الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

20 يونيو: حين تتكلم الذاكرة ويستيقظ الزمن الحارق

 

 

 

بقلم ذ. المختار عنقا الادريسي

 

 

عتبة تأملية : ليست بعض التواريخ مجرد أرقام في روزنامة

الزمن ، بل تتحول مع مروره إلى علامات فارقة في الذاكرة الجماعية للأمم والشعوب . وكلما أطل علينا يوم 20 يونيو ، الا وعادت إلى الواجهة صور ومشاهد وأسئلة من زمن استثنائي ، زمن كانت فيه الشوارع تتكلم بلغة الغضب ، وكانت المطالب الاجتماعية والسياسية تبحث عن طريقها وسط واقع معقد ومتوتر . وإن استحضار ذلك التاريخ لا يعني استدعاء الألم من أجل الألم ، ولا فتح جراح الماضي من أجل اجترار الأحزان ، بل هو محاولة لفهم لحظة من لحظات التحول الكبرى في تاريخ المغرب المعاصر ، تلك اللحظة التي اهتزت فيها مدينة الدار البيضاء والمحمدية وغيرهما ، واهتز معهما جزء من الوعي الوطني، وبرزت خلالها أسئلة الدولة والمجتمع والحرية والديمقؤاطية والعدالة والتنمية .

 

1- حين أصبحت المدينة مرآة لقلق الوطن

في مثل هذا اليوم من سنة 1981، لم تكن الدار البيضاء مجرد مدينة اقتصادية نابضةبالحياة، بل كانت عبارة عن فضاء تتقاطع فيه التوترات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي كانت تختمر في صمت منذ سنوات . وكان يعيش معها المغرب آنذاك مرحلة دقيقة ، تميزت بصعوبات اقتصادية متزايدة ، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتنامي الشعور بالضغط داخل فئات واسعة من المجتمع ، خاصة في الأحياء الشعبية والوسط العمالي . وقد حدث أن أعلنت حكومة المعطي بوعبيد يوم 28 ماي 1981 عن زيادة ضربت أسعار مختلف المواد الغذائية الأساسية بضغط من طرف المؤسسات المالية الدولية ، تراوحت مابين 14% و 76% ، وقد عمد وزير المالية – في احدى الجلسات البرلمانية – الى تبرير قرارات الزيادات المهولة بكونها ضرورة اقتصادية. ومع تراكم تلك الضغوط ، كان من الطبيعي أن يخرج الرفض الشعبي إلى السطح في شكل احتجاجات وأحداث ستبقى راسخة في الذاكرة الوطنية. وفجأة، وجدت مدينة الدار البيضاء نفسها في قلب عاصفة لم تكن تخصها وحدها ، بل كانت تعبيراً عن أسئلة مجتمع بأكمله . الأمر الذي دفع بنقابة الاتحاد المغربي للشغل الى اعلان اضراب عام يوم 18 يونيو ، بالدار البيضاء والمحمدية، وقد ساندته الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وأعلنت عن اضراب وطني عام يوم 20 يونيو ، احتجاجا على القرارات المفروضة . وهكذا ستتحول الأزقة والشوارع والساحات إلى فضاءات للتعبير عن القلق الجماعي ، وتحول الاضراب الى حراك شعبي واسع توقفت معه دوالب الحركة . فلجأت معه قوات الأمن – بمختلف تلاوينها – الى محاولة افشاله ، وارغام التجار على فتح محلاتهم التجارية كأسلوب منها لاستعادة النظام والاستقرار وسط ظروف بالغةالحساسية .

فتحركت الة القمع المخزني مدعومة بالجيش والدرك والقوات المساعدة ، واستخدمت الدبابات والروحيات واطلق الرصاص الحي لاخماد الحراك الشعبي العارم – وهنا لا يمكنني أن أنسى ماقدمته لنا احدى النساء الشابات والحديثة الزواج ، بحي الرميلة / عين الشق بعد أن فتحت لنا باب بيتها لحمايتنا من الرصاص الذي كان يوزع على كل من وجد بالشوارع والأزقة ، رغم أن زوجها كان خارج البيت في ذلك الوقت – وقد استمرت أعمال العنف الى غاية يوم 21 يونيو ، حيث سقطت أعداد كثيرة من الجرحى والقتلى . ومع الاعتقالات العشوائية امتلأت السجون ووزعت الأحكام الثقيلة ، التي استهدفت كل فئات الشعب ،عمال … تجار …
موظفين … طلبة … قيادات نقابية وسياسية … وهنا ينبغي أن نشير الى تضارب كل المعطيات المتعلقة بشان عدد الضحايا . فاذا كانت الجهات الرسمية – حينئد – قد زعمت أنهم لم يتجاوزوا 66 قتيلا و 110 من الجرحى ، فان هيئة الانصاف والمصالحة – وهي مؤسسة شُكلت للبحث في ملفات الاعتقال السياسي بالمغرب ، أو مايسمى بسنوات الجمر والرصاص- أشارت الى أن العدد بلغ 114 قتيلا ، في حين نجد أن المعارضة الممثلة في حزب الاتحاد الاشتراكي تشيرت الى أن عدد الضحايا بلغ 637 قتيلا ومايزيد عن 5000 جريح . أما بعض الجمعيات الحقوقية المغربية فترى بأن العد تجاوز ألف قتيل . وفي مقابل كل ذلك ارجعت الدولة هذا الحراك الشعبي الى وجود مؤامرة خارجية ، الأمر الذي جعل الملك يعبر عن خيبة الأمل والمرارة من تحول الاحتجاج الى العنف ، وصفا في خطاب له المتظاهرين بكونهم مجرد “أقلية مارقة ” . أما ادريس البصري وزير الداخلية ، فقد وصف قتلى تلك الانتفاضة ب “شهداء الكوميرا ” في استهزاء وسخرية من الضحايا .

