الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

صراعات المناضلين.. الهدية المجانية للفساد

 

 

 

ف ز فراتي ـ الفينيق ميديا برشلونة

 

 

لا يحتاج الفساد دائماً إلى أدوات معقدة لحماية نفسه، ولا إلى حملات منظمة لإسكات الأصوات المنتقدة له. ففي كثير من الأحيان، يجد أفضل فرصة للاستمرار والتمدد عندما ينشغل من يفترض أنهم في مواجهته بصراعاتهم الخاصة وخلافاتهم الشخصية.

 

خلال السنوات الماضية، برزت أسماء صحفية وحقوقية ومدنية لعبت أدوار مهمة في كشف ملفات الفساد والدفاع عن قضايا الشفافية والمساءلة. وقد نجحت هذه الجهود، رغم محدودية الإمكانيات والصعوبات المختلفة، في إثارة نقاش عمومي حول قضايا كانت إلى وقت قريب بعيدة عن اهتمام الرأي العام.

غير أن المشهد أصبح في بعض الأحيان يثير الكثير من الأسف والقلق. فبدل أن يظل النقاش محصوراً في الأفكار والمواقف والاختيارات النضالية، انتقلت بعض الخلافات إلى مستويات أخرى تتسم بالتجريح الشخصي والتشكيك في النوايا والطعن في النزاهة. وأصبح المتابع يجد نفسه أمام معارك مفتوحة بين أشخاص كانوا بالأمس القريب يقفون في الصف نفسه ويدافعون عن القضايا ذاتها.

 

لا يتعلق الأمر هنا برفض الاختلاف، فالتعدد في الآراء والاجتهادات أمر طبيعي وصحي داخل أي فضاء ديمقراطي وحقوقي. بل إن النقد المتبادل قد يكون ضرورياً لتصحيح الأخطاء وتطوير الأداء. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى خصومة شخصية، وعندما يصبح الهدف هو إسقاط الطرف الآخر بدل خدمة القضية التي تجمع الجميع.

في مثل هذه الحالات، لا يكون الخاسر هذا الطرف أو ذاك، بل تكون الخاسرة هي القضية نفسها. فحين يتحول الصراع من مواجهة الفساد إلى تصفية الحسابات بين من يفترض أنهم شركاء في معركة الإصلاح، يصبح الفساد هو المستفيد الأول. وبينما تنشغل الطاقات في الردود والردود المضادة، تمر قضايا الفساد الحقيقية بعيداً عن دائرة الضوء، وتتراجع مطالب المحاسبة والشفافية إلى مرتبة ثانوية.

 

إن العمل من أجل المصلحة العامة ليس سباقاً لاختيار مَن الأفضل أو الأكثر  تأثيراً، بل هو جهد جماعي تتكامل فيه الأدوار وتختلف فيه الأساليب دون أن يتحول الاختلاف إلى معول لهدم الثقة المتبادلة. فلا أحد يحتكر النضال، ولا أحد يملك الحقيقة كاملة، كما أن نجاح أي مشروع إصلاحي يظل رهيناً بقدرة الفاعلين على إدارة خلافاتهم بقدر من المسؤولية والاحترام.

و من المنظور الحقوقي و الأخلاقي، يبقى النقد حقاً مشروعاً، لكن التشهير والطعن في الكرامة والتشكيك المجاني في النوايا لا يخدمان أي قضية عادلة. بل إنهما يساهمان في إضعاف الثقة المجتمعية في كل الأصوات المطالبة بالإصلاح، ويمنحان خصوم الشفافية فرصة للتشكيك في الجميع دون استثناء.

 

في النهاية، قد يختلف المناضلون والصحفيون والحقوقيون حول الأولويات أو الأساليب أو حتى المواقف السياسية، لكن ما ينبغي ألا يضيع وسط هذه الخلافات هو الهدف المشترك: الدفاع عن الحقيقة وخدمة المصلحة العامة. فكلما اتسعت دائرة الصراعات الشخصية، ازداد الفساد قوة واطمئناناً، وكلما ارتفعت لغة المسؤولية والاحترام، اقترب المجتمع خطوة إضافية من الإصلاح الذي ينشده الجميع.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في معركة مكافحة الفساد ليس قوة الفساد نفسه، بل انشغال خصومه ببعضهم البعض. عندها فقط يحصل الفساد على هديته المجانية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!