الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

حلم جميل [ حين تحاور الطين والهواء ]

 

 

 

لمختار عنقا الادريسي
طنجة . المملكة المغربية

 

 

استسلمت للنوم قبل منتصف ليلة هذا الاثنين بقليل ، وأنا أمني النفس بانتظار صافرة الحكم التي ستعلن ، مع انبلاج صباح الثلاثاء ، انطلاق المواجهة الكروية المرتقبة بين المنتخبين المغربي و الهولندي .

 

وربما لأن العقل لا يتوقف عن التفكير حتى وهو نائم ، فقد راودني حلم غريب ، لكنه كان جميلاً إلى حد الدهشة . لقد رأيت كأنني أقف في فضاء فسيح تتجاور فيه الطواحين الهوائية الهولندية مع الطواجين المغربية ، في مشهد لا تصنعه إلا الأحلام . لقد كانت الطواحين تدور في هدوء، تداعبها الرياح القادمة من بحر الشمال، بينما كانت الطواجين تستقر في سكينة فوق جمر هادئ ، تفوح منها رائحة الأرض والذاكرة والدفء .وفجأة، لم تعد الطواحين مجرد خشب يدور ، ولا الطواجين مجرد أوانٍ من طين ، بل دبت فيهما الحياة ، وانطلق بينهما حوار شيق وعميق ، لم يكن في حقيقته حواراً بين أوانٍ وأدوات ، بقدر ما كان حواراً بين حضارتين … بين الهواء الذي تعلّم كيف يصنع الحركة ، والطين الذي تعلّم كيف يصنع الحياة.

 

أنصتُ إليهما مأخوذاً بما أسمع ، وكأن المباراة التي كنت أنتظرها فوق المستطيل الأخضر قد بدأت في مخيالي قبل موعدها … ولكن بلغة الرموز .

 

* قال الهواء الهولندي: أنا الذي أدير الطواحين، وأمنح الأشرعة حركتها، وأدفع السفن إلى اكتشاف الآفاق البعيدة. منذ قرون وأنا رفيق شعب تعلّم كيف يحوّل الريح إلى طاقة ، وكيف يجعل من الماء صديقاً لا عدواً للانسان .

*فابتسم الطين المغربي وقال : وأنا الذي تُصنع مني الطواجين ، وتُخبز فوق ناري حكايات الأجداد . في أحشائي تختلط النكهات ، وتنضج الذاكرة ، ويجتمع حولي الناس كما تجتمع الأسرة حول دفء البيت .

* قال الهواء : أنا رمز الحركة … السفر … الانطلاق .

* فأجاب الطين : أو لا تعلم أني رمز الجذور والثبات والانتماء .

* رد الهواء : أنا أرفع الطاحونة نحو السماء .

* فتبسم الطين وقال : وأنا أزرع الإنسان في أرضه ، ليظل وفياً لأصله مهما ابتعدت به الطرق .

* فسأل الهواء مبتسماً : ومن منا سيكون الأقوى غداً ، على المستطيل الأخضر ؟

* فرد عليه الطين في هدوء الواثق قائلا : ليس السؤال من الأقوى ، بل من استطاع أن يحوّل عناصر الطبيعة إلى حضارة . أنتم صنعتم من الريح طواحين ، ونحن صنعنا من الطين طواجين . أنتم أبدعتم في هندسة الحركة ، ونحن أبدعنا في هندسة الدفء والطمأنينة وحافظنا على التجمع الأسري . وكلا الإبداعين وجهان لعبقرية الإنسان .

 

وهنا ، تدحرجت كرة القدم بينهما ، وكأنها كانت تستمع منذ البداية، وقالت ضاحكة :

 

[ غداً سأكون أنا ضيفة على أرض الملعب ، لكنني لن أكون حكماً بينكما . فليس هناك غالب ولا مغلوب بين الحضارات . الفوز الحقيقي هو أن يحوّل الإنسان ما وهبته الطبيعة إلى إبداع ، وأن يجعل من الريح طاقة ، ومن الطين حياة ، ومن المنافسة جسراً للتعارف والاحترام ] .

وعندها خفت صوت الريح ، وازداد دفء الجمر ، وساد صمت جميل ، كأن الهواء والطين قد اتفقا على أن يتركا الكلمة الأخيرة للاعبين فوق العشب الأخضر ، هناك في المكسيك .

 

وفجأة… استيقظت على صوت المنبه ، وأدركت أن ما رأيته لم يكن سوى حلم . غير أن بعض الأحلام ، حين تكون جميلة ، تظل أصدق من كثير من الوقائع ، لأنها تذكرنا بأن الأمم لا تتنافس فقط في ملاعب الكرة ، بل تتنافس أيضاً في صناعة الحضارة ، وأن احترام الآخر … تقديره … عدم خشيته ، هو أجمل انتصار يمكن أن يحققه الإنسان .

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!