كتب محمد الغفري من الحاجة الحمداوية إلى كريمة غيث:
كيف تحولت لازمة من الذاكرة الشعبية المغربية إلى «تهمة»؟
حين ينتقل التراث الشفاهي من فضاء الغناء والفرجة إلى محكمة الأخلاق في موسم الانتخابات
01 شتنبر 2026
العبارة ليست من ابتكار كريمة غيث، ولا ظهرت مع مواقع التواصل أو الجدل الأخير؛ بل هي جزء من الذاكرة الغنائية الشعبية المغربية وعالم العيطة بما يحمله من شعر شفاهي وتعبير صريح عن الفرح والحب والقهر والحياة اليومية.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
بدلاً من قراءتها في سياقها الثقافي والاجتماعي، اقتُطعت العبارة من بيئتها وتحوّلت إلى مادة لمحاكمة أخلاقية ثم إلى سجال سياسي. وهكذا انتقلت لازمة غنائية من فضاء العيطة والفرجة إلى فضاء «القيم» و«الأخلاق»، قبل أن تجد طريقها إلى النقاش السياسي.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: هل أعجبتنا طريقة كريمة غيث في أداء الأغنية أم لا؟ فهذا شأن يدخل في باب الذوق والنقد الفني، وهو حق مشروع للجميع.
السؤال الأهم هو: كيف يمكن لنص من التراث الشعبي الشفاهي أن يتحول فجأة إلى «تهمة»؟ ومن يملك حق إخراجه من سياقه التاريخي والاجتماعي وإعادة محاكمته بمعايير اللحظة السياسية؟
التراث الشفاهي لا يولد في الكتب
العيطة جزء من الذاكرة الشعبية المغربية؛ نصوصها شفاهية تنتقل بين الأجيال، تتغيّر وتُضاف إليها أبيات، ولا تُنسب عادةً إلى مؤلف واحد. كانت الكلمات تنتقل من جيل إلى جيل، ويعيد الفنانون إنتاجها وفق السياقات المختلفة.
ومن هنا تأتي أهمية التعامل مع عبارات العيطة باعتبارها جزءاً من الذاكرة الاجتماعية، لا باعتبارها بيانات سياسية أو نصوصاً أيديولوجية مكتوبة.
وفي هذا السياق تندرج اللازمة:
«جالسة تحت الشجرة
لابسة لبسة خضرة
اللهم الزهو ولا زواج القهرة».
الزهو هنا يعني الفرح والبهجة والعيش، بينما تشير «زواج القهرة» إلى زواج بلا اختيار أو رضا يصبح مصدر تعاسة. إنها ثنائية بسيطة ومفهومة داخل التجربة الشعبية: الفرح في مقابل القهر، والاختيار في مقابل الإكراه، والحياة الحرة في مقابل علاقة زواج مؤلمة.
لا تحمل العبارة بالضرورة موقفاً أيديولوجياً ضد الزواج، بل تعبّر عن واقع اجتماعي: ليس كل زواج سعيداً أو قائماً على الاختيار.
من «الزهو» إلى «الأعلام»: العيطة أكثر من جملة
وتزداد دلالة هذه اللازمة حين نستعيد الطريقة التي ارتبطت بها في أداء الحاجة الحمداوية، إحدى أبرز أيقونات العيطة المغربية، بعبارة أخرى ذات حمولة جماعية ووطنية: «خوتنا يا الإسلام، هزّوا بنا الأعلام».
هنا تتسع الصورة.
فالعيطة لا تعود مجرد كلمات عن الفرح أو الزواج والعلاقات الاجتماعية، وإنما تظهر باعتبارها ذاكرة غنائية استطاعت أن تجمع، في فضائها نفسه، بين التعبير عن الحياة اليومية والإحساس بالجماعة والهوية والانتماء.
«جالسة تحت الشجرة
لابسة لبسة خضرة
اللهم الزهو ولا زواج القهرة
خوتنا يا الإسلام. هزّوا بنا الأعلام زيدو بنا القدام الى خيابت دابا تزيان…»
ومن «اللهم الزهو ولا زواج القهرة» إلى «خوتنا يا الإسلام، هزّوا بنا الأعلام»، تكشف الذاكرة الغنائية المغربية قدرتها على الانتقال من الخاص إلى العام، ومن التعبير عن هموم الفرد إلى التعبير عن الجماعة، ومن الفرح الشخصي إلى الإحساس بالانتماء.
اقتطاع عبارة واحدة من سياقها الثقافي إشكالي؛ فالتراث الشفاهي شبكة من الكلمات والألحان والأداءات والسياقات المتراكمة. وعندما نستحضر الحاجة الحمداوية، فإننا لا نستحضر فنانة غنت لازمة شعبية فحسب، وإنما نستحضر مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية المغربية، حين كانت العيطة فضاءً تتجاور فيه المشاعر الفردية والتجربة الاجتماعية والذاكرة الجماعية.
لماذا تصبح العبارة مشكلة عندما تغنيها امرأة؟
هنا تظهر المفارقة الأكثر إثارة في القضية.
العبارة لم تبدأ مع كريمة غيث، وقد تداولها وغناها فنانون مغاربة قبلها، ومن بينهم رجال.
وهذا يجعل السؤال مشروعاً:
لماذا لم تتحوّل العبارة إلى قضية أخلاقية بالحجم نفسه عندما أدّاها فنانون رجال؟
إن كان النص في ذاته «مسيئاً للقيم»، فلماذا لم تكن المشكلة في النص عندما كان الرجل يؤديه؟
وإذا كان النص جزءاً من الموروث الشعبي، فلماذا يصبح هذا الموروث موضع محاكمة عندما تستعيده فنانة؟
لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن كريمة غيث كشخص، ولا بالقول إن كل اختيار فني لها يجب أن يكون فوق النقد. بل يتعلق بمبدأ أبسط: أن يكون معيار الحكم على التعبير الفني واحداً بصرف النظر عن جنس المؤدي.
فالتراث الشعبي المغربي مليء بتعابير جريئة وصريحة، خصوصاً في العيطة، وقد حملت الشيخات عبر التاريخ أصواتاً نسائية تعبر عن الحب والرغبة والقهر والتمرد والشكوى والفرح.
وليس من المنطقي أن ننتزع عبارة من هذا السياق ونضعها فجأة أمام تقييم أخلاقي حديث، وكأنها نص كتب بالأمس ولا تاريخ له.
من الأغنية إلى «التهمة»
الأكثر دلالة في هذه القضية أن الجدل لم يبقَ في حدود النقاش الفني. فقد دخل الخطاب السياسي على الخط، ومن أبرز المتدخلين إسحاق شارية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، الذي وجه انتقادات حادة إلى كريمة غيث بسبب العبارة.
وهنا حدث التحول الأساسي.
لم تعد المسألة مجرد سؤال حول أداء فني أو ذوق موسيقي، بل أصبحت العبارة مدخلاً للحديث عن الأخلاق والأسرة والقيم.
ومن حق أي مواطن أو ناقد أو فنان أن ينتقد أغنية أو أداء فنياً. لكن عندما ينتقل سياسي إلى محاكمة فنانة بسبب لازمة من التراث الشعبي، فإن السؤال يصبح أوسع:
هل نحن أمام نقد فني، أم أمام محاولة لفرض قراءة أخلاقية وسياسية على الذاكرة الثقافية؟
وليس المقصود هنا اتهام جهة سياسية بعينها بأنها خططت لهذه القضية انتخابياً. لا توجد، في حدود ما هو موثق، أدلة تسمح بهذا الاستنتاج.
لكن هناك واقعة زمنية لا يمكن تجاهلها: الجدل وقع في لحظة انتخابية شديدة الحساسية، قبيل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، وفي فترة سياسية تتزايد فيها أهمية الخطابات المتعلقة بالأسرة والقيم والأخلاق.
وهذا التزامن لا يثبت السببية، لكنه يبرر طرح السؤال:
هل أصبحت قضايا الفن والثقافة والأخلاق مواد سهلة للاستثمار في الصراع السياسي واستقطاب الناخبين؟
حين تُحاكم الذاكرة الشعبية
المشكلة الأعمق في هذه القضية ليست كريمة غيث.
المشكلة هي الطريقة التي ننظر بها إلى تراثنا الشعبي.
فالتراث الشفاهي لا يمكن أن يعيش إذا ظل محبوساً في الماضي. إنه ينتقل من صوت إلى صوت، ومن جيل إلى جيل، ومن رجل إلى امرأة، ومن العرس الشعبي إلى المسرح والمهرجان والمنصة الرقمية.
وإذا كان لكل جيل الحق في إعادة أداء التراث، فمن حقه أيضاً أن يختلف في تفسيره، لكن ليس من حق أحد أن يمحو سياقه أو يعيد اختراعه بما يخدم معركة سياسية عابرة.
إن «اللهم الزهو ولا زواج القهرة» ليست بياناً ضد مؤسسة الزواج، ولا برنامجاً سياسياً، ولا دعوة إلى هدم الأسرة. إنها عبارة شعبية تختصر، بلغة بسيطة وجريئة، تجربة اجتماعية: أن يكون الفرح والاختيار أفضل من علاقة يسودها القهر.
ومن المفارقات أن العبارة التي يُراد تقديمها اليوم باعتبارها تهديداً للقيم تحمل في جوهرها رفضاً للقهر؛ وهو معنى لا يفترض أن يكون غريباً عن أي خطاب يدافع عن الأسرة أو الكرامة الإنسانية.
من يملك التراث؟
ربما تكون القضية فرصة لإعادة طرح سؤال أكبر:
من يملك التراث الشعبي المغربي؟
هل تملكه جهة سياسية؟ أم مؤسسة ثقافية؟ أم فنان بعينه؟ أم أنه ملك جماعي لأجيال صنعت هذا التراث وحفظته في ذاكرتها؟
التراث الشعبي ملك جماعي لأجيال حفظته؛ لا يحتاج إلى إذن سياسي ولا شهادة أخلاقية، بل إلى التوثيق والدراسة والفهم.
وإذا كان ثمة ما ينبغي أن نخشاه، فهو ليس أن تعيد فنانة شابة أداء لازمة شعبية، وإنما أن تتحول الذاكرة الشعبية إلى مادة قابلة للمحو وإعادة التأويل كلما اقتضت الظروف السياسية ذلك.
فاليوم تُحاكم لازمة غنائية، وغداً قد تُحاكم كلمة من العيطة، وبعد غد قد نجد أنفسنا أمام محاولات لإعادة كتابة جزء من الذاكرة الشعبية وفق مقاييس سياسية وأخلاقية مستحدثة.
وهنا يصبح الدفاع عن التراث دفاعاً عن حق المجتمع في ذاكرته.
ليست قضية كريمة غيث
القضية لا ينبغي اختزالها في كريمة غيث بقدر ما هي سؤال عن من يملك التراث: هل هو ملك جماعي أم خاضع لوصاية سياسية؟ الجواب يقتضي حماية حق المجتمع في ذاكرته ورفض تحويل الفن إلى محكمة قيم.
إنها تتعلق بحق التراث الشعبي الشفاهي في أن يُقرأ داخل سياقه، وبحق الفنان في إعادة أداء هذا التراث، وبضرورة رفض ازدواجية المعايير في التعامل مع النص نفسه عندما يؤديه رجل أو امرأة.
وتتعلق أيضاً بالسؤال السياسي الذي تفرضه اللحظة:
لماذا انتقلت عبارة ظلت لسنوات جزءاً من الذاكرة الغنائية المغربية إلى واجهة النقاش الأخلاقي والسياسي الآن، وفي قلب موسم انتخابي؟
لا نملك، من دون أدلة إضافية، أن نقول إن الأمر يتعلق باستثمار انتخابي مخطط له. لكن من حقنا، بل من واجبنا، أن نطرح السؤال، وأن نراقب كيف يمكن للثقافة والأخلاق والتراث أن تدخل فجأة في سوق الاستقطاب السياسي.
فالتراث لا ينبغي أن يكون متهماً.
والأغنية الشعبية ليست محكمة للأخلاق.
والذاكرة الجماعية لا تحتاج إلى وصاية سياسية.
أما «اللهم الزهو ولا زواج القهرة»، فربما يكون من المفيد أن نسمعها مرة أخرى كما قيلت في فضائها الأول: صوتاً شعبياً بسيطاً يفضل الفرح على القهر، والاختيار على الإكراه، والحياة على التعاسة.
وربما يكون السؤال الحقيقي، في النهاية، ليس:
ماذا قالت كريمة غيث؟
بل:
لماذا أصبح ما قيل في الذاكرة الشعبية منذ عقود يحتاج اليوم إلى محاكمة؟


























