس الحياة…
و لن ينسى الفلاح من حماه حين إشتدت عليه الأزمات…
و لن ينسى المواطن المسؤول الذي أنصفه حين كان ضعيفا و تائها…
فإجعلوا لكم في ذاكرة هذا الشعب أثرا جميلا يحتفى به في غيابكم…
و لا تجعلوا الثـــروة التي أؤتمنتم عليها سببا في إفـــــقار الآخرين…
و لا تجعلوا الســــلطة التي منحت لكم سبــــبا في إذلال من لا سلطة لــه…
و لا تجعلوا المناصب التي ستنتهي يوما سببا في خسارة ما لا ينتهي:
ضميركـــم، و سمعتكم، و رضا الله عنكــم، و إحتــــــرام وطنكم لكم…
إن المغــــــــرب لا يحــتــــــاج إلى المعجزات…لأنه يحتاج فقــــط إلى صدق في النوايا، و نــــــــزاهة في التدبير، و عدل في توزيع الفــرص، و جرأة في الإصلاح، و حكــمة في القرار، و شجـــاعة في مواجـــــهــة الإختلالات، و إيمان بأن الإنسان هو أغلى ثـــــروة في هذا الوطن…
فإذا صلح الإنســــان، صــــلحـــــت المؤسســــة…
و إذا صلحت المؤسســـة، صلحت الدولة…
و إذا صلحت الدولة، إستقــــــــام المجتمـــع…
و إذا إستقــــــــــــام المجتـــــمــع…
أصبح الوطن قادرا على أن يصنــع مستقبله بيد أبنــــائه، لا أن ينتــظر مستقبله في صيغة صدقة موبوءة و ملغومة من يد الآخــرين، كيفــما كانت جنسيــــــة و أصول هــــؤلاء الاخرين( بنوك دولية: صــنــدوق النقد الدولي و البنك الدولي و دول رأسمالية إمبريالية لا يهــــمـــها إلا أرباحـــها و مصـــالحها….. الخ)
فيا من ستتولون أمر المغرب:
إتقوا الله في المغرب…
إتقوا الله في شعب المغرب…
إتقوا الله في شبابه…
إتقوا الله في أطفاله…
إتقوا الله في ثرواته…
إتقوا الله في كل درهم من ماله العـــام…
و تذكروا دائما أنكم:
قد تستطيعون أن تجمعوا المال،و أن تبنــوا النفوذ، و أن تحيـــــطوا أنفسكم بالحـــاشية… لكنــكـــم لن تستطيعوا أن تشتروا الخـــلـــــود…
فحين يأتي الرحيل…
لن يحمل الإنسان معه منصبه، و لا رصيده، و لا ألقابه…بل سيحــتفظ فقط بما قدمه من أثــــر، و بـــمــــا سيترك وراءه: إما وطنــــــا كسيحا و متدهورا أو أخرا متحــــــــررا و متــقـــــــدمـــا
إما أن يقال:
مر من هنا رجال أحبوا هذا البلد و بــنـــوه.
و إما أن يقال:
مر من هــــنا أنـــاس إمتــــلكــــوا السلطة… و لم يفهــــمـــــــــوا وزر الأمــــانة فأهـــانوه…و لكـــــــم أن تخـــتــــــــاروا…


























