قانون المحاماة بين خلل الإحالة وسؤال الرقابة الدستورية
هل ما حدث مجرد خطأ أم أكثر من ذلك؟
عثمان باقة/ فاعل نقابي و سياسي
مقدمة:
ليست كل قرارات المحكمة الدستورية مجرد أحكام تنتهي آثارها عند منطوقها؛ فبعضها يفتح، بحكم وقائعه وتعليلاته، أسئلة تتجاوز موضوع الإحالة ذاتها، لتصل إلى صميم العلاقة بين الدستور والمؤسسات، وبين صناعة القانون وجودته، وبين المسؤولية القانونية والمسؤولية السياسية.
ويكتسي قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026 في الملف عدد 317/26، بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، أهمية خاصة من هذه الزاوية. فقد صرحت المحكمة بتعذر البت في الإحالة على حالها، بعدما تبين لها أن الملف المحال إليها لم يتضمن نص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026، وإنما تضمن تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، ومن ضمن وثائقه مشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، وهنا تبدأ المفارقة.
فالمحكمة الدستورية هي الجهة التي أناط بها الدستور مهمة مراقبة مدى مطابقة القوانين للدستور، لكنها وجدت نفسها أمام إحالة لا يتوفر فيها، من الناحية الواقعية والقانونية، النص النهائي الذي يفترض أن تنصب عليه الرقابة، ومن هنا تطرح عدة أسئلة نفسها بإلحاح:
- كيف أمكن لقانون أن يقطع مختلف مراحل المسار التشريعي، وأن يصل إلى المحكمة الدستورية، دون أن يكون النص النهائي الذي صادق عليه مجلس المستشارين متضمنا في ملف الإحالة بالصورة التي تمكن المحكمة من ممارسة اختصاصها؟
- وهل نحن أمام مجرد خطأ مادي أو إداري في استكمال وثائق الإحالة؟
- أم أن الواقعة تكشف عن خلل أعمق في آليات التحقق والمراجعة والتنسيق التي يفترض أن تواكب المسار التشريعي في مختلف مراحله؟
ثم إن السؤال لا يتعلق بقانون عادي، وإنما بقانون ينظم مهنة المحاماة، أي مهنة توجد في صميم منظومة العدالة، وترتبط بالحق في الدفاع وبحماية الحقوق والحريات وبضمانات المحاكمة العادلة.
ويزداد السؤال إلحاحا بالنظر إلى أن الواقعة حدثت في خواتيم الولايتين الحكومية والبرلمانية، بعد سنوات من الممارسة التي كان يفترض أن تكون قد راكمت لدى مختلف المؤسسات والفاعلين المعنيين بالمسار التشريعي خبرة قانونية ودستورية وإجرائية كافية، من هنا لا يعود السؤال فقط: من أخطأ؟ وإنما يصبح: أين كانت آليات المراقبة؟
وكيف أمكن لخلل من هذا النوع أن يتجاوز مختلف حلقات المسار التشريعي إلى أن يصل إلى المحكمة الدستورية؟ سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة وفق مقاربة ثلاثية الابعاد : قانونية ودستورية وسياسية مع فتح كل إمكانيات التأويل السياسي الممكنة والمسؤولة.
أولا: ماذا قالت المحكمة الدستورية فعلا؟
تقتضي القراءة القانونية السليمة، قبل إطلاق أي حكم سياسي أو مؤسساتي، أن نلتزم بما قررته المحكمة فعلا. فالقرار رقم 277/26 م.د لم يتضمن أي فحص موضوعي لمقتضيات القانون رقم 66.23، ولم يحسم في مدى مطابقة مواده للدستور. بل توقفت المحكمة عند شروط الإحالة ومحل الرقابة.
فقد لاحظت أن رسالة الإحالة الموجهة من رئيس مجلس النواب كان موضوعها إحالة القانون رقم 66.23 إلى المحكمة الدستورية للبت في مطابقته للدستور، غير أن الوثائق المرفقة بها تضمنت تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، ومشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب في القراءة الثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، دون أن تتضمن نص القانون كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026، وبالتالي، لم تقل المحكمة إن القانون دستوري، ولم تقل إنه غير دستوري. بل إن مؤدى قرارها هو أن الرقابة الدستورية لا يمكن أن تمارس على نص لم يعرض عليها وفق الشروط والإجراءات الدستورية والقانونية، وهذه نقطة أساسية ينبغي ألا تضيع في النقاش السياسي.
ثانيا: المحكمة لا تراقب مشروع القانون وإنما النص الذي تمت الموافقة عليه
إن جوهر الرقابة السابقة على دستورية القوانين يفترض أن تنصب على القانون بعد تمام الموافقة عليه. فالمحكمة لا تستطيع أن تفحص مشروعا قابلا للتعديل، أو تقرير لجنة، ثم تعتبره هو النص النهائي الذي سيصدر وينفذ. وهذا المنطق يصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بمشروع مر بمجلسي البرلمان وبتعدد القراءات.
فمجلس النواب وافق على النص في قراءة ثانية بتاريخ 6 يوليوز 2026، ثم وافق عليه مجلس المستشارين في قراءة ثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026. وقد أشارت المحكمة صراحة إلى الفرق بين الوثيقة التي كانت ضمن ملف الإحالة والنص الذي وافق عليه مجلس المستشارين، وبالتالي كان ينبغي أن يكون النص الذي وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية هو محل الرقابة، وهنا تحديدا تكمن أهمية الملاحظة التي سجلتها المحكمة.
ثالثا: أين يقع الخلل إذن؟
من الخطأ، من الناحية الدستورية، أن نخلط بين الحكومة والبرلمان، أو أن نتحدث عن “مؤسسة حكومية وتشريعية” وكأن الأمر يتعلق بمؤسسة واحدة، فمبدأ فصل السلط يقتضي التمييز الواضح بين المؤسسات والاختصاصات.
الحكومة تمارس اختصاصاتها التنفيذية وتمارس، في إطار الدستور، حق المبادرة التشريعية؛ بينما يمارس البرلمان السلطة التشريعية من خلال مجلس النواب ومجلس المستشارين، وفق المسطرة التي يحددها الدستور.
وفي هذه القضية تحديدا، كانت رسالة الإحالة إلى المحكمة الدستورية موجهة من رئيس مجلس النواب، أما النقص الذي سجلته المحكمة فيتعلق بعدم إرفاق النص كما وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية، لذلك فإن الأدق هو القول إن خللا وقع في الحلقة التي انتهت إلى إعداد ملف الإحالة وتوجيهه إلى المحكمة الدستورية.
وهنا تتجه المسؤولية، من الناحية المؤسساتية، إلى عملية إعداد الملف والتحقق من اكتماله، دون أن يعني ذلك إثبات مسؤولية قانونية على شخص أو جهاز بعينه، فالمحكمة لم تحدد شخصا مسؤولا، ولم تنسب سوء نية إلى جهة معينة، وهو تمييز ينبغي احترامه.
رابعا: لماذا لا يمكن اختزال الأمر في مجرد وثيقة ناقصة؟
قد يبدو الأمر لأول وهلة مجرد نقص في وثيقة، لكن الوثيقة المعنية ليست وثيقة تكميلية أو هامشية، إنها النص التشريعي النهائي الذي يفترض أن تنصب عليه الرقابة الدستورية، ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا لم يرفق النص؟ بل: لماذا لم تلتقط أي حلقة من حلقات المراجعة والتدقيق هذا النقص قبل وصول ملف الإحالة إلى المحكمة؟
فالإحالة إلى المحكمة الدستورية ليست مراسلة إدارية عادية؛ وإنما هي إجراء دستوري يفتح مسارا للرقابة على القانون قبل إصدار الأمر بتنفيذه، ومن ثم فإن اكتمال ملف الإحالة ودقة الوثائق المرفقة به ينبغي أن يكونا جزءا من الحكامة التشريعية الجيدة.
خامسا: قانون المحاماة يزيد المفارقة وضوحا
تزداد دلالة الواقعة لأن الأمر يتعلق بالقانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، فالمحاماة ليست مجرد مهنة حرة تخضع لتنظيم قانوني، وإنما هي مهنة توجد في قلب منظومة العدالة، وترتبط بالحق في الدفاع وبحماية الحقوق والحريات وبالولوج إلى القضاء، ولهذا كان من المفترض أن تحاط عملية إعداد القانون ومناقشته ومراجعته ومراقبة دستوريته بعناية خاصة. لكن المفارقة أن القانون الذي ينظم مهنة توجد في قلب دولة القانون، لم تتمكن المحكمة الدستورية من الانتقال إلى فحص دستوريته موضوعيا، لأن النص النهائي الذي وافق عليه مجلس المستشارين لم يكن ضمن ملف الإحالة.
وهذه مفارقة تستحق التوقف عندها، لا لتوجيه اتهام جاهز إلى مؤسسة معينة، وإنما لطرح سؤال حول جودة المسار الذي ينتج القانون في الدولة.
سادسا: المسؤولية هنا مؤسساتية قبل أن تكون شخصية
إن الدولة الحديثة لا تشتغل بمنطق المسؤول الفرد الوحيد عن كل مرحلة، فالمسار التشريعي يمر عبر حلقات متعددة : المبادرة الحكومية عندما يكون المشروع مقدما من الحكومة، ثم الدراسة البرلمانية، والتعديلات، والقراءة الأولى والثانية، والمصادقة النهائية، ثم إجراءات الإحالة عندما تتم إحالة القانون إلى المحكمة الدستورية، وفي كل مرحلة توجد جهات ومصالح وأجهزة مختصة.
لذلك نجد انفسنا امام عدة أسئلة تفرض نفسها وهي :
– هل تتوفر هذه المنظومة على آليات فعالة للتحقق من تطابق النص النهائي مع الوثائق المحالة إلى المحكمة الدستورية؟
– وإذا كانت هذه الآليات موجودة، فلماذا لم تمنع وقوع الخلل؟
– وإذا لم تكن موجودة بالقدر الكافي، أليس من الضروري تطويرها؟
وهنا تتحول الواقعة من مشكلة مرتبطة بقانون واحد إلى سؤال حول جودة التشريع وآليات ضمان دستوريته.
سابعا: الحكومة والبرلمان… مسؤوليات مختلفة داخل مسار واحد
من الضروري التأكيد هنا على مبدأ أساسي: الحكومة ليست البرلمان، والبرلمان ليس الحكومة، ففصل السلط يقتضي عدم دمج المسؤوليات أو الاختصاصات. الحكومة تمارس اختصاصاتها التنفيذية وتمارس حق المبادرة التشريعية وفق الشروط الدستورية؛ بينما يمارس البرلمان السلطة التشريعية من خلال مجلسيه، وفق المسطرة التي يحددها الدستور.
وبالتالي فإن أي تقييم لهذه الواقعة ينبغي أن يميز بين مرحلة إعداد المشروع، ومرحلة التداول البرلماني والمصادقة، ومرحلة الإحالة إلى المحكمة الدستورية، وهذا لا يمنع، في الوقت نفسه، من مساءلة مختلف الحلقات المؤسساتية عن أدائها داخل حدود اختصاصاتها.
فالقول بوجود مسؤولية مؤسساتية لا يعني إلغاء مبدأ فصل السلط، وإنما يعني العكس تماما أن نحدد لكل مؤسسة مسؤوليتها في المرحلة التي تدخل ضمن اختصاصها، بدل جمعها في مسؤولية واحدة مبهمة.
