عندما نجعل من الإنتصار في كرة القدم إنتصارا للهوية…
فمن ينتصر للوطن؟
الحلقة الثامنة عشر من سلسلة شذرات فكرية
بقلم: الكوتش و المدربة و الأخصائية النفسية: نجاة زين الدين
في كل مرة ينتصر فيها المنتخب الوطني المغربي، يتوقف الزمن للحظات… تخرج الجماهير إلى الشوارع، و ترتفع الأعلام فوق الأسطح و السيارات، و تتعانق القلوب قبل الأجساد، و يشعر المغربي، أينما كان، أن شيئا عميقا في داخله قد إستعاد نبضه.
إنها لحظة نادرة يذوب فيها الإختلاف، و تسقط فيها الحدود الإجتماعية، و يصبح فيها الإنتماء هو اللغة الوحيدة التي يتحدث بها الجميع…
و ليس في ذلك ما يدعو إلى الإستغراب؛ فالرياضة، في بعدها الإنساني، قادرة على صناعة المشاعر الجماعية، و بناء الإحساس بالإنتماء، و إفراز جرعات من الدوبامين و الإندورفين المرتبطين بالفرح و الإنجاز، و هو ما يفسر الأثر النفسي الكبير الذي تخلفه الإنتصارات الرياضية…
لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس: لماذا نفرح بإنتصار المنتخب؟؟؟
بل السؤال الحقيقي هو:
لماذا أصبحت هذه اللحظات الرياضية هي المصدر الوحيد تقريبا الذي يمنحنا الإحساس الجماعي بالإنتصار؟؟؟
و لماذا أصبح المواطن المغربي ينتظر مباراة كرة القدم حتى يشعر بأن هويته إنتصرت، بينما يعيش في تفاصيل حياته اليومية هزائم صغيرة و متكررة: في المدرسة، و المستشفى، و الإدارة، و سوق الشغل، و في الكثير من تفاصيل العيش الكريم؟؟؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمم ليس الهزيمة العسكرية و لا الأزمة الإقتصادية، و إنما إعتياد الهزيمة اليومية حتى تصبح جزءاً من الحياة، ثم البحث عن إنتصار رمزي مؤقت يعوض كل تلك الخسارات المتراكمة…
لقد أصبح الإنتصار الرياضي بالنسبة إلى الكثيرين بمثابة تعويض نفسي عن إحباطات إجتماعية و إقتصادية و ثقافية متعددة… و ليس لأن كرة القدم هي المشكلة، بل لأن بقية مجالات الحياة لم تعد تنتج القدر نفسه من الأمل… و من الفرح…
كيف يمكن لأسرة تعيش إضطرابا في توزيع المسؤوليات، و تراجعا في ثقافة الإمتنان، و صراعا متزايدا حول الحقوق و الواجبات، و فقدانا للمعنى بفقدان القدرة على التعبير عن المشاعر و إعتبار ذلك طابو يحرم الحديث عنه، أن تصنع جيلا متوازنا نفسيا؟؟؟
و كيف يمكن لمنظومة تعليمية تواجه تحديات في الجودة و الإنصاف و العدالة الإجتماعية أن تنتج عقلا قادرا على قيادة المستقبل؟؟؟
و كيف يمكن لقطاع صحي يرزح تحت ضغوطات و تحديات متزايدة أن يمنح للمواطن شعورا بالأمان الصحي المطلوب؟؟؟
و كيف يمكن أن نبني الثقة في المستقبل بينما تتزايد مخاوف الشباب من البطالة و الهجرة و إدمان المخدرات و ضياع الفرص بسبب إعلام يهدر وقت المواطن المغربي في دموع حلقات المسلسلات التركية المذبلجة، و المواد التافهة؟؟؟
إنها أسئلة لا تقل أهمية عن نتيجة أي مباراة…
نعم، فالمنتخب يستطيع أن ينتصر تسعين دقيقة…
أما الوطن، فعليه أن ينتصر ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما في السنة.
إن المدرسة العمومية ليست مجرد بناية إسمنتية، بل هي المصنع الحقيقي للمواطنة…
و حين تنتصر المدرسة، ينتصر الطبيب، و ينتصر المهندس، و ينتصر القاضي، و ينتصر الباحث، و ينتصر المقاول، و ينتصر المنتخب الوطني نفسه…
أما عندما تتراجع جودة التعليم، فإن المجتمع كله يبدأ في دفع الثمن، مهما حقق من إنجازات رياضية…
و لهذا فإن إعادة الإعتبار للتعليم العمومي ليست مطلب ترف، بل هي قضية أمن وطني و تنمية بشرية و إستثمار محوري و رئيسي، طويل الأمد..
و الأمر نفسه ينطبق على الصحة.
