حين تحتج الشغيلة المغربية يسمع الوطن صوته
عثمان باقة – المغرب
عضو المكتب التنفيدي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل
ليس هناك ما هو أكثر بلاغة من أن يقرر العمال والموظفون والمتقاعدون وسائر الأجراء أن يلتقوا في الشارع دفاعا عن حقهم في العيش الكريم. فحين تتحرك الطبقة العاملة يوم الاحد 28 يونيو بالدارالبيضاء، لا تتحرك من أجل مطلب فئوي ضيق، وإنما تضع المجتمع كله أمام سؤال العدالة، وتعيد ترتيب الأولويات بين الإنسان والربح، وبين الكرامة والحسابات المالية.
إن المسيرة الوطنية التي دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل يوم الأحد 28 يونيو ليست حدثا عاديا في روزنامة الاحتجاجات التي بعرفها المغرب، بل هي تعبير عن مرحلة بلغ فيها الاحتقان الاجتماعي مستويات لم يعد معها الانتظار ممكنا، ولا الاكتفاء بالوعود مقنعا. إنها رسالة واضحة مفادها أن الذين ينتجون الثروة ويرفعون الاقتصاد على أكتافهم يرفضون أن يظلوا الحلقة الأضعف في معادلة التنمية.
لقد أصبح الغلاء جزءا من الحياة اليومية للمغاربة، بينما الأجور ضعيفة أمام الارتفاع المتواصل للأسعار. وأصبحت الأسر تواجه كل شهر معركة جديدة من أجل تدبير الحد الأدنى من متطلبات العيش، في وقت تتسع فيه الفوارق الاجتماعية، وتتراكم الأرباح لدى فئات محدودة، بينما يزداد الشعور بالهشاشة لدى ملايين العاملات والعمال.
وليس الأمر متعلقا فقط بالأجر أو بالقدرة الشرائية، بل يتعلق أيضا بمستقبل الحماية الاجتماعية، وبإنصاف المتقاعدين، وبالحق في الشغل اللائق، وبحماية الحريات النقابية، واحترام الحق في الإضراب باعتباره حقا دستوريا لا يجوز الالتفاف عليه أو إفراغه من مضمونه. فهذه المطالب ليست امتيازات، وإنما شروط أساسية لبناء مجتمع متوازن ودولة قوية بمواطنيها.
إن قوة أي وطن لا تقاس بما تحققه المؤشرات الاقتصادية المجردة، وإنما بما توفره من كرامة لمن يساهمون في إنتاج تلك الثروة. فلا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية بينما يشعر العامل بأن جهده لا يكفي لتأمين حياة أسرته، أو يشعر الموظف بأن دخله يتآكل قبل نهاية الشهر، أو ينتظر المتقاعد معاشا لا يواكب أبسط متطلبات الحياة.
ولهذا، فإن مسيرة الأحد ليست احتجاجا ضد أحد بقدر ما هي دفاع عن فكرة المغرب الذي يستحقه أبناؤه؛ المغرب الذي يجعل العدالة الاجتماعية أساس الاستقرار، ويعتبر الحوار الاجتماعي آلية حقيقية لصناعة التوافق، لا مجرد محطة شكلية تنتهي دون نتائج ملموسة.
لقد علمنا تاريخ الحركة النقابية أن الحقوق لم تكن يوما هبة مجانية، وإنما كانت دائما ثمرة نضال طويل وصبر جماعي وإيمان بأن المستقبل يصنعه الذين يرفضون الاستسلام. ومن هنا تكتسب هذه المحطة رمزيتها؛ فهي ليست نهاية لمسار نضالي، بل بداية مرحلة جديدة تؤكد أن الطبقة العاملة ما تزال تمتلك القدرة على الدفاع عن مصالحها المشروعة، وعلى حماية المكتسبات، وفرض حضورها في النقاش العمومي.
إن المشاركة الواسعة في هذه المسيرة ليست مجرد استجابة لدعوة تنظيمية، وإنما هي مساهمة في الدفاع عن نموذج اجتماعي أكثر عدلا وإنصافا، ورسالة إلى كل من يعتقد أن الأزمات الاقتصادية يمكن أن تحل على حساب الأجراء والفئات الشعبية وكأنها الحلقات الاضعف.
سيكون يوم الأحد 28 يونيو موعدا آخر بين العمال وتاريخهم، وبين المغرب ومستقبله. فكل خطوة في هذه المسيرة ستكون إعلانا بأن الكرامة ليست شعارا، وأن العدالة الاجتماعية ليست ترفا سياسيا، وأن الأوطان التي تنصت لصوت عمالها هي وحدها القادرة على بناء مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا.
فحين تمشي الطبقة العاملة، لا تسير وحدها؛ بل تمشي معها آمال الملايين في مغرب أكثر عدالة، وأكثر إنصافا، وأكثر وفاءً لمن يصنعون خيراته كل يوم.



