ثامنا: من يملك حق الوصول إلى الرقابة الدستورية؟
هنا ننتقل إلى إشكال آخر لا يقل أهمية، وهو ان الفصل 132 من الدستور يتيح إحالة القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية من طرف الملك، ورئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضواً من أعضاء مجلس المستشارين. كما تنص المادة 23 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية على هذه الشروط، وهنا تبرز مفارقة تستحق النقاش.
فإذا كان مجلس النواب يتكون من 395 عضوا، فإن الخمس يمثل 79 عضوا، أي 20%.
أما مجلس المستشارين، الذي يتكون من 120 عضوا، فإن الأربعين عضوا يمثلون ثلث المجلس، أي أننا أمام: خمس أعضاء مجلس النواب: 20%. مقابل: ثلث أعضاء مجلس المستشارين: 33.33%.، فلماذا هذا التفاوت؟
تاسعا: هل تكشف الهندسة الدستورية عن تفاوت في الولوج إلى العدالة الدستورية؟
ينبغي هنا أن نكون دقيقين، لا يمكن القول إن هذا المقتضى غير دستوري، لأنه وارد في الدستور ذاته، كما لا يمكن مطالبة المحكمة الدستورية بتجاوز النص الدستوري الذي يحدد شروط ممارسة اختصاصها. لكن يمكن، بل ينبغي، طرح سؤال نقدي حول الهندسة الدستورية للولوج البرلماني إلى الرقابة الدستورية.
فإذا كان الهدف من منح الأقلية البرلمانية حق إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية هو تمكينها من مراقبة أعمال الأغلبية والتحقق من احترامها للدستور، فإن رفع العتبة المطلوبة في مجلس المستشارين إلى ثلث أعضاء المجلس يجعل استعمال هذه الآلية أكثر صعوبة مقارنة بمجلس النواب. وهنا يظهر السؤال: هل اختلاف طبيعة مجلس النواب ومجلس المستشارين يبرر هذا التفاوت في شروط تحريك الرقابة الدستورية؟
إن السؤال لا يفترض مسبقا وجود عيب دستوري، لكنه يثير مسألة جديرة بالنقاش حول تكافؤ الولوج البرلماني إلى العدالة الدستورية.
وليس هذا مجرد استنتاج حسابي؛ فقد سبق للمجلس الدستوري أن تعامل صراحة مع الأربعين عضوا في ضوء كون مجلس المستشارين يتكون من 120 عضوا، واعتبرها نسبة الثلث في سياق تفسيره للمقتضى الدستوري.
عاشرا: لماذا تحتاج الأقلية إلى المحكمة الدستورية؟
تنبع أهمية هذه المسألة من فلسفة الرقابة الدستورية نفسها، فالأغلبية البرلمانية تملك، بحكم طبيعة النظام الديمقراطي، القدرة على تمرير القوانين التي تحظى بتأييدها، أما الأقلية فلا تملك، في الغالب، القدرة العددية على منع الأغلبية من التشريع، لكنها تحتاج إلى ضمانة أخرى وهي أن تظل الأغلبية، وهي تمارس سلطتها التشريعية، مقيدة بالدستور، ومن هنا تأتي أهمية القضاء الدستوري.
فالمحكمة الدستورية لا تحمي المعارضة من الأغلبية بالمعنى السياسي المباشر، وإنما تحمي الدستور من احتمال تجاوز الأغلبية لحدوده. ولهذا يمكن التساؤل: هل منسجم مع فلسفة الرقابة الدستورية أن تكون العتبة المطلوبة لممارسة هذه الوظيفة أقل في مجلس وأعلى في المجلس الآخر؟ إنه سؤال مشروع، حتى وإن كان الجواب النهائي عنه يحتاج إلى نقاش دستوري وفقهي أوسع.
الحادي عشر: هل تحتاج هندسة الرقابة الدستورية إلى مراجعة؟
إذا انتهينا إلى أن هناك تفاوتا يحتاج إلى إعادة تقييم، فإن ذلك لا يعني مهاجمة المحكمة الدستورية، فالمحكمة ليست واضعة الدستور، وإنما هي مؤسسة دستورية مقيدة بأحكامه، وبالتالي فإن أي مراجعة للعتبات المتعلقة بالإحالة البرلمانية تظل مرتبطة، في نهاية المطاف، بالمشرع الدستوري وبمسار المراجعة الدستورية، وبالأحزاب والنقابات وبالمجتمع المدني، وهنا يمكن طرح أسئلة ذات بعد أكبر:
- هل ينبغي توحيد العتبة النسبية بين مجلسي البرلمان؟
- هل ينبغي تخفيض العتبة في مجلس المستشارين؟
- هل ينبغي توسيع إمكانات الأقلية البرلمانية في الوصول إلى المحكمة؟
- وهل تحتاج منظومة الرقابة الدستورية في المغرب إلى مزيد من الآليات التي تجعل حماية الدستور أكثر فعالية؟
إن هذه الأسئلة لا يجيب عنها قرار المحكمة موضوع الدراسة، لكنها أسئلة تفرض نفسها في ضوء النقاش الذي تثيره شروط الولوج إلى المحكمة.
الثاني عشر: من المسطرة إلى الثقافة الدستورية
تكشف الواقعة كذلك عن مفهوم أعمق هو الثقافة الدستورية، فمعرفة الدستور لا تعني فقط معرفة أرقام فصوله. الثقافة الدستورية تعني أن يصبح احترام الدستور جزءا من طريقة عمل المؤسسات، أي أن يعرف كل فاعل ما حدود اختصاصه؟ ما المسطرة الواجبة الاتباع؟ ما الوثائق التي يتعين إعدادها؟ ما الآثار المترتبة على كل إجراء؟ وما الضمانات التي يجب احترامها حتى يكون العمل المؤسساتي سليماً؟
وهنا تصبح المسألة أكبر من وثيقة لم ترفق، إنها مسألة جودة الممارسة الدستورية.
الثالث عشر: ماذا يقول هذا عن جودة التشريع؟
التشريع الجيد ليس مجرد نص تمت المصادقة عليه بالأغلبية، إنه نص مر عبر مسار سليم، وتمت صياغته ومناقشته وتعديله والمصادقة عليه وتوثيقه وإحالته وتنفيذه وفق القواعد الدستورية والقانونية، ومن هنا فإن جودة التشريع لها بعدان:
جودة موضوعية: تتعلق بمضمون القانون.
وجودة إجرائية: تتعلق بالمسار الذي أنتج القانون.
وقد يكون القانون جيدا من حيث المضمون، لكن المسار الذي أنتجه قد يعرف اختلالات تستحق التصحيح، وهذا تحديدا ما يجعل قرار المحكمة الدستورية مهما، فهو لا يخبرنا شيئا عن مدى دستورية مضمون قانون المحاماة، لكنه يخبرنا شيئا مهما عن ضرورة التدقيق في الطريق التي تسلكها القوانين للوصول إلى الرقابة الدستورية.
الرابع عشر: نهاية الولاية والسؤال السياسي
لا يمكن تجاهل أن الواقعة حدثت في خواتيم ولاية حكومية وبرلمانية، وهذا لا يعني أن المسؤولية جماعية أو أن الحكومة والبرلمان يشكلان مؤسسة واحدة؛ وإنما يعني أن المؤسسات والفاعلين الذين شاركوا في هذا المسار كانوا قد راكموا، بعد سنوات من الممارسة، خبرة يفترض أن تساعد على تفادي مثل هذه الأخطاء الإجرائية، ومن هنا يصبح السؤال السياسي مشروعا: كيف يمكن تقييم مستوى الكفاءة القانونية والدستورية والمؤسساتية الذي جرى به تدبير الشأن العام، إذا كان خلل من هذا النوع قد أمكن له أن يتجاوز حلقات المسار التشريعي إلى أن يبلغ المحكمة الدستورية؟ إنه سؤال عن الكفاءة المؤسساتية، وليس حكما مسبقا على الأشخاص، وهو سؤال مشروع في دولة ديمقراطية؛ لأن المسؤولية السياسية لا تعني دائما وجود مخالفة قانونية.
الخامس عشر: المحكمة الدستورية ليست موضع الاتهام
من المهم التأكيد على هذه النقطة، فالقرار، من حيث منطقه، لم يكن بوسع المحكمة أن تتجاهل غياب النص النهائي، فلو قامت المحكمة بفحص مشروع القانون كما وافق عليه مجلس النواب، بينما كان مجلس المستشارين قد وافق على صيغة نهائية، فإنها كانت ستخاطر بممارسة رقابتها على نص غير موجود في صورته النهائية أمامها. ولهذا فإن نقد الواقعة ينبغي أن ينصب أساسا على سلامة المسار الذي سبق وصول الملف إلى المحكمة، لا على المحكمة التي طبقت حدود اختصاصها.
وقد صاغت المحكمة الأمر بوضوح حين اعتبرت أن عدم إرفاق رسالة الإحالة بنسخة مطابقة لأصل نص القانون المراد مراقبة دستوريته يجعل “محل الرقابة” غير متوفر من الناحية الواقعية، ويشكل مانعا قانونيا يحول دون البت في القضية المعروضة عليها.
السادس عشر: ملاحظة منهجية لا اتهام بلا دليل… ولكن لا سؤال بلا جواب
من الضروري، ونحن نقدم هذه القراءة، أن نوضح منهجيا أننا تعاملنا مع قرار المحكمة الدستورية تعاملا موضوعيا وفق مبادئ القانون والدستور علم السياسة، اي علميا وأكاديميا، وانطلقنا في تحليلنا مما هو ثابت في القرار ومنطوقه وتعليله، ولم نتعامل معه بمنطق القراءة السياسية المغرضة أو بمنطق البحث عن نوايا خفية لا دليل عليها.
ولذلك فإننا لا نقول، ولا نملك أي دليل يخول لنا القول، إن عدم إرفاق النص النهائي للقانون بملف الإحالة كان فعلا متعمدا، أو أن جهة ما أرادت بصورة مقصودة الحيلولة دون نظر المحكمة الدستورية في مدى دستورية القانون.
غير أن الموضوعية العلمية نفسها تقتضي ألا نغلق باب التساؤل حول جميع الاحتمالات الممكنة، ما دامت الواقعة قد حدثت فعلا وتستحق التفسير، فمن حيث الفرضية المجردة، يمكن أن يكون الخلل نتيجة خطأ مادي أو إداري غير مقصود، وهو التفسير الذي لا يجوز تجاوزه دون دليل.
لكن لا يمكن، من الناحية التحليلية، استبعاد فرضية أخرى أكثر إثارة للقلق: وهي أن يكون شخص أو جهة، عن قصد أو عن غير قصد، قد أوحى أو وجه إلى عدم تضمين الملف النص النهائي الذي كان يفترض أن يخضع للرقابة، خصوصا إذا كان ثمة تخوف مسبق من أن تكشف الرقابة الدستورية عن مقتضيات قد تكون محل إشكال من حيث دستوريتها.
وهذا الاحتمال، نؤكد مرة أخرى، ليس اتهاما ولا استنتاجا نقرره، وإنما فرضية تحليلية لا يمكن إثباتها إلا بقرائن ومعطيات موضوعية. وطرحها لا يعني تبنيها، وإنما يعني أن البحث العلمي الجاد لا يكتفي بالتفسير الأول للوقائع، بل يترك الباب مفتوحا أمام مختلف الفرضيات، مع احترام قرينة حسن النية وعدم نسبة القصد إلى أي شخص أو مؤسسة دون دليل.
وإذا ثبت مستقبلا، لا قدر الله، أن ثمة تدخلا متعمدا حال دون وصول النص النهائي إلى المحكمة الدستورية، فإن الأمر لن يكون مجرد خطأ في تدبير ملف إداري، وإنما سيكون مسألة بالغة الخطورة تمس جوهر دولة القانون، لأن تعمد تعطيل الرقابة الدستورية يعني عمليا تعطيل إحدى أهم آليات حماية الدستور وسموه.
أما في غياب الدليل، فتبقى المسألة في حدود السؤال المشروع، ولا يجوز تحويل الاحتمال إلى حقيقة.
خاتمة: حين يتحول الخطأ الإجرائي إلى سؤال عن الدولة الدستورية
إن القيمة الحقيقية لقرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د لا تكمن فقط في أنه صرح بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بالقانون رقم 66.23، وإنما في أنه كشف، بصورة غير مباشرة، عن مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز حدود قانون المحاماة نفسه.
لقد أثبت القرار أن المحكمة لم تجد أمامها النص النهائي الذي وافق عليه مجلس المستشارين في قراءته الثانية، ولذلك لم تتمكن من الانتقال إلى فحص دستورية القانون من الناحية الموضوعية، وهذه النتيجة، من الناحية القانونية، لا تعني أن القانون دستوري، ولا تعني أنه غير دستوري.
إنها تعني ببساطة أن الرقابة الدستورية لم تصل إلى مضمون القانون، لكن هذه الحقيقة القانونية البسيطة تفتح سؤالا مؤسساتيا أكبر:
كيف أمكن لمسار تشريعي مر عبر مجلسي البرلمان، وبعد قراءة ثانية بمجلس المستشارين، أن ينتهي إلى إحالة لا تتضمن النص النهائي الذي وافق عليه المجلس؟
إن المسؤولية هنا ينبغي أن تفهم في إطارها المؤسساتي الصحيح، بعيدا عن الخلط بين الحكومة والبرلمان، وبعيدا عن تحميل أشخاص أو أجهزة مسؤولية قانونية لم يثبتها القرار.
لكن عدم وجود مسؤولية شخصية مثبتة لا يعني عدم وجود سؤال سياسي ومؤسساتي مشروع.
فالمؤسسات الديمقراطية لا تخضع للمساءلة فقط عندما ترتكب مخالفة قانونية، وإنما تخضع أيضا للمساءلة حول جودة أدائها، وفعالية آلياتها، وقدرتها على احترام الدستور والمساطر التي تحكم عملها.
ومن هذه الزاوية، فإن الواقعة تستحق أن تكون مناسبة لمراجعة آليات إعداد ملفات الإحالة إلى المحكمة الدستورية، وضمان مطابقة الوثائق المحالة للنصوص النهائية المصادق عليها، وتطوير آليات التدقيق والتنسيق بين مختلف الحلقات المتدخلة في المسار التشريعي.
لكن المسألة لا تقف عند هذا الحد، فالفصل 132 من الدستور يطرح بدوره سؤالا حول التكافؤ في شروط الولوج البرلماني إلى العدالة الدستورية: خمس أعضاء مجلس النواب مقابل أربعين عضوا من مجلس المستشارين، أي ثلث المجلس في ظل تركيبته الحالية، وقد سبق للمجلس الدستوري نفسه أن ربط الأربعين عضواً بثلث عدد أعضاء مجلس المستشارين، وهنا لا يتعلق الأمر بالقول إن الدستور “غير دستوري”؛ فهذا تعبير لا يستقيم منطقيا وقانونيا، وإنما يتعلق بطرح سؤال حول الهندسة الدستورية ذاتها: هل تبرر خصوصية كل مجلس هذا التفاوت في شروط تحريك الرقابة الدستورية؟
وإذا كانت العدالة الدستورية إحدى أهم ضمانات سمو الدستور، وإذا كان تمكين الأقلية البرلمانية من الوصول إليها يمثل إحدى الوسائل الأساسية لمراقبة أعمال الأغلبية، فإن هذا السؤال يستحق نقاشا دستوريا وفقهيا وسياسيا جديا.
ثم إن هناك السؤال الأوسع، وربما الأكثر إزعاجا، وهو كيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تدبر ملفاتها التشريعية والقانونية والسياسية بكفاءة عالية إذا كانت في نهاية ولاية كاملة عاجزة عن ضمان سلامة مسطرة إحالة قانون إلى المحكمة الدستورية؟
ليس المقصود من هذا السؤال إصدار حكم شامل على الحكومة أو البرلمان، ولا اختزال سنوات من العمل في واقعة واحدة، المقصود هو مساءلة منظومة الكفاءة المؤسساتية نفسها.
فالدولة الدستورية لا تقاس فقط بعدد القوانين التي تصدرها، ولا بعدد المشاريع التي تنجزها، وإنما بقدرتها على إنتاج قانون سليم، واحترام المساطر، وضمان الفصل بين السلط، وحماية اختصاصات كل مؤسسة، وتوفير آليات تمنع الخطأ قبل وقوعه أو تكتشفه قبل أن ينتقل إلى مستوى أعلى من مستويات الدولة.
ولذلك فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن الدستور ليس مجرد نص أعلى في سلم القواعد القانونية، وإنما هو طريقة في ممارسة السلطة.
فاحترام الدستور لا يبدأ عندما تصل القضية إلى المحكمة الدستورية؛ وإنما يبدأ منذ اللحظة الأولى لإعداد القانون، ويمر عبر كل مرحلة من مراحل مناقشته وتعديله والمصادقة عليه وإحالته. وإذا كانت المحكمة الدستورية هي حارسة سمو الدستور، فإن مسؤولية المؤسسات السياسية والإدارية تبدأ قبل الوصول إليها بإعداد الملفات الصحيحة، واحترام الاختصاصات، وضبط المساطر، والتحقق من الوثائق، والتعامل مع الدستور باعتباره قاعدة عمل يومية لا مجرد مرجعية خطابية، ومن هنا، فإن السؤال الذي يختصر كل هذه القراءة هو:
هل ما وقع مجرد خطأ إجرائي عابر، أم أنه كشف عن حاجة أعمق إلى مراجعة الثقافة الدستورية، وجودة التشريع، وآليات الرقابة المؤسساتية، وشروط الولوج إلى العدالة الدستورية؟ ثم يبقى سؤال أكثر حساسية، لا يجوز تحويله إلى اتهام في غياب الدليل وهو:
هل كان الخطأ مجرد سهو، أم أن البحث الموضوعي في ملابساته قد يكشف، يوما ما، عن فعل مقصود؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا، لا بوصفه حكما، وإنما بوصفه فرضية لا يمكن أن تتحول إلى حقيقة إلا بالدليل.
فالديمقراطية لا تخاف من الأسئلة، ودولة القانون لا تخشى البحث في مواطن الخلل؛ الذي ينبغي أن تخشاه المؤسسات هو أن تتحول الأخطاء غير المفسرة إلى ممارسة عادية، أو أن تتحول الفرضيات إلى اتهامات بلا دليل.
إن قيمة قرار المحكمة الدستورية، في نهاية المطاف، ليست فقط فيما قالته المحكمة، وإنما فيما أجبر المؤسسات والمجتمع والباحثين على أن يسألوا عنه.
فالدستور لا يحمي الدولة بمجرد وجوده في الوثيقة الدستورية؛ وإنما يحميها عندما يتحول إلى ثقافة مؤسساتية، وإلى قواعد عمل، والى مسؤولية سياسية وقانوية يومية.
وحين يتعثر القانون امام الدستور، فان الواجب ليس فقط اصلاح الوثيقة الناقصة، وانما البحث في أسباب التعثر، ومراجعة المساطر، وتحصين المؤسسات، وضمان ان تظل الرقابة الدستورية حقا فعليا لا مجرد امكانية نظرية.

