فالأمم لا تقاس فقط بعدد ملاعبها، و إنما أيضا بعدد مستشفياتها القادرة على إنقاذ الحياة، و جودة الخدمات الصحية، و عدالة الولوج إلى العلاج بكل الخريطة الوطنية…
إن الإستثمار في صحة الإنسان ليس عبئا ماليا، بل هو إستثمار في الرأس المال البشري، و هو الشرط الأول لكل تنمية مستدامة، مأمولة…
ثم ماذا عن شباب المغرب؟؟؟
كم من موهبة علمية أو أدبية أو فنية غادرت الوطن لأنها لم تجد من يحتضنها؟؟؟
و كم من مشروع إبتكاري ولد في غرفة صغيرة ثم وجد الٱعتراف خارج الحدود؟؟؟
و كم من عقل لامع إستسلم لليأس لأنه لم يجد مؤسسة تؤمن بفكرته؟؟؟
ألسنا بحاجة، كما ننظم البطولات الرياضية، إلى بطولات وطنية و دولية للبحث العلمي، و للإختراع، و للبرمجة، و للذكاء الإصطناعي، و للآداب، و للفنون، و لريادة الأعمال؟؟؟
ألسنا بحاجة إلى أن يصبح العلماء و المبتكرون قدوة جماهيرية كما هم نجوم الرياضة؟؟؟؟
إن الأمم العظيمة لا تحتفل فقط بمن يسجل الأهداف…
بل تحتفل أيضا بمن يسجل براءة إختراع، أو يكتشف علاجا، أو يؤلف كتابا، أو يؤسس شركة تخلق فرص الشغل لشباب هذا الوطن.
و لا يمكن الحديث عن مستقبل الوطن دون مواجهة آفة المخدرات.
فالمعركة ضد الإدمان ليست مسؤولية الأمن وحده، و إنما مسؤولية الأسرة، و المدرسة، و الإعلام، و الجمعيات، و المؤسسات الدينية، و الأحزاب السياسية، و الجامعات، و القطاع الصحي…
إن كل شاب ينتشل من الإدمان هو إنتصار وطني لا يقل أهمية عن أي لقب رياضي…
أما الحياة السياسية، فهي مطالبة بأن تكون حاضرة في كل الفصول، لا في مواسم الإنتخابات فقط.
فالأحزاب السياسية ليست مجرد آلات ٱنتخابية، بل مؤسسات للتأطير، و صناعة النخب، و بلورة الحلول، و إنتاج الأفكار…
و كلما ٱقتربت الأحزاب من هموم المواطن اليومية، ٱزدادت الثقة في العمل السياسي، و ٱتسعت دائرة المشاركة، و تعزز الإنتماء الوطني.
و ليس المقصود من كل هذا التقليل من قيمة كرة القدم…
على العكس…
فنحن نحب المنتخب الوطني…
و نفتخر بكل لاعب رفع علم المغرب عاليا…
و نفرح بكل إنتصار يحققه…
لكننا نرفض أن يصبح الإنتصار الرياضي بديلا عن الإنتصار الحضاري…
فالرياضة يجب أن تكون ثمرة نجاح للمجتمع…
لا أن تتحول إلى الوسيلة الوحيدة التي نشعر عبرها بأننا إنتصرنا…
إن المغرب يستحق أكثر من ذلك…
يستحق مدرسة تفتح أبواب المستقبل.
و يستحق مستشفى يصون كرامة الإنسان.
و يستحق إعلاما يوقظ الوعي قبل أن يصنع الفرجة من التفاهة و السفاهة.
و يستحق إدارة تجعل خدمة المواطن معيارا للنجاح.
و يستحق إقتصادا يخلق فرصا حقيقية للشباب في مختلف جهات المملكة، بما فيها الدواوير و بكل المناطق الجبلية النائية…
كما يستحق نقاشا وطنيا هادئا و مسؤولا حول السياسات الفلاحية، و إدارة الموارد المائية، و أولويات التنمية، بما يوازن بين النمو الإقتصادي و حماية الثروات الطبيعية و ضمان العدالة المجالية.
و لكي يتحول هذا الحلم إلى واقع، فإن الطريق يبدأ بخطوات عملية واضحة:
- إعادة الإعتبار للتعليم العمومي عبر الإستثمار في جودة التكوين، و تحسين أوضاع الأطر التربوية، و ربط المدرسة بسوق المعرفة و الإبتكار.
- تعزيز المنظومة الصحية، خصوصا في العالم القروي و المناطق النائية، و تطوير خدمات الوقاية و الصحة النفسية…
- إطلاق مسابقات وطنية و دولية في البحث العلمي و الإبتكار، مع توفير حاضنات للمواهب و تمويل للمشروعات الواعدة…
- إعتماد إستراتيجية وطنية متكاملة للوقاية من الإدمان تجمع بين التوعية و العلاج و الإدماج.
- دعم الإعلام الذي يعزز التفكير النقدي و يقدم نماذج النجاح في العلم والعمل و الثقافة، إلى جانب الرياضة.
- توسيع فضاءات المشاركة المجتمعية حتى يشعر المواطن بأن صوته و رأيه يساهمان في رسم الأولويات التنموية.
يا وطني…
نحن لا نريد أن نفرح مرة كلما ٱنتصر منتخب في الرياضة…
بل نريد أن نفرح كل صباح عندما يدخل طفل إلى مدرسة تليق بكرامته.
و نفرح كل مساء عندما يعود مريض من مستشفى و قد استعاد صحته و عافيته دون أن يثقل كاهله العلاج.
و نفرح عندما يجد الشاب فرصة عمل تحفظ كرامته.
و نفرح عندما تنتصر العدالة، و يزدهر العلم، و يقوى الإقتصاد، و يعلو شأن الثقافة.
حينها فقط…
لن يكون إنتصار المنتخب تعويضا عن شيء مفقود….
بل سيكون تتويجا لوطن إنتصر أولا على الجهل، و المرض، و الإقصاء، و الإدمان، و اليأس…
ذلك هو الإنتصار الذي لا ينتهي مع صفارة الحكم…
بل يبدأ منها…



























