سطور من حصيلتهم الحكومية
صافي الدين البدالي/فاعل حقوقي و سياسي
عند اقتراب نهاية ولاية كل حكومة مغربية، يقف المغاربة عند حصيلتها، خارج البروتوكول البرلماني و المجاملات السياسية و تبادل المصالح وتقاسم الوظائف العليا للأقرباء، تجدهم يعطون لكل حكومة عنوانا، عنوانا يعكس معاناة الشعب من سياسة هذه الحكومات، خاصة في ما يسمى بالعهد الجديد، أي بعد رحيل الحسن الثاني .
حكومة عبد الرحمن اليوسفي و فضيحة شركة النجاة
حكومة عبدالرحمان اليوسفي (الحكومة المغربية سنة 1998/2002 ) كان عنوانها البارز من الفضائح هو فضيحة شركة “النجاة”، وذلك عندما نسقت وزارة التشغيل –التي كان يشرف عليها عباس الفاسي من حزب الاستقلال– مع شركة وهمية للإمارات العربية إلى تشغيل آلاف الشباب المغاربة قبل أن تتبين أنها عملية نصب واحتيال والتي كانت سبب فقدان عدد من الشباب مناصبهم، طمعا في العمل في هذه الشركة التي كانت عروضها مغرية في غياب يقظة الحكومة و وزير التشغيل والشؤون الاجتماعية، عباس الفاسي، الذي بدوره تورط في خلق مكاتب الاستقبال وشركة للفحوصات الطبية التي استنزفت جيوب الراغبين في الالتحاق بهذه الشركة. و كانت طبيعة الفضيحة هي إعلان وهمي لتشغيل عشرات الآلاف من الشباب المغاربة في مجالات الفندقة والخدمات بالخارج عبر شركة “النجاة” الإماراتية، ليتبين لاحقاً أن الدولة المغربية تعرضت لعملية نصب و احتيال و آلاف من الشباب ذهبوا ضحية.
حكومة إدريس جطو و المغادرة الطوعية
تنفيذا لتوصيات البنك الدولي،عدو الشعوب، التي توصي بالحد من الوظائف و التخفيف على الميزانية العامة للدولة، أطلقت حكومة جطو برنامج المغادرة الطوعية للموظفين المدنيين بالمغرب. بهدف تخفيض كتلة الأجور وإصلاح الإدارة و تخفيف عبء كتلة الأجور على ميزانية الدولة وخلق رواج استثماري فردي. لكن الذي تحقق هو استنزاف التوازنات المالية لصناديق التقاعد وفقدان الإدارة للكفاءات والخبرات البشرية الهامة و وقوع اختلالات وعجز مالي في صناديق المعاشات نتيجة المغادرة المبكرة. لقد
كانت عملية خطيرة خاصة بالنسبة للقطاعات الاجتماعية وفي مقدمتها قطاعي الصحة والتعليم. سياسة حكومة جطو كانت لها تبعاتها على المستوى الاقتصادي والاجتماعي من حيث فشل الاستثمارات الفردية لأصحاب المغادرة الطوعية و استنزاف الخزينة و ارتفاع نسبة المعطلين حاملي الشهادات و سد الفراغ في التعليم و في الصحة بالمؤقت، مما أدى إلى تراجع العطاء الإداري المميز و العودة إلى القروض .
حكومة عباس الفاسي:
ارتبط اسم هذه الحكومة 2007 و2011) بعدة أزمات وملفات أثارت جدلاً واسعاً، أبرزها تدبير الملف الاجتماعي الذي عرف تراجعا على مستوى التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي بفعل ارتفاع الأسعار الذي أدى إلى حراك 20 فبراير، حيث خرج الشباب إلى الشارع مطالبين بالحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية و برحيل رموز الفساد، فضلاً عن تداعيات “فضيحة النجاة” التي تعود جذورها لفترة توليه وزارة التشغيل، وملفات وظائف وتعيينات أثارت انتقادات سياسية ونقابية حادة.
لم تستطع هذه الحكومة إنقاذ الشعب من جبروت لوبيات الفساد و الاحتكار و السطو على أراضي الدولة والأراضي السلالية و أراضي الجموع. و لم تستطع مواجهة غلاء المعيشة بفعل ارتفاع الأسعار وزيادة الضغط على القدرة الشرائية للجماهير الشعبية و ارتفاع نسبة البطالة والتوتر في التعامل مع ملف حاملي الشهادات المعطلين. أمام هذا الوضع تظهر على السطح صفقة لقاحات أنفلونزا الخنازير بالملايير التي قادتها وزيرة الصحة ياسمينة بادو، هذه الأخيرة التي تبين من بعد أنها اقتنت شققا راقية بباريس بالمليارات في غفلة من كل مراقبة مالية، مما أثار تساؤلات الرأي العام . إنها حكومة مصالح و منافع خاصة و ليست حكومة من أجل توفير شروط العيش الكريم للشعب المغربي و ضمان آفاق واعدة للشباب المغربي .
حكومة العدالة و التنمية
كان عنوان هذه الحكومة ” اطحن امو” حيث وقع حادث مقتل بائع السمك محسن فكري في مدينة الحسيمة بتاريخ 28 أكتوبر 2016، الذي لقى حتفه سحقاً داخل شاحنة لجمع النفايات أثناء محاولته استعادة بضاعته المصادرة، مما أثار موجة غضب عارمة واحتجاجات واسعة عرفت بـ “حراك الريف” .كان عبد الإله ابن كيران هو رئيس الحكومة المغربية (حكومته الأولى)، وذلك قبل أن يتم إعفاؤه وتعيين سعد الدين العثماني خلفاً له في ربيع عام 2017. عرف عقد هذه الحكومة تأزم الأوضاع وارتفاع منسوب الاحتقان الشعبي، ولم تستطع إخفاء آثار جرائمها الشنعاء في حق الشعب المغربي، من خلال اتخاذها قرارات مجحفة في حقه لم تجرؤ الحكومات السابقة على اتخاذها منها: إلغاء صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات ورفع الضرائب وخطة التقاعد المشؤومة ومنع الحق في الإضراب،
قرارات ظل يعاني منها الشعب المغربي إلى الآن و أخطرها التوقيع على عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني. بالاضافة إلى التخبط والارتجال والخيارات العشوائية وسوء التدبير و فتح الباب للفساد و رفع شعار ” عفا الله عما سلف” بالنسبة للمهربين لأموال الدولة إلى الخارج و الذين نهبوا المال العام دون أي تفويض من المؤسسات التشريعية أو القضائية، و في نفس الوقت تسليط السيف على الطبقة المسحوقة من الشعب المغربي. انها قرارات كان لها انعكاس سلبي على القدرة الشرائية للمواطن المغربي و بالمقابل كان المستفيد الأكبر من سياسة هذه الحكومة هم لوبي الفساد وناهبي المال العام .
حكومة أخنوش و شعار إعادة التربية للشعب المغربي :
كان تصريح عزيز أخنوش يوم السبت 7 دجنبر (ديسمبر) 2019 خلال لقاء حزبي للأحرار مع أفراد الجالية المغربية بمدينة ميلانو الإيطالية: “المغاربة لي ناقصاهم التربية نعاودلو التربية ديالو”، تصريحا يرمي الى احتقار الشعب المغربي كافة، خاصة أنه جاء في وسط إنساني لا يرضى لأي شعب هذه المهانة، وبالفعل صدق أخنوش وعده وأصبح المغاربة يتلقون من حكومته ضربة تلو الأخرى، بدءا من الزيادة في المحروقات خارج الضوابط القانونية وأخلاقيات المنافسة الحقيقية مما أدى إلى فتح الباب على مصراعيه للإثراء غير المشروع لشركات المحروقات بالمغرب حيث لم تحترم هذه الشركات الهامش القانوني للأرباح و لا الأخلاق المهنية المرتبطة بهذا القطاع، فحققت أرباحا إضافية طائلة قاربت 15 مليار درهم في أول سنتين بعد التحرير. وصعد سهم شركات أخنوش للمحروقات بشكل كبير.
و بفعل ضغوطاته رفض ممثلو أحزاب الأغلبية الحكومية و الأحزاب الموالية لها مساءلة الشركات و كل من كان وراء هذه الجريمة المالية في حق الشعب المغربي. وكانت للزيادات غير المشروعة في ثمن المحروقات انعكاسات خطيرة على القدرة الشرائية للمواطنين و المواطنات و إلى انكماش اقتصادي حيث ارتفعت أثمنة المواد الغذائية الأساسية بنسبة تفوق في بعضها إلى 100/100.
من المحروقات الى الزيادة في ثمن الغاز/ البوطة، فكانت ضربة ثانية تسددها حكومة أخنوش للشعب المغربي. وتدرعت الحكومة بالدعم لأصحاب النقل العمومي للمحافظة على الأسعار المرتبطة بالنقل و التنقل، الشيء الذي لم يتحقق، بل المستفيدون هم أصحابهم، أصحاب “لكريمات” للنقل الطرقي و النقل العمومي، أي إغناء أصحاب الريع و إفقار العاملين في القطاع. هي سياسة غير مسبوقة لهذه الحكومة، سياسة إحتقار الشعب و حماية لصوصه.
و حتى تحمي الفساد في البلاد أقدمت على سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع و تجميد مجلس المنافسة و قانون التصريح بالممتلكات و تهميش الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، و تحصينا لسياستها الرامية إلى حماية الفساد و المفسدين تقدمت بقانون المسطرة الجنائية و التي تمنع بموجب المادة الثالثة جمعيات المجتمع المدني من الترافع في ملفات الفساد و الرشوة ضدا على الدستور . والأخطر من ذلك هو اغتيال قطاعي الصحة والتعليم، إذ تحولت المستشفيات العمومية الإقليمية والمحلية إلى منشآت/وكالات تصدير المرضى إلى المصحات الخاصة التي تم إنشاؤها بدعم من الدولة لضرب القطاع الصحي العمومي ليصبح جسدا بلا روح و هي خدمة قدمتها الحكومة على طبق من ذهب لأصحاب “اشكارة ” لنهب جيوب المرضى و الاتجار في الأرواح.
أما بالنسبة للتعليم فجعلت منه هذه الحكومة قطاعا للتجريب لا للعلم و التعلم والابتكار والإبداع الفني و القدرة على الانخراط في السيرورة التعليمية/التعلمية العالمية والقدرة على التحدي و المساهمة في التنمية الاجتماعية والثقافية .
لم يعد ذلك التعليم الذي كانت فيه المدرسة و الجامعة مراكز التفاعل العلمي و التربوي و الأخلاقي و القيم الاجتماعية و التواصل الفكري والثقافي مع المحيط الداخلي والخارجي، بل أصبحت المدرسة والجامعة مراكز للغش والانتهازية و الأمية المركبة و السلوكيات التي تتنافى و تخليق الحياة العامة.
من مميزات هذه الحكومة هو تضارب المصالح و الإثراء غير المشروع و اسكات الأصوات الحرة من اعلام و من جمعيات المجتمع المدني و تكريس عملية الإفلات من العقاب وعدم ربط المسؤولية بالمحاسبة. لقد حولت هذه الحكومة المغرب من مغرب المغاربة إلى مغرب الشركات الأجنبية حتى الصهيونية منها، و كان مشهد الهروب الجماعي المدهش نحو سبتة و مليلية المحتلتين هو نتيجة إنجازات الحكومة التي ظلت بعيدة عن الشعب ترعى مصالحها ومصالح لوبيات الفساد بكل أشكاله و أنواعه حتى الفساد الأخلاقي و السياسي .


