 

2- الذاكرة بين الروايات المختلفة

ومثل كل الأحداث الكبرى ، لم تُقرأ تلك الوقائع قراءة واحدة . فهناك من نظر إليها باعتبارها انتفاضة اجتماعية فرضتها الظروف الاقتصادية القاسية ، وهناك من رأى فيها تعبيراً عن أزمة سياسية أعمق من مجرد المطالب المعيشية، بينما اعتبرها آخرون لحظة كشفت الحاجة إلى مراجعات كبرى في العلاقة بين الدولة والمجتمع . ومهما اختلفت القراءات ، فإن الثابت أن تلك الأحداث تركت أثراً عميقاً في الوعي المغربي،وأصبحت جزءاً من النقاشش المتواصل حول التنمية والعدالة الاجتماعية والحريات والتمثيلية السياسية . والان وقد مرت السنوات ، وتعاقبت الأجيال،وتغيرت الوجوه والظروف ، الا أن أسئلة تلك المرحلة ستظل حاضرة بأشكالها المختلفة ، وكأني بالتاريخ يريد أن يذكرنا باستمرار أن المجتمعات لا تتقدم فقط بإنجازاتها، بل أيضاً بقدرتها على فهم محطاتها الصعبة واستخلاص الدروس منها .

 

3- الدار البيضاء التي نهضت من الرماد

ومن بين أجمل ما يمكن أن نتعلمه من تلك اللحظة ، أن المدن العظيمة لا تُختزل في جراحها . فالدار البيضاء التي عاشت تلك الأحداث ، واصلت مسيرتها بعد ذلك ، وكبرت وتوسعت وتحولت إلى قطب اقتصادي وثقافي وإنساني كبير . ولم تتوقف الحياة فيها عند حدود الألم ، بل استمرت في بناء المستقبل وهكذا علمتنا المدينة درساً بليغاً يُلخص في : أن المجتمعات الحية قد تتعثر،وقد تمر بمنعطفات قاسية، لكنها تمتلك دائماً القدرة على النهوض وإعادة بناء الأمل ، شريطة الوعي المتجدر والمتجدد ، خاصة عند الشباب ، وهو ما يجعلنا نسلط بعضا من الضوء على مختلف الأحداث التي عشناها ذات زمن ونحن شباب ، للاستفادة منها واستحضارها لكل غاية مفيدة .

 

خلاصة تأملية

والان بعد خمسة وأربعين عاماً تقريباً من ذلك اليوم ، لم يعد المهم فقط أن نتذكر ما وقع ، بل أن نتأمل ما علمنا إياه ذلك الزمن الحارق . فالذاكرة ليست متحفاً للصور القديمة ، وإنما هي مدرسة للدروس والعبر. والتاريخ ليس سجلاً للأحداث فحسب، بل هو مرآة نرى فيها أخطاءنا وإنجازاتنا وأسئلتنا المؤجلة . وإذا كان 20 يونيو يعيد إلى الأذهان زمناً من التوتر والاحتقان ، فإنه يذكرنا أيضاً بقيمة الحوار، وأهمية العدالة الاجتماعية، وضرورة الإصغاء إلى نبض المجتمع قبل أن تتحول الأسئلة الصغيرة إلى عواصف كبيرة . ويبقى الزمن الحارق ، مهما ابتعد ، جزءاً من الذاكرة المغربية المشتركة ، لا لنقيم فيه أو يسكننا ، بل لنتعلم منه ونحن نمضي نحو مستقبل أكثرإنصافاً واتزاناً وحكمة .

 

المختار عنقا الادريسي
طنجة 20 . 6 . 2026

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!