الماء… من نعمة طبيعية إلى قضية سيادة وطنية
الحلقة التاسعة من سلسلة تغريدة خارج السرب
🌟المحور الأول من سلسلة إستقصائية حول مصير أمننا الغذائي و سيادتنا الفلاحية 🌟
بقلم الكوتش و المدربة و الأخصائية النفسية: نجاة زين الدين
ليس من المبالغة القول إن القرن الحادي و العشرين لن يكون قرن الصراعات على النفط، بقدر ما سيكون قرن الصراعات على الماء… فكل المؤشرات العلمية، و كل التقارير الدولية، تجمع على أن المياه العذبة أصبحت المورد الإستراتيجي الأكثر ندرة و الأشد تأثيرا في مستقبل الدول و إستقرارها الداخلي: حياة و أمنا.
و المغرب ليس بمنأى عن هذه التحولات، بل يقف اليوم في قلبها، بسبب طول سنين الجفاف و التصحر الماضية و فرط سوء التدبير الفردي و الجماعي و المؤسساتي لهذه الثروة الرئيسية للحياة الإنسانية الكريمة آنيا…
فقد إنتقل وطننا الحبيب، خلال بضعة عقود فقط، من بلد كان يتمتع بوفرة نسبية في موارده المائية إلى بلد يعيش تحت عتبة الإجهاد المائي الحاد… و إنخفض بذلك نصيب الفرد من المياه المتجددة بشكل متواصل، بفعل التغيرات المناخية، و توالي سنوات الجفاف، و الضغط الديمغرافي، و تزايد الطلب على الماء، و سوء التدبير، حتى أصبح الأمن المائي واحدا من أكبر التحديات الوطنية، بل أهمها…
و لعل أخطر ما في الأمر أن الأزمة لم تعد تقتصر على إنخفاض التساقطات المطرية، بل أصبحت أزمة تدبير و إختيارات و أولويات أيضا…
فإذا كان تغير المناخ قدرا لا تملك أي دولة دفعه، فإن طريقة توزيع المياه و طريقة إستعمالها تبقى قرارا سياديا يتحمل كل من الدولة و المواطن مسؤوليته في الحاضر و المستقبل.
إن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل السياسات الفلاحية و الإقتصادية هو: فيما يجب أن تستعمل كل قطرة ماء؟؟؟
هل يكون الماء أولا للشرب، ثم للإنتاج الغذائي الأساسي، ثم للإستعمالات الإقتصادية الضرورية؟؟؟
أم يصبح من المشروع أن تنافس الزراعات التصديرية حق المواطنين في الماء، وحق الوطن في تحقيق أمنه الغذائي؟؟؟
إن ترتيب الأولويات ليس تفصيلا تقنيا ثانويا، بل هو جوهر أي سياسة عمومية مسؤولة و حكيمة…
فالدول التي تفكر بعقل إستراتيجي تبدأ بتأمين الحقوق الأساسية لمواطنيها، ثم تبني إقتصاداتها على ما تبقى من فائض الموارد لا العكس…
أما حين يختل هذا الترتيب، فإن الربح الإقتصادي الآني قد يتحول إلى خسارة وطنية طويلة الأمد و بالغة الأثر على كل مناحي الحياة…
و لذلك، فإن الحديث عن الماء لا ينبغي أن يظل محصورا داخل تقارير تقنية مكرونة لرفوف مكاتب الحكومات المتعاقبة أو إجتماعاتها الإدارية الغير المعلنة، بل يجب أن يرتقي إلى مستوى النقاش الوطني العمومي الكبير، لأن الأمر يتعلق بثروة لا يملكها جيل بعينه، و لا حكومة بعينها، و لا مستثمر بعينه…
إن الماء ملك لكل المغاربة، بمن فيهم الذين لم يولدوا بعد…نعم بمن فيهم الجيل القادم…
و هذه الحقيقة تفرض مبدأ أخلاقيا قبل أن تكون مبدأ قانونيا: و هو أن كل قرار يؤدي إلى إستنزاف غير قابل للتعويض للفرشات المائية، إنما يمس حق الأجيال القادمة في الحياة و في العيش بأمن و أمان…
إن الفرشات المائية ليست خزانات تجارية مفتوحة، بل هي إحتياطي إستراتيجي تكون عبر آلاف السنين، و يجب إذا أن يدار بمنطق المحافظة لا بمنطق الإستنزاف و الأنانية و الإنتهازية و الشطط في إستعمال السلطة…
و من هنا، يصبح لزاما أن نعيد تعريف الماء في السياسات العمومية، لا بإعتباره مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، و إنما بإعتباره الرأسمال السيادي المحوري للحياة الكريمة لكل مغربي و مغربية و بكل مناطق خريطتنا الوطنية دون إقصاء و لا تمييز… تدبير رشيد لا يقل أهمية عن الحدود الوطنية، و لا عن الأمن العسكري، و لا عن الإستقلال الإقتصادي.
فالوطن الذي يفقد ماءه، يفقد تدريجيا قدرته على إنتاج غذائه، و يزداد إرتهانا للأسواق الخارجية، ليصبح بذلك أكثر هشاشة أمام الأزمات الدولية، خاصة أزمة الغذاء، مما سيجعل عندها تبعيتنا الإقتصادية و السياسية للغير إجبارية…
إن التاريخ يعلمنا أن الحضارات لم تكن تنهار حين ينفد المال، و إنما كانت تنهار حين تجف الأنهار، و تتصحر الأرض، و يختل ميزان العدالة في توزيع الموارد الطبيعية الحياتية…
ولذلك، فإن أول إصلاح ينبغي أن يبدأ به المغرب هو إصلاح فلسفة النظر إلى الماء نفسه…
فالماء ليس موردا إقتصاديا فقط…
و ليس مجرد رقم في ميزانيات الدولة…
و ليس سلعة تخضع لمنطق العرض و الطلب محتكرة من طرف أسماء معنية…
بل هو حق دستوري، و أمانة وطنية، و أحد أعمدة السيادة المغربية الوطنية…
و حين يصبح الماء قضية سيادية، يصبح الحفاظ عليه واجبا وطنيا، لا يقبل التهاون، و لا يخضع لضغوطات المصالح الظرفية أو الذاتية، لأن الأوطان التي تحسن إدارة قطرة الماء، هي الأوطان التي تضمن لأبنائها حق الحياة، و حق الكرامة، و حق المستقبل بكل تأكييييد.



























