تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

السودان: شعب يموت في صمت… حين يصبح الصمت الدولي جزءاً من المأساة

 

 

محمد الغفري/  المنسق العام للشبكة الدولية للتضامن بين الشعوب

 

 

في السودان، لا تنقص المأساة ضحاياها، ولا تنقصها الشهادات والتقارير والأرقام. ما ينقصها هو أن يتوقف العالم عن التعامل معها باعتبارها أزمة بعيدة، عابرة، أو أقل أهمية من أزمات أخرى تستحوذ على واجهة الإعلام والسياسة الدولية.

 

فبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، أصبح السودان واحداً من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم، فيما يتراجع حضوره في الأجندة الدولية والإعلامية بصورة لا تتناسب إطلاقاً مع حجم المأساة. أكثر من 33 مليون سوداني يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، وأكثر من تسعة ملايين نزحوا داخل البلاد، فيما يواجه نحو 19.5 مليون شخص مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي. وفي قلب هذه الكارثة يوجد الأطفال: أكثر من 17 مليون طفل يحتاجون إلى المساعدة، وملايين منهم حُرموا من المدرسة، بينما تتسع دائرة سوء التغذية والأمراض والنزوح. هذه ليست مجرد أرقام، وراء كل رقم إنسان.

 

طفل ينام جائعاً، أم تبحث عن الماء والدواء، أسرة تركت منزلها تحت القصف، مريض لا يجد مستشفى، تلميذ فقد مدرسته ومستقبله، وملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم أمام خيار قاسٍ: النزوح أو الجوع أو الموت.

 

السودان: الكارثة التي لا تحظى بما تستحقه من تضامن

 

تكمن المفارقة الصادمة في أن حجم الكارثة الإنسانية السودانية يتجاوز بكثير حجم الاهتمام الدولي بها.لقد أصبحت الحرب تنتج حلقة مفرغة من القتل والنزوح والجوع والأوبئة وانهيار الخدمات الأساسية. وتؤكد المعطيات الإنسانية أن العنف والتهجير والقيود المفروضة على الوصول الإنساني تعرقل وصول الغذاء والدواء والمياه والخدمات الصحية إلى ملايين المحتاجين. ويحذر برنامج الأغذية العالمي من أن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات أزمة من الجوع، وأن 825 ألف طفل دون الخامسة معرضون لسوء التغذية الحاد الشديد خلال عام 2026.

 

والأخطر أن الجوع لم يعد مجرد نتيجة جانبية للحرب؛ فحين تُدمر الأسواق والمزارع وطرق الإمداد، ويُحاصر المدنيون أو يُمنع وصول المساعدات إليهم، يصبح الغذاء نفسه جزءاً من معادلة الحرب.

 

وقد حذرت الأمم المتحدة من استمرار خطر المجاعة في عدد من المناطق، بينما تتفاقم الأزمة في كردفان ودارفور، حيث يلتقي النزوح مع الجوع وانهيار الخدمات. وفي مدينة الأبيض، على سبيل المثال، أصبحت أعداد النازحين تضغط بصورة هائلة على موارد مدينة تستقبل مئات الآلاف ممن فروا من مناطق القتال.

 

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر

 

إذا كان للسودان وجه للمأساة، فهو وجه أطفاله.خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، أفادت اليونيسف بمقتل أو إصابة ما لا يقل عن 330 طفلاً، فيما تسببت الحرب منذ اندلاعها في نزوح أكثر من خمسة ملايين طفل. كما أن أكثر من ثمانية ملايين طفل في السودان ما زالوا خارج المدرسة.

 

وفي النصف الأول من عام 2026 وحده، تمكنت اليونيسف وشركاؤها من فحص ملايين الأطفال للكشف عن سوء التغذية وعلاج عشرات الآلاف من الحالات الشديدة، لكن الاستجابة الإنسانية نفسها تعاني نقصاً حاداً في التمويل؛ إذ بلغت فجوة تمويل نداء اليونيسف في منتصف العام 64 في المائة.

 

إن حرمان طفل سوداني من الغذاء والصحة والتعليم والأمان ليس مجرد مأساة إنسانية؛ إنه اعتداء على حقه في الحياة وعلى حق جيل كامل في المستقبل.

 

ليست المسألة «حرباً بعيدة»

 

قد يحاول البعض اختزال المأساة السودانية في صراع بين الجيش وقوات الدعم السريع، وكأن المطلوب من العالم أن يختار طرفاً من طرفين.لكن القضية التي تستحق أن تكون في قلب التضامن الدولي أوسع من ذلك.

 

إن الأولوية هي حماية الشعب السوداني والمدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ووقف الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، ووضع حد لتحويل حياة ملايين البشر إلى وقود لحرب لا يدفع ثمنها أصحاب القرار وحدهم، بل يدفع ثمنها شعب بأكمله.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الجيش السوداني، رغم كل الملاحظات والانتقادات التي يمكن أن توجه إلى أدائه ودوره السياسي، يبقى مؤسسة عسكرية رسمية تابعة للدولة السودانية، دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال تبرير الانتهاكات المنسوبة إلى عناصره أو إعفاءها من المساءلة.
في حين أن قوات الدعم السريع قوة شبه عسكرية ذات طبيعة مختلفة، ارتبط اسمها بانتهاكات جسيمة، كما أن الحرب لا يمكن فصلها عن شبكات الدعم والتمويل والتسليح والتدخلات الخارجية.

 

غير أن إدراك هذه الحقيقة لا يعني تبرير أي انتهاك يرتكبه أي طرف. فالقانون الدولي الإنساني لا يمنح حصانة لأحد، وحماية المدنيين لا ينبغي أن تكون رهينة بالاصطفاف السياسي.

 

السودان ليس ساحة لتصفية الحسابات

 

إن استمرار الحرب يعني أيضاً استمرار تحويل السودان إلى ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي.وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحاً: الشعب السوداني ليس ورقة في صراعات الآخرين، ولا ينبغي أن تكون ثروات السودان وموقعه الجغرافي وموارده وموانئه ومستقبله السياسي محلاً للمقايضة بين القوى الإقليمية والدولية.
كل دعم خارجي يساهم في إطالة أمد الحرب أو تغذية آلة القتل أو تعطيل فرص السلام يتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى مساهمة في إطالة مأساة الشعب السوداني.

 

ولذلك فإن التضامن مع السودان لا يمكن أن يقتصر على إرسال المساعدات، مهما كانت أهميتها. المطلوب أيضاً وقف كل أشكال التدخل التي تؤجج الحرب، واحترام سيادة السودان واستقلال قراره، ودعم حق شعبه في تقرير مصيره بعيداً عن الوصاية الخارجية.

 

نريد سوداناً موحداً وديمقراطياً

 

إن الدفاع عن السودان اليوم يعني أيضاً الدفاع عن وحدته.لا نريد سوداناً مقسماً إلى مناطق نفوذ، ولا سوداناً تحكمه الميليشيات، ولا سوداناً يتحول إلى ساحة دائمة للحروب بالوكالة. لكن وحدة السودان لا تعني العودة إلى الاستبداد أو تكريس الحكم العسكري.

 

إنها تعني سوداناً موحداً، مستقلاً، سيداً على أراضيه وقراره، وفي أفق استكمال مسار الدمقرطة الشعبية، وبناء دولة مدنية ديمقراطية تستجيب لتطلعات الشعب السوداني في الحرية والعدالة والمساواة والكرامة.

 

فالشعب الذي خرج إلى الشوارع مطالباً بالحرية والعدالة قبل اندلاع الحرب لم يفقد حقوقه بسبب الحرب، ولم تسقط تطلعاته الديمقراطية تحت أنقاض المدن والقرى.

أ

ين التضامن الدولي؟

 

إن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس فقط: كيف تنتهي الحرب في السودان؟

بل أيضاً: لماذا يسمح العالم بأن تستمر هذه الكارثة بهذا الحجم دون أن تحظى بالأولوية التي تستحقها؟

لماذا لا يحظى موت طفل سوداني بالجوع أو القصف بالاهتمام نفسه الذي يحظى به ضحايا أزمات أخرى؟

لماذا يتراجع التمويل الإنساني في الوقت الذي تتضاعف فيه الاحتياجات؟

ولماذا يبدو أن حياة الإنسان السوداني أقل حضوراً في الضمير السياسي والإعلامي الدولي؟

إننا أمام اختبار حقيقي لمصداقية منظومة حقوق الإنسان والقانون الدولي. فحقوق الإنسان لا تكون عالمية إذا كانت الاستجابة لها انتقائية، والتضامن لا يكون دولياً إذا كان يخضع لحسابات الجغرافيا والمصالح والتحالفات.

 

من أجل السودان… ومن أجل الإنسان

 

ا نطلاقاً من مبدأ التضامن بين الشعوب، لا من الاصطفاف مع الحكومات أو القوى المتنافسة، أرى أن السودان يحتاج اليوم إلى تضامن دولي حقيقي وفعال

تضامن يضع حياة المدنيين في المقدمة،

تضامن يطالب بوقف الحرب والانتهاكات وحماية المدنيين.
تضامن يضمن وصول المساعدات الإنسانية بصورة عاجلة وآمنة ودون عوائق.

تضامن يرفض الإفلات من العقاب ويطالب بمحاسبة كل من ارتكب جرائم وانتهاكات بحق المدنيين.

تضامن يرفض التدخلات الخارجية التي تؤجج الحرب وتطيل أمدها.

وتضامن يدافع عن وحدة السودان وسيادته واستقلال قراره، وعن حق شعبه في بناء مستقبله الديمقراطي بنفسه.

إن السودان لا يحتاج إلى شفقة العالم، وإنما إلى تضامنه.

ولا يحتاج شعبه إلى أن يتحول إلى رقم جديد في تقارير المنظمات الدولية، وإنما إلى أن يستعيد حقه في الحياة والأمن والغذاء والحرية والكرامة.

 

لقد طال الصمت أكثر مما ينبغي.

 

السودان ليس أزمة منسية. السودان شعب يُستنزف أمام أعين العالم. والصمت أمام هذه المأساة لا يمكن أن يكون موقفاً محايداً.

 

إن إنقاذ السودان، قبل أن يكون مسؤولية إنسانية، هو اختبار لمدى صدق العالم في الدفاع عن الإنسان حين لا تكون وراءه قوة كبرى، ولا مصالح استراتيجية، ولا لوبيات سياسية وإعلامية تدافع عنه.

وفي هذا الاختبار، لا ينبغي للعالم أن يفشل مرة أخرى.

26 غشت 2026

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات