تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

سبتة… بيان الحقيقة الذي كتبه عشرات الآلاف من المغاربة

 

 

محمد الغفري/فاعل سياسي و حقوقي 

 

 

ليست كل البيانات تُكتب بالحبر… بعضها يكتبه الناس بأقدامهم، وبعضها الآخر تكتبه الأمواج.
الرباط في 01 غشت 2026

 

هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا تحتاج إلى خطابات رسمية، ولا إلى تقارير المؤسسات، ولا إلى استطلاعات الرأي. لحظات يصبح فيها الفعل الجماعي نفسه بياناً سياسياً مكتوباً بلغة الألم واليأس. وما عاشته مدينة سبتة المحتلة في الأيام الأخيرة هو من هذا القبيل.

 

أن يندفع عشرات الآلاف من المغاربة نحو البحر، في وقت واحد، غير آبهين بالموت أو الغرق أو الاعتقال أو الترحيل، ليس مجرد حادث للهجرة غير النظامية، وليس مجرد خلل أمني أو أزمة حدودية. إنه تعبير اجتماعي وسياسي كثيف عن أزمة عميقة يعيشها جزء واسع من المجتمع المغربي. إنه، بكل المعاني، بيان حقيقة صادر عن الفئات الشعبية التي لم تجد وسيلة أخرى لتقول إن العلاقة بينها وبين الوعود التنموية قد دخلت مرحلة من التصدع الخطير.

 

لقد بدت الصور وكأنها تلخص مأساة وطن بأكمله: شاب يحمل أمه فوق كتفيه، وآخر يحمل رضيعه فيما تسير زوجته وأطفاله إلى جانبه، آلاف الشباب يعبرون المياه بملابسهم العادية، لا يحملون سوى حلم بسيط اسمه الحياة الكريمة. لم تكن تلك الصور مجرد مشاهد إنسانية مؤثرة، بل كانت اتهاماً أخلاقياً وسياسياً لنموذج تنموي لم ينجح في تحويل النمو الاقتصادي إلى عدالة اجتماعية يشعر بها المواطن.

 

لقد اعتاد المغاربة، خلال السنوات الأخيرة، سماع الأرقام المتعلقة بالنمو والاستثمارات والمشاريع الكبرى والمؤشرات الإيجابية. غير أن السؤال الذي طرحه بحر سبتة كان أكثر بساطة وأكثر قسوة: إذا كان الاقتصاد ينمو، فلماذا يهرب الناس؟ وإذا كانت التنمية تتحقق، فلماذا أصبح البحر أكثر جاذبية من الوطن بالنسبة لعشرات الآلاف؟

 

إن ما وقع يكشف التناقض بين اقتصاد قد يسجل مؤشرات إيجابية على الورق، ومجتمع لا تزال شرائح واسعة منه تعيش البطالة والهشاشة وغلاء المعيشة، وتعاني من التفاوتات المجالية والاجتماعية، ومن تراجع الثقة في قدرة المؤسسات على تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص. فالتنمية لا تقاس فقط بما يُبنى من طرق وموانئ ومناطق صناعية، وإنما أيضاً بما يشعر به المواطن من أمن اجتماعي، وقدرته على الشغل، والسكن، والعلاج، والتعليم، والعيش بكرامة.

 

ومن هذه الزاوية، فإن أحداث سبتة ليست حكماً على حكومة بعينها فقط، وإنما مساءلة لمسار طويل من السياسات العمومية المتعاقبة. فحين تصل الأزمة إلى درجة أن يحمل الأب أبناءه إلى المجهول، فإن السؤال لم يعد يتعلق ببرنامج حكومي أو بولاية انتخابية، بل بمدى نجاح الدولة، بكل مؤسساتها، في بناء عقد اجتماعي يشعر المواطن بأنه شريك فيه، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

 

والأكثر إثارة للانتباه أن هذا الحدث الاستثنائي قوبل بصمت رسمي وإعلامي لافت. وكأن تجاهل المأساة يمكن أن يلغي وجودها. غير أن الصمت لا يغير الوقائع، بل يؤجل النقاش الضروري حول أسبابها. والمجتمعات التي تمتلك الثقة في نفسها لا تخشى مواجهة أزماتها، بل تعتبر الاعتراف بها الخطوة الأولى نحو معالجتها.

 

كما أن اختزال ما جرى في البعد الأمني سيكون خطأً استراتيجياً. فالهجرة الجماعية ليست جريمة جماعية، وإنما مؤشر اجتماعي وسياسي على وجود اختلالات عميقة. وكل المقاربات التي تجعل من الحدود محوراً وحيداً للمعالجة، وتتجاهل أسباب الهجرة، محكوم عليها بإعادة إنتاج المأساة.

 

ولا يمكن، في المقابل، إعفاء الاتحاد الأوروبي من مسؤوليته. فمن غير المقبول أن تُختزل العلاقة مع الضفة الجنوبية للمتوسط في منطق حماية الحدود ومنع المهاجرين، بينما تستمر الفوارق الاقتصادية والاجتماعية في الاتساع. إن استقرار الضفتين لا يتحقق بالأسلاك الشائكة، وإنما بإرساء شراكة تقوم على العدالة في التنمية، واحترام حقوق الإنسان، والاعتراف بأن الكرامة الإنسانية لا تتوقف عند الحدود.

 

وفي هذا السياق، يكتسب البيان الذي أصدرته جمعية المغاربة بفرنسا بتاريخ 31 يوليوز 2026 أهمية خاصة، لأنه جاء ليؤكد أن ما وقع في سبتة لا يمكن اختزاله في مقاربة أمنية أو في قضية مراقبة للحدود. فقد اعتبر أن صور آلاف المغاربة، من شباب وعائلات وقاصرين، وهم يخاطرون بحياتهم لعبور البحر، تعكس أزمة اجتماعية وسياسية عميقة، وأن الهجرة القسرية ليست قدراً، بل نتيجة خيارات اقتصادية واجتماعية وسياسية تستوجب المراجعة. كما دعا إلى إصلاحات ديمقراطية حقيقية، وإلى محاربة البطالة والهشاشة والفساد، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وضمان الحقوق والحريات، حتى يصبح البقاء في الوطن خياراً طبيعياً، لا أن يتحول الرحيل عنه إلى الأمل الوحيد.

 

وتكتسب هذه الشهادة قيمتها لأنها صادرة عن مغاربة يعيشون في المهجر، ينظرون إلى ما جرى من موقع القرب الإنساني والبعد الجغرافي في آن واحد، ويرفضون أن يتحول المنفى إلى المصير الوحيد الذي يُفرض على أجيال جديدة من أبناء وطنهم.

 

لقد قال الفيلسوف جان جاك روسو إن شرعية السلطة تقوم على العقد الاجتماعي. وما وقع في سبتة يفرض إعادة طرح السؤال نفسه بصيغة مغربية: ماذا يبقى من العقد الاجتماعي عندما يصبح البحر، بكل مخاطره، أكثر إقناعاً من المستقبل داخل الوطن؟ وماذا تعني نسب النمو إذا كانت لا تُترجم إلى شعور عام بالأمل والإنصاف؟

 

إن الأمم لا تُقاس فقط بقدرتها على تشييد البنيات التحتية، وإنما أيضاً بقدرتها على الاحتفاظ بأبنائها. فحين يصبح النزوح الجماعي حلماً جماعياً، لا يعود الأمر أزمة هجرة، بل أزمة ثقة، وأزمة أفق، وأزمة عدالة.

 

لقد كتب عشرات الآلاف من المغاربة، بأقدامهم التي مشت نحو البحر، وبأجسادهم التي واجهت الأمواج، وبالدموع التي سالت في عيون الأمهات والآباء، بياناً لن يمحوه الصمت الرسمي، ولن تخفيه لغة الأرقام.

 

إنه بيان الحقيقة… البيان الذي يعلن أن التنمية التي لا تصل إلى الإنسان، والاقتصاد الذي لا يصنع الكرامة، والسياسة التي لا تستعيد ثقة المواطنين، تبقى إنجازات ناقصة مهما بلغت أرقامها.

 

وإذا لم يتحول هذا الحدث إلى لحظة مراجعة وطنية شجاعة، فإن التاريخ قد يعيد كتابة هذا البيان مرة أخرى، ولكن بثمن إنساني أكثر قسوة.

 

لقد كتب عشرات الآلاف من المغاربة، بأقدامهم التي مشت نحو البحر، وبأجسادهم التي واجهت الأمواج، وبدموع الأمهات والآباء الذين ودعوا أبناءهم، بياناً لن يمحوه الصمت، ولن تلغيه لغة الأرقام، ولن تحجبه المقاربات الأمنية.

 

إنه بيان الحقيقة… البيان الذي يعلن أن التنمية التي لا تصل إلى الإنسان ليست تنمية مكتملة، وأن النمو الذي لا ينعكس على العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية يبقى رقماً بلا روح. كما يذكرنا بأن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وموانئ ومدن ومؤشرات اقتصادية، بل أيضاً بقدرتها على أن تجعل أبناءها يؤمنون بأن مستقبلهم يوجد داخل وطنهم، لا خلف البحر.

 

ولعل الدرس الأكبر الذي تفرضه مأساة سبتة هو أن الأوطان لا تُحمى بالأسلاك الشائكة وحدها، ولا بالصمت، ولا بتدبير الأزمات بعد وقوعها، وإنما تُحمى بالحرية، وبالعدالة الاجتماعية، وبالديمقراطية، وبالكرامة الإنسانية. فهذه هي الحدود الحقيقية التي تمنع الشعوب من الهجرة… قبل أن تمنعها الحدود الجغرافية.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات