اليسار المغربي بين ذاكرة النضال و ضرورة الوحدة التاريخية
هل يكون التحالف الجديد بداية إستعادة الحلم المؤجل؟
حين يولد الأمل من رحم الخيبات:
الحلقة الخامسة من سلسلة “تغريدة خارج السرب
بقلم : نجاة زين الدين
في الحياة السياسية للأمم لحظات تتجاوز بعدها التنظيمي المباشر لتتحول إلى إشارات تاريخية تستحق التأمل…و ما جرى بالدار البيضاء اليوم بإعلان تحالف جديد بين مكونات اليسار المغربي لا يمكن إختزاله في مجرد تفاهم حزبي أو إعادة ترتيب للبيت الداخلي لبعض التنظيمات السياسية، بل هو حدث يهم كل المؤمنين بأن اليسار كان و لا يزال أحد الروافد الأساسية التي ساهمت في تشكيل الوعي السياسي المغربي الحديث…
إنه حدث يعيد إلى الواجهة سؤالا ظل معلقا لعقود طويلة: هل يستطيع اليسار المغربي أن يتجاوز أمراضه التاريخية و يستعيد عافيته و مكانته داخل المجتمع؟؟؟
إنه سؤال مشروع لأن تاريخ اليسار المغربي لم يكن مجرد تاريخ أحزاب، بل كان تاريخ أجيال كاملة من المناضلين و المثقفين و النقابيين و الطلبة و الحقوقيين الذين حلموا بمغرب أكثر حرية و كرامة و عدالة إجتماعية…
المحور الأول: اليسار المغربي… ذاكرة وطن لا يمكن محوها:
لا يمكن الحديث عن المغرب الحديث دون الحديث عن اليسار…
فمنذ معارك التحرر الوطني ضد الإستعمار، مرورا بمعارك بناء الدولة الوطنية، وصولا إلى النضالات الديمقراطية و الحقوقية، ظل اليسار حاضرا في قلب الأحداث الكبرى التي صنعت تاريخ المغرب المعاصر…
لقد ساهمت القوى التقدمية في بناء الوعي الوطني و في الدفاع عن الإستقلال و السيادة الوطنية… كما لعبت أدوارا محورية في معارك الديمقراطية و حقوق الإنسان و إرساء ثقافة الحوار و التعددية.
و خلال عقود طويلة دفع اليساريون ثمنا باهظا من حريتهم و مستقبلهم الشخصي دفاعا عن قناعاتهم… فامتلأت السجون بالمعتقلين السياسيين، و امتلأت الجامعات بالنقاشات الفكرية العميقة، و امتلأت الساحات بالنضالات الإجتماعية التي كان اليسار أحد أبرز محركاتها…
لكن التاريخ وحده لا يصنع المستقبل، نعم وحده لا يكفي…
المحور الثاني: كيف أضاع اليسار فرصا تاريخية بسبب التشظي و الإنقسام؟؟؟
إذا كان للخصوم السياسيين دور في إضعاف اليسار، فإن الحقيقة تقتضي الإعتراف بأن اليسار ساهم بدوره في إضعاف نفسه بنفسه.
حين تحول الإختلاف الفكري الطبيعي داخله إلى خلافات تنظيمية مزمنة…إنتهت بالإبعاد أو الإقصاء تارة أو الإنسحاب الفردي أو الجماعي تارة أخرى…الخ ليتحول بذلك التنوع المشروع إلى إنشقاقات متوالية و أزمات داخلية.
فتحول معه بذلك النقاش الفكري أحيانا إلى صراعات شخصية و تنظيمية أنهكت الجميع…
لقد كان من المفترض أن يشكل تعدد الحساسيات اليسارية مصدر غنى و إبداع، لكنه تحول في كثير من الأحيان إلى عامل تآكل و إستنزاف و إحتراق…
و هكذا وجد المواطن المغربي نفسه أمام يسارات متعددة، لكل منها خطابها و تنظيمها ومرجعياتها الجزئية، و تنظيراتها الفلسفية و الإيديولوجية، في وقت كانت فيه هذه الأخيرة هي الدومينو الموحد لكل أقطاب اليسار يا حسرة… بينما كانت القوى الأخرى تتقدم بخطاب أكثر بساطة و أكثر قدرة على إستقطاب الجماهير…مستغلة بذلك صراع فسيفساء اليسار المتشظية و كان بذلك ثمن الفاتورة باهظا:
*)ضاعت فرص إنتخابية.
*) و ضاعت فرص التأثير.
*)و ضاعت فرص بناء بديل مجتمعي قوي مع كامل الأسف…
المحور الثالث: أخطر أمراض اليسار: وهم إمتلاك الحقيقة المطلقة:
لعل أخطر ما أصاب بعض مكونات اليسار خلال العقود الأخيرة هو الإعتقاد الضمني بأن الحقيقة توجد حصريا داخل التنظيم و مرتبطة فقط بأسماء دون غيرها…
و كأن سنوات الإنخراط الحزبي الطويلة تمنح صاحبها وحده حق تفسير الواقع و إحتكار فهم اليسار.
و كأن المثقف المستقل أو الباحث أو المناضل الغير المنتمي تنظيميا أقل فهما أو أقل وعيا أو أقل قدرة على الإسهام، بتقزيم حقه الوجودي كتصور و كرؤية…إن هذا المنطق كان كارثيا، فكم من كفاءة فكرية غادرت بصمت؟؟؟ و كم من مثقف جرى إستصغار رأيه و إحتقار حضوره مما دفعه إلى الإنسحاب؟؟؟
و كم من مبادرة واعدة تم وأدها في مهدها لأنها لم تولد داخل الهياكل التنظيمية التقليدية؟؟؟
لقد آن الأوان للإعتراف بأن اليسار لا يسكن داخل المقرات الحزبية فقط: إنه يسكن أيضا في الجامعات و في الجمعيات و في مراكز البحث، و في النقابات، و في الصحافة، و في الفضاء الثقافي الفني، و في عقول آلاف المغاربة الذين يؤمنون بقيم العدالة الإجتماعية دون أن يحملوا بطاقة إنخراط حزبية…
فليس كل من هو خارج التنظيم هو خارج اليسار…
و ليس كل من هو داخل التنظيم يمتلك وحده الحقيقة الكاملة و الكبيرة…
المحور الرابع: اليسار الذي نحتاجه اليوم:
إن اليسار الذي يحتاجه المغرب اليوم ليس يسارا مغلقا على ذاته: يساريا يتحرك بمدن المركز فقط و بالأحياء الجامعية و نقابات المدن الصناعية و ليس يسارا نخبويا يتحدث بلغة لا يفهمها عموم الناس بسوفسطائية المتفلسف أو بلغة عربية فصيحة منمقة و محبوبة…كما أنه ليس يسارا منشغلا بتصفية الحسابات القديمة/الجديدة…
إن المواطن المغربي يحتاج إلى يسار جديد:
– يسار يستمع أكثر مما يتكلم.
– يسار متواضع أمام المجتمع.
– يسار يحترم الإختلاف و لا يحول هذا الأخير إلى بؤرة خلاف مدوية.
– يسار يعتبر النقد فرصة للتطور لا مناسبة للتخوين و الإتهام المجاني…
– يسار يفتح أبوابه للمثقفين و الكفاءات و الخبراء و الشباب و النساء وكل القوى الحية داخل المجتمع دون تعالي و لا نرجسية…
فاليسار الحقيقي لا يخاف من الأفكار الجديدة بل يجب عليه أن يحتضنها كما أنه لا يخاف من النقد بل يحترمه و يشجعه…و لا يخاف من الإختلاف بل يعتبره جرعات صحية لإحياء شرايينه…و قد يتغذى منها جميعها دون تحجيم لعطائها…
المحور الخامس: التحالف الجديد… فرصة أخيرة أم بداية جديدة؟؟؟
إن التحالف المعلن اليوم يبعث قدرا كبيرا من الأمل، ليس لأن مجرد التحالف يكفي لحل كل المشكلات، بل لأنه يعبر عن وعي متزايد بأن زمن التشتت قد إستنفد أغراضه و عطل عجلة إنتاجيته الفكرية و مسيرته النضالية، و لقد أثبتت التجارب أن الإنقسام لا ينتج إلا مزيدا من الضعف و الهوان و الإعاقة و العطب الذي كان ممكنا تجاوزه بالحكمة و البصيرة و القليل من الروية و عدم الإنجرار وراء قرارات الغضب المتهورة…
و أن الوحدة لا تعني التطابق، بل تعني الإتفاق حول المشترك الإستراتيجي مع إحترام التنوع و الإختلاف.
إن نجاح هذا التحالف لن يقاس بعدد البلاغات التي سيصدرها، و لا بقوة و فصاحة الخطابات المنطوقة و المقروءة، بل بقدرته على إستعادة ثقة المغاربة و كل المناضلين الأحرار الذين خابت أمالهم في الكثير من المحطات بسبب تحريف طريق و وجهة النضال الحقيقي إلى متاهات جزئية و فرعية و ثانوية…
و كذلك بقدرته على تقديم مشروع مجتمعي واضح يجيب عن سؤال كل المواطنين المغاربة بعموم 1503 جماعة ترابية من طنجة إلى الݣويرة…الى من يدرك جيدا أن منها 1282 قروية أما المتمركزة في القطب الحضري يبقى فقط 221!!! و بقدرته على جذب الطاقات التي أبعدتها سنوات الإحباط و ضياع زمن الديمقراطية الحزبية الحقيقية، و بقدرته على التحول إلى قوة إقتراح و تأثير داخل المجتمع و المؤسسات…
المحور السادس: لماذا أصبحت وحدة اليسار ضرورة وطنية و جيوسياسية ملزمة؟؟؟
نحن نعيش اليوم زمنا مضطربا.
عالما يعاد تشكيل خرائطه السياسية و الإقتصادية و الإستراتيجية، مما لا يدع مجالا لهدر المزيد من الوقت في السؤال التاريخي: من الأسبق في الوجود البيضة أم الدجاجة؟؟؟
إن توحيد الصف الآن ضرورة ملحة في منطقة عربية تعاني من التفكك و الإستقطاب و التبعية و التدخلات الإمبريالية و الرأسمالية الخارجية و الداخلية المتوحشة، التي أتت على الأخضر و اليابس…ضرورة ملحة في زمن الهيمنة الصه26يونية الأمريكية
وفي ظل هذه التحولات تصبح الحاجة إلى قوى ديمقراطية تقدمية قوية و حقيقية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى…
إن توحيد اليسار اليوم ليس مجرد شأن حزبي، بل ضرورة وطنية. للدفاع عن العدالة الاجتماعية، و عن الكرامة الإنسانية، و عن السيادة الوطنية، للمساهمة في بناء مغرب قوي بمؤسساته و متماسك بكل أفراد مجتمعه و قواه الحية…
المحور السابع: الأمل الذي يرفض المغادرة:
أنا جد مسرورة و سعيدة بميلاد هذا التوحد من جديد.
لا لأنني أتوهم أن الطريق ستكون سهلة، و لا لأنني أعتقد أن أخطاء الماضي قد إختفت فجأة و بالكامل، بