حين نصدر الماء… و نستورد الخبز
الحلقة الثامنة من سلسلة تغريدة خارج السرب
🌟سلسلة إستقصائية حول مصير أمننا الغذائي و سيادتنا الفلاحية🌟
بقلم الكوتش و المدربة و الأخصائية النفسية: نجاة زين الدين
قراءة إستراتيجية في إختلال أولويات السياسة الفلاحية بين رهانات التصدير و متطلبات السيادة المائية و الأمن الغذائي بالمغرب:
مقدمة السلسلة:
إننا اليوم لسنا أمام قضية فلاحة فقط… بل ٱننا أمام قضية وطـــن…
ماذا لو كان أخطر ما نصدره اليوم ليس الأفوكادو، و لا الحوامض، و لا الطماطم…!!!
بل الماء نفسه؟؟؟
ماذا لو إكتشفنا، بعد سنوات، أن الثروة التي إستغرقت الطبيعة آلاف السنين لتختزنها في أعماق الأرض، أستهلكت خلال بضعة عقود دون أن ننتبه إلى حجم و قيمة ما فقدناه؟؟؟
ماذا لو واجهتنا أجيال الغد بأسئلة حارقة من قبيل:
*)كيف سمحتم بإستنزاف الماء، و أنتم تعلمون أنه لا يصنع، و لا يستورد، و لا يعوض؟؟؟
*)و ماذا لو لم يكن السؤال الحقيقي اليوم هو:
كم صدرنا؟؟؟
بل أصبح:
ماذا أبقينا للمغرب؟؟؟
إن هذه ليست أسئلة أدبية…
و لا محاولة لإثارة الجدل من أجل الجدل و البوز…و لا خطابا عدائيا ضد الإستثمار، و لا ضد الفلاح المغربي الذي كان و سيبقى أحد أعمدة الإقــتـــصـــاد الوطـــنــــي…
إنها أسئلة يفرضها واقع مائي غير مسبــوق و يحتاج الى دراسات إستباقية لتفادي القادم المحرج…
فالمغرب، الذي كان يوصف قبل عقود بأنه بلد تتوفر فيه موارد مائية مريحة نسبيا، لموقعه الإستراتيجي المهم، أصبح اليوم يصنف ضمن البلدان التي تعاني إجهادا مائيا حادا، بعدما تراجع نصيب الفرد من المياه المحددة له من أكثر من 2500 متر مكعب سنويا في ستينيات القرن الماضي إلى أقل من 600 متر مكعب في السنوات الأخيرة!!
و لم تعد الدولة نفسها تخفي حجم التحدي، إذ أعلنت أن جزءا مهما من تزويد السكان بمياه الشرب سيعتمد أساسا على محطات تحلية مياه البحر في أفق سنة 2030، و هو إستثمار إستراتيجي ضروري، لكنه يعكس أيضا أن أزمة الماء لم تعد ظرفا إستثنائيا، بل أصبحت واقعا بنيويا يفرض إعادة النظر في كيفية تدبير هذا المورد الحيوي الرئيسي للوجود الإنساني…
و في الوقت نفسه، يستهلك القطاع الفلاحي ما يقارب 85٪ إلى 87٪ من المياه المستعملة على الصعيد الوطني، بينما شهدت بعض الزراعات التصديرية توسعا لافتا خلال السنوات الأخيرة، و على رأسها زراعة الأفوكادو، التي تجاوزت صادراتها 100 ألف طن خلال موسم 2024-2025، بعد توسع المساحات المزروعة بها إلى نحو 12 ألف هكتار!!!
و لا أحد ينكر ما تحققه هذه الصادرات من عائدات، و ما توفره من فرص عمل…و إن كانت الثلة القليلة ممن تملك الضيعات الكبرى بالبلاد هي المستفيدة من هذه الحصيلة…
لكن هل يكفي ذلك لإغلاق باب النقاش؟؟؟
و هل سيصبح كل نجاح إقتصادي نجاحا إستراتيجيا؟؟؟
و هل يجوز أن نناقش الأرباح دون أن نناقش كلفة الماء؟؟؟
تشير التقديرات العلمية إلى أن إنتاج كيلوغرام واحد من الأفوكادو قد يحتاج إلى نحو 400 إلى 600 لتر من الماء، في المتوسط العام مع إختلاف واضح بحسب المناخ، و التربة، و طريقة الري… و هذه الأرقام لا تطرح لإدانة محصول بعينه، بل لتذكرنا بأن كل قرار فلاحي هو أيضا قرار مائي و سيادي و أمني عندما يقيس في محوره عصب الحياة: الماء و ما أدراك ما الماء؟؟؟
و من هنا تبدأ الأسئلة الحارقة و الجريئة التي لا يجوز أن يخاف منها وطن يؤمن بالحوار الواعي و المسؤول…
كيف يمكن لبلد يستورد جزءا مهما من إستهلاكه من القمح، و الزيوت النباتية، و السكر، و الأعلاف، و القطاني أن يوسع، في الوقت نفسه، زراعات موجهة أساسا للتصدير في سياق ندرة مائية مخيفة؟؟؟
هل تعكس الخريطة الفلاحية الحالية أولويات الأمن الغذائي الوطني، أم أولويات الأسواق الدولية؟؟؟
كيف نوازن بين حق المستثمر في التنمية، و حق المجتمع في حماية موارده المائية المحدودة؟
هل يحصل جميع المغاربة، في المدن و القرى و الدواوير، على فرص متكافئة في الولوج إلى الماء، أم أن تفاوت الإستعمالات يفرض علينا إعادة التفكير في مفهوم العدالة المائية؟؟؟
كيف نحول كل درهم يستثمر في الفلاحة إلى قيمة إقتصادية، دون أن يتحول إلى كلفة بيئية مؤجلة تدفعها الأجيال القادمة؟؟؟
ليبقى السؤال الأكبر…
هل نحتاج اليوم إلى إعادة رسم الجغرافيا الفلاحية للمغرب؟؟؟
ليس بمنطق المنع…
و لا بمنطق التخوين…
و لا بمنطق الصراع بين الإستثمار و البيئة…
بل بمنطق العلم، و السيادة، و العدالة الإجتماعية، و التنمية المستدامة…
إن هذه السلسلة لا تقدم أجوبة جاهزة، و لا تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة…
إنها دعوة مفتوحة إلى التفكير، و إلى فتح نقاش عمومي مسؤول، يستند إلى المعطيات العلمية، و إلى الأرقام الرسمية، و إلى التجارب الدولية، بعيدا عن التهويل، و عن التهوين….
و لهذا ستأتي مقالات الأسابيع القادمة، كل واحدة منها مستقلة في موضوعها، و متكاملة في غايتها، للإجابة عن سؤال محوري:
- هل نصدر الماء في صناديق الفواكه؟؟؟
- و من يرسم الخريطة الفلاحية للمغرب، و على أي أساس توضع الإستراتيجيات الفلاحية؟؟؟
- هل يتم ذلك حسب سياق الأولويات السيادية أم حسب سياق الإستنفاع الإسترزاقي لكن له مصلحة في هذا النوع من الفلاحة ؟؟؟
- أيهما أولى للمائدة المغربية: سنبلة القمح أم ثمرة الأفوكادو؟؟؟
- لمن تنتمي الفرشات المائية؟؟؟ و كيف تتحقق العدالة المائية؟؟؟
- كيف يمكن للمغرب أن ينتقل من إدارة الندرة إلى صناعة الوفرة؟؟؟
- و ما هو الميثاق الوطني الذي يضمن السيادة المائية و الغذائية حتى عام 2050؟؟؟
هذه ليست مقالات ضد أحد… بل مقالات من أجل المغرب: مغربنا جمــــــيـــعـــــا، مغــــرب كـــل المــــغـــــاربــــة، دون تميـــيـــز
من أجل أن يبقى المــــاء حقـــــا لكل مغـــربــــي بدون إستثناء و لا تمييز كما يكفله القـــانـــون و الدســـتــــور …
و من أجل أن يبقى الخبز قرارا سياديا لا رهينة لتقلبات الأسواق…
و من أجل أن نترك لأبنائنا وطنا مستقلا في قراراته دون إملاءات و لا ريع… لا يفتخر فقط بما صدره…
بل بما نجح في حمايــتـــه و الذود عنه…
لأن الــدول العظيــــمة لا يخلدها التاريخ بما إستخرجـــته من ثروات…
بل بما حافظــت عليــه من هذه الثروات للأجيال القادمة بكل وعـــي و مســــؤوليــة….



























