فلسطين ليست “الصحراء الغربية”
عثمان باقة/ المغرب
موضوعيا، وبعيدا عن كل “شوفينية” او “وطنية زائدة”، وانتصارا للمنهجية العلمية، يستدعي المقال المنشور على صفحتها بالفايسبوك تحت عنوان: “غلوبال صمود إسبانيا تجدد التزامها بقضية الصحراء ودعمها للفيلم الوثائقي: نضال واحد: الصحراء الغربية” قراءة نقدية، ليس فقط بسبب الموقف السياسي الذي يعبر عنه، وإنما، وبالخصوص، بسبب المنهج “المتهافت” الذي اعتمده في بناء المقارنة بين القضية الفلسطينية وقضية “الصحراء الغربية”.
فالمشكلة هنا لا تكمن في أن منظمة أو حركة دولية تعلن تضامنها مع قضية ما، فهذا حقها، وإنما في تحويل قضيتين مختلفتين تاريخيا وقانونيا وسياسيا إلى قضية واحدة، ووضع المغرب في الخانة نفسها مع الكيان الصهيوني، ثم تقديم جبهة البوليساريو كما لو كانت النسخة الصحراوية من حركات المقاومة الفلسطينية، وهذه مقارنة لا تصمد أمام أبسط قواعد التحليل التاريخي والسياسي.
فلسطين قضية تحرر وطني من استعمار استيطاني
لا يحتاج الدفاع عن فلسطين إلى اختلاق نظائر لها في كل مكان، ولا إلى توسيع مفهوم الاستعمار حتى يصبح قابلا للتمطيط او الإسقاط على كل نزاع إقليمي. القضية الفلسطينية هي قضية شعب جرد من أرضه بسبب وعد أعطاه من لا يملك لمن لا يستحق، واقصد هنا الانتداب البريطاني الذي كان منتدبا على فلسطين بقرار من عصبة الأمم. تعرض الشعب الفلسطيني، ولا يزال الى اليوم، للتقتيل والتهجير والاقتلاع والهدم والاستيطان، ويخضع قسم كبير من أرضه لاحتلال عسكري مباشر، في ظل مشروع استيطاني إحلالي مستمر، وممارسات موثقة على نطاق واسع تتعلق بالتمييز والتهجير والاستيطان والحصار واستخدام القوة ضد المدنيين.
ولهذا فإن التضامن مع الشعب الفلسطيني ليس مجرد موقف عاطفي، وإنما هو موقف يستند إلى تاريخ طويل من النضال الوطني الفلسطيني وإلى منظومة من القرارات والمبادئ الدولية المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الاحتلال والاستيطان والضم.
لكن قوة القضية الفلسطينية لا تسمح لأحد بأن يستخدمها غطاء سياسيا لإضفاء الشرعية على رواية أخرى لمجرد أنها ترفع شعارات مشابهة. فليس كل من يرفع شعار “التحرر” يصبح تلقائيا حركة تحرر وطني، وليس كل نزاع إقليمي يتحول إلى نسخة من فلسطين بمجرد استعمال مفردات “الاستعمار” و”الفصل العنصري” و”الاحتلال” الى غير ذلك من التعابير.
أين تكمن المغالطة؟
المغالطة الأساسية في بيان “غلوبال صمود إسبانيا” هي أنه ينطلق من نتيجة جاهزة: بما أن المنظمة تعارض الاستعمار والعنصرية والفصل العنصري، فإن عليها، وفق منطقه، أن تعتبر “الصحراء الغربية” جزءا من النضال الفلسطيني نفسه، لكن هذا الاستنتاج يتجاهل السؤال المركزي: هل تتطابق طبيعة القضية الفلسطينية مع طبيعة النزاع حول “الصحراء الغربية؟” الجواب، من منظور تاريخي وسياسي، هو: لا.
فكما سبقت الإشارة اليه القضية الفلسطينية نشأت في سياق استعمار استيطاني واقتلاع شعب من أرضه، بينما يرتبط نزاع “الصحراء الغربية” بإنهاء الاستعمار الإسباني للمنطقة، وبالمسار الذي أعقب خروج إسبانيا، وبالنزاع الذي نشأ حول مستقبل الإقليم بين المغرب والبوليساريو التي كانت مدعومة في بداياتها من طرف النظام الحاكم في ليبيا زمن القذافي منتصف سبعينيات القرن الماضي، ليأتي من بعده الدور الجزائري المباشر والمستمر في هذا النزاع الى اليوم.
وحتى على مستوى القانون الدولي، فإن اعتبار وضع الصحراء الغربية “محسوما” لصالح رواية واحدة ليس أمرا مسلما به؛ فالأمم المتحدة لا تزال تعتبر الإقليم من الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وتبحث عن تسوية سياسية مقبولة من الأطراف. وهذا بالضبط ما يجعل استعمال القضية الفلسطينية لإغلاق النقاش حول الصحراء الغربية توظيفا سياسيا متهافتا لا تحليلا علميا أكاديميا.
المغرب ليس الكيان الصهيوني والبوليساريو ليست “المقاومة الفلسطينية”
أكثر ما يثير الاستغراب في الخطاب المذكور هو وضع المغرب والكيان الصهيوني في صف واحد، ثم وضع ما يسمى “الشعب الصحراوي” والبوليساريو في صف الشعب الفلسطيني ومقاومته. هذه ليست مقارنة تاريخية؛ إنها عملية تسطيح سياسي متعمد للفوارق. فالكيان الصهيوني نشأ في سياق مشروع استيطاني إحلالي ارتبط بإقامة دولة على أرض فلسطين، وبعمليات تهجير جماعي للفلسطينيين، وباستمرار الاحتلال والاستيطان والضم والحصار. أما المغرب، فله روايته التاريخية والقانونية والسياسية المختلفة جذريا بشأن الصحراء، ويعتبرها جزءا من ترابه الوطني، مستندا في ذلك إلى روابط تاريخية وبيعة وعلاقات سياسية واجتماعية وقبلية ممتدة قبل الاستعمار الإسباني، بل والى قرار محكمة العدل الدولية الاستشاري، فلو ان اسبانيا قبلت مبدأ الاحتكام الى محكمة العدل الدولية لكان الموضوع قد طوي نهائيا في سبعينيات القرن الماضي، لكن وبحكم معرفة اسبانيا فرانكو حقيقة الامر رفضت مشاركة مطلب المغرب للراي الاستشاري و تقدم به لوحده مما يجعل القرار غير ملزم لها.
يمكن للمرء أن يختلف مع الموقف المغربي، ويمكنه أن يدافع عن حق تقرير المصير وفق قراءته للقانون الدولي، ويمكنه أن ينتقد تدبير المغرب للملف أو أن يطالب بتسوية سياسية أكثر عدلا؛ لكن تحويل المغرب إلى نسخة من إسرائيل ليس تحليلا، وإنما تشبيه دعائي يسقط الفروق الجوهرية بين الحالتين. والأمر نفسه ينطبق على المقارنة بين البوليساريو والمقاومة الفلسطينية.
المقاومة الفلسطينية نشأت في مواجهة مشروع استعماري استيطاني واقتلاع شعب فلسطيني من أرضه، وهي جزء من تاريخ طويل من الكفاح الوطني الفلسطيني.
أما جبهة البوليساريو فهي طرف في نزاع “الصحراء الغربية”، نشأت في سياق خاص مرتبط بالاستعمار الإسباني وانتهائه، ثم تحولت إلى طرف عسكري وسياسي في مواجهة المغرب، مع ارتباطها التاريخي والاستراتيجي الوثيق بالجزائر التي تستضيف قيادة الجبهة ومخيمات اللاجئين الصحراويين فوق أراضيها، حتى لا نقول شيئا اخر ونخرج عن المنهجية العلمية. إن تشابه الأدوات الخطابية لا يعني وحدة طبيعة الصراع.
وماذا عن “الشعب الصحراوي”؟
هنا ينبغي أيضا التمييز بين أمرين مختلفين كثيرا، السكان الصحراويون من جهة، والبوليساريو من جهة أخر. لا يجوز اختزال الصحراويين في قيادة سياسية أو عسكرية، كما لا يجوز اعتبار كل من يوجد في مخيمات تندوف عضوا في البوليساريو أو مؤيدا بالضرورة لمواقفها. وفي المقابل، لا يجوز أيضا استعمال عبارة “الشعب الصحراوي” باعتبارها حقيقة سياسية مغلقة تسقط تلقائيا كل الروابط التاريخية والاجتماعية والبشرية بين سكان الصحراء وباقي مكونات المجتمع المغربي. فالمجتمع الصحراوي ليس جزيرة بشرية منفصلة عن التاريخ المغربي، بل توجد روابط قبلية وعائلية واجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة بين القبائل الصحراوية والمغرب، وهي من العناصر الأساسية في الرواية المغربية بشأن الصحراء.
أما مخيمات تندوف، فهي تستحق بدورها نقاشا جديا ومستقلا حول أوضاع اللاجئين وحقوقهم وحرياتهم ومستقبلهم، بعيدا عن تحويلهم إلى مجرد مادة في الدعاية السياسية لأي طرف. ومن الخطأ أيضا التعامل مع المخيمات باعتبارها تمثيلا حصريا ونهائيا لكل الصحراويين، تماما كما أنه من الخطأ اختزال كل الصحراويين داخل الأقاليم الجنوبية في موقف سياسي واحد.
الجزائر ليست مجرد “شاهد” على النزاع
ثمة عنصر غائب تقريبا عن الخطاب الذي يحاول تقديم البوليساريو باعتبارها حركة تحرر مستقلة تماما عن السياق الإقليمي: وهو الدور الجزائري. فالجزائر ليست دولة بعيدة عن هذا النزاع؛ إنها الدولة التي تستضيف قيادة البوليساريو ومخيمات تندوف، والتي لعبت منذ عقود دورا مركزيا في دعم الجبهة سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا وماليا ولوجيستيا. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، اختزال البوليساريو في الجزائر أو إنكار وجود صحراويين يؤمنون بمشروعها السياسي؛ وإنما يعني أن أي قراءة جدية للنزاع لا يمكن أن تتجاهل البعد الجزائري. ومن هنا فإن تقديم الصراع في صورة ثنائية بسيطة: “المغرب = قوة احتلال” و”البوليساريو = حركة مقاومة”، يتجاهل بنية النزاع الحقيقية وتعقيداته الإقليمية والتاريخية.
فلسطين لا تحتاج إلى هذه المقارنة
إن أكثر ما يؤسف في بيان “غلوبال صمود إسبانيا” أنه قد يضر بالقضية التي يريد الدفاع عنها أكثر مما يخدمها، فحين تصبح فلسطين معيارا جاهزا لإدانة كل طرف في نزاع مختلف، تتحول القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني ذات خصوصية تاريخية وقانونية إلى مجرد قالب أيديولوجي قابل لإعادة الاستخدام في كل صراع. وهذا ليس في مصلحة فلسطين. إن مناصرة الشعب الفلسطيني تعني الدفاع عن حقه في الحرية والاستقلال والعودة وإقامة دولته، ورفض الاحتلال والاستيطان والتهجير والإبادة والعنصرية، ومواجهة سياسات الكيان الصهيوني التي تنتهك الحقوق الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني. لكن ذلك لا يمنح أي جهة الحق في القول إن كل نزاع آخر هو “فلسطين ثانية”. ففلسطين فلسطين، و”الصحراء الغربية” لها تاريخها وسياقها وتعقيداتها وأطرافها.
التضامن الحقيقي لا يقوم على التماثل المصطنع
إن التضامن الدولي الحقيقي يجب أن يقوم على احترام الشعوب، وعلى الدفاع عن حقوق الإنسان، وعلى رفض الاحتلال والاستعمار والعنصرية، ولكن أيضا على التحقق من الوقائع وعدم صناعة تماثلات زائفة بين قضايا مختلفة. وإذا كانت “غلوبال صمود” تقول إنها مستقلة عن الحكومات، فإن الاستقلال الحقيقي يقتضي كذلك ألا تتحول الحركة إلى أداة في خدمة سردية جيوسياسية لطرف من أطراف النزاع. فلا يمكن أن يكون رفض “الإمبريالية” كاملا إذا جرى تجاهل الأدوار الإقليمية للدول. ولا يمكن أن يكون رفض “الاستعمار” شاملا إذا تم اختزال التاريخ في رواية واحدة.
ولا يمكن الدفاع عن “تقرير المصير” بصورة مبدئية إذا تم تجاهل حق سكان المخيمات في الحرية والاختيار والتعبير عن مواقفهم، وحق جميع الصحراويين في أن يكونوا جزءا من تحديد مستقبل المنطقة بعيدا عن الإكراه والتوظيف السياسي.
موقفنا من فلسطين لا يحتاج إلى شهادة من أحد، نحن، في المغرب، لسنا في حاجة إلى أن نثبت لأحد موقفنا من القضية الفلسطينية عبر تبني رواية البوليساريو، كما أن الدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب لا يعني التخلي عن فلسطين. بل إن الموقف السليم هو الذي يرفض هذا الابتزاز السياسي: إما أن تؤيد الرواية الانفصالية حول الصحراء وإما أنك لا تؤيد فلسطين! هذه معادلة لا تستقيم لأنها باطلة.
يمكن للمغربي أن يكون مدافعا صلبا عن فلسطين، رافضا للتطبيع مع الكيان الصهيوني، مدينا لجرائم الحرب والإبادة والتهجير في غزة، ومتمسكا بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وفي الوقت نفسه مدافعا عن الوحدة الترابية للمغرب، وما اكثرهم، بل إنهم الغالبية العظمى والسواد الأعظم من أبناء الشعب المغربي الحر الابي.
بل إن الموقف المبدئي يقتضي رفض الاحتلال والاستعمار والعنصرية في كل مكان، ولكن من دون أن نخلط بين الحالات المختلفة أو نمنح بكل “سذاجة” أي حركة أو دولة صكا أخلاقيا لمجرد رفعها شعارات التحرر. إن القضية الفلسطينية أسمى من أن تتحول إلى أداة في معركة جيوسياسية أخرى، والشعب الفلسطيني أحق من أن يستخدم اسمه لإنتاج مقارنات تاريخية وسياسية غير دقيقة. والصحراويون، في المقابل، أحق من أن تختزل قضيتهم في قيادة سياسية واحدة أو أن يتحولوا إلى ورقة في الصراع المغربي الجزائري.
أما المغرب، فمن حقه أن يدافع عن وحدته الترابية وأن يقدم روايته التاريخية والسياسية والقانونية، ومن حق الآخرين أن يختلفوا معه ويناقشوا هذه الرواية؛ لكن ليس من حق أحد أن يستبدل النقاش التاريخي والسياسي بشعارات جاهزة من قبيل “إسرائيل = المغرب” و”فلسطين = البوليساريو”. إن مثل هذه المعادلات لا تنتج معرفة، ولا تقود إلى حل، ولا تخدم العدالة، إنها فقط تخلط الأوراق.
والواجب اليوم، بالنسبة لكل حركة دولية تقول إنها تناهض الاستعمار والعنصرية والقمع، هو أن تتحلى بالقدر نفسه من المبدئية في كل القضايا: أن تستمع إلى جميع الأطراف، وأن تميز بين الاحتلال والاستعمار من جهة، وبين النزاعات الإقليمية والتاريخية المركبة من جهة أخرى، وأن ترفض تحويل الشعوب إلى أدوات في صراعات الدول.
فلسطين قضية تحرر وطني عادلة
وستبقى كذلك الى أن تتحرر
والصحراء مغربية وستبقى كذلك بتضحيات ابناءها البواسل
وليسقط التطبيع























