مسيرة 28 يونيو: اختبار الثقة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع
قراءة في حدود الرواية الرسمية، واستقلالية الفعل النقابي، والإسناد السياسي للمطالب الاجتماعية، وصمت الإعلام العمومي
بقلم ذ. عثمان باقة – المغرب
عضو المكتب التنفيدي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل
شكلت المسيرة الوطنية التي دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالدار البيضاء، يوم 28 يونيو 2026، حدثا سياسيا واجتماعيا بارزا تجاوز في دلالاته المطالب النقابية المباشرة المتعلقة بالأجور والقدرة الشرائية، بما في ذلك المطالبة بتخفيض الضريبة على الدخل والضريبة على القيمة المضافة. وقد عرفت المسيرة مشاركة كثيفة، واستقطبت آلاف المناضلات والمناضلين الذين توافدوا من مختلف الجهات والأقاليم، ممثلين للعديد من التنظيمات والنقط الكونفدرالية عبر التراب الوطني، في مشهد عكس قدرة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل على التعبئة الوطنية، رغم الظرفية السياسية والاجتماعية التي نظمت فيها.
ولم يكن هذا النجاح التنظيمي مجرد معطى عددي، بل حمل في طياته دلالات سياسية واجتماعية عميقة، بالنظر إلى أنه جاء في نهاية الولاية الحكومية، في لحظة يفترض فيها أن تكون الحصيلة الاجتماعية والاقتصادية محل تقييم عمومي. وهكذا تحولت المسيرة إلى اختبار لمدى ثقة قطاعات واسعة من المجتمع في السياسات العمومية وفي الخطاب الرسمي الذي رافقها، كما أعادت إلى الواجهة سؤال الفجوة بين الرواية الرسمية للمنجزات وبين الإدراك الاجتماعي لنتائجها على الواقع المعيشي للمواطنين.
بين الرواية الرسمية والإدراك الاجتماعي
تستند الحكومة المنتهية ولايتها في تقييم أدائها إلى المعطيات الرسمية التي قدمتها بشأن حصيلتها الاجتماعية، حيث تؤكد أنها “وسعت نطاق الحماية الاجتماعية، ورفعت الأجور، وحسنت الحد الأدنى للأجور، ووسعت قاعدة المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي المباشر”. وتمثل هذه المعطيات الرواية الرسمية التي تعتمدها الحكومة للدفاع عن منجزها.
غير أن قيمة هذه الأرقام لا تقاس بمجرد الإعلان عنها، وإنما بمدى انعكاسها على الواقع المعيشي للمواطنين. فاستمرار البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، كلها مؤشرات تجعل جزءا مهما من المجتمع لا يشعر بأن تلك الإنجازات قد انعكست بصورة ملموسة على حياته اليومية. ولذلك فإن النقاش لم يعد يدور حول صحة الأرقام، بقدر ما أصبح يدور حول مدى تعبيرها عن الواقع الاجتماعي.
لا وجود للوقت الميت في الزمن الاجتماعي
اعتبر بعض المنتقدين أن تنظيم المسيرة في الأسابيع الأخيرة من عمر الحكومة جاء فيما اسموه ب “الوقت الميت من الزمن السياسي”. غير أن هذا التوصيف يغفل الفرق الجوهري بين الزمن السياسي والزمن الاجتماعي. فالولايات الحكومية تنتهي، أما معاناة الشغيلة والمواطنين فلا تخضع للتقويم الانتخابي. فغلاء المعيشة، والتسريح من العمل لدواعي اقتصادية، واستمرار البطالة، والتضييق على الحريات والحقوق النقابية، ليست ملفات يمكن تأجيلها إلى ما بعد تشكيل حكومة جديدة. ومن ثم، فإن العمل النقابي لا يقاس بإيقاع الاستحقاقات السياسية، وإنما بإيقاع المطالب الاجتماعية. وقد يكون في السياسة وقت ميت، لكن في المجتمع لا يوجد وقت ميت ما دامت أسباب الاحتجاج لا تزال قائمة.
استقلالية القرار النقابي ودلالات الانفراد
من أبرز ما ميز هذه المحطة الاحتجاجية أنها نظمت بمبادرة منفردة من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في ظل غياب باقي المركزيات النقابية وخاصة الأكثر تمثيلية.
ولا يبدو هذا الغياب مجرد اختلاف في تقدير الظرفية، بل يعكس أيضا طبيعة العلاقة التي تربط بعض المركزيات النقابية بامتداداتها الحزبية، خاصة عندما تكون تلك الأحزاب جزءا من الأغلبية الحكومية أو قريبة منها. فكلما ازدادت درجة التشابك بين القرار النقابي والمرجعية الحزبية، تقلص هامش المبادرة المستقلة في مواجهة الحكومة، حتى عندما تكون المطالب الاجتماعية محل إجماع.
وفي المقابل، أبرزت هذه المحطة أن استقلالية القرار النقابي تظل شرطا أساسيا للحفاظ على قدرة التنظيمات النقابية على التعبير عن مصالح الشغيلة بعيدا عن حسابات الاصطفاف السياسي.
اتساع دائرة الإسناد السياسي
رغم غياب معظم المركزيات النقابية، حظيت المسيرة بإسناد سياسي واضح من عدد من القوى التي أعلنت دعمها لمطالبها الاجتماعية، وفي مقدمتها فدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد، والنهج الديمقراطي، إضافة إلى القطاع النقابي لجماعة العدل والإحسان.
ولا ينبغي فهم هذا الإسناد باعتباره تحالفا سياسيا بين هذه الأطراف، فلكل منها مرجعياته وخياراته التنظيمية الخاصة، وإنما يعكس تقاطعا حول قضايا اجتماعية أصبحت تستقطب اهتماما متزايدا داخل الفضاء السياسي. وهو ما يؤكد أن الملفات الاجتماعية ليست شأنا نقابيا صرفا، بل تشكل قضية عمومية تستدعي تفاعل مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين.
صمت الإعلام العمومي
ومن بين الأمور التي لا تقل أهمية عن المسيرة نفسها، الغياب الملحوظ للإعلام العمومي عن مواكبة هذا الحدث، رغم أنه كان من أبرز الأحداث الوطنية خلال الأسبوع.
ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بتغطية منحازة لهذا الطرف أو ذاك، وإنما باحترام مبدأ الخدمة العمومية في الإعلام، الذي يقتضي مواكبة الأحداث ذات الأهمية الوطنية، وتمكين المواطنين من حقهم في الوصول إلى المعلومة. فالإعلام العمومي ليس إعلاما حكوميا، بل مؤسسة ممولة من المال العام يفترض فيها أن تعكس تعددية المجتمع وأن تنقل مختلف الوقائع التي تشكل الشأن العام.
خلاصة
لم تكن مسيرة 28 يونيو مجرد محطة احتجاجية عابرة، بل شكلت مؤشرا سياسيا واجتماعيا على استمرار فجوة الثقة بين الرواية الرسمية حول المنجزات وبين الإدراك الاجتماعي لقطاع واسع من المواطنين.
كما أبرزت أن المطالب الاجتماعية ما تزال قادرة على تعبئة الشارع واستقطاب الإسناد السياسي، وأن استقلالية القرار النقابي تظل عنصرا حاسما في بناء فعل احتجاجي مؤثر. وفي المقابل، أعادت المسيرة طرح أسئلة قديمة ومتجددة حول دور الإعلام العمومي، وحول قدرة مؤسسات الوساطة على مواكبة التحولات الاجتماعية.
ويبقى الدرس الأبرز الذي أفرزته هذه المحطة أن نجاح السياسات العمومية لا يقاس فقط بما تعلنه الحكومات من مؤشرات، وإنما بما يلمسه المواطن في حياته اليومية. فالتحدي الحقيقي ليس إنتاج الأرقام، بل إنتاج الثقة.



























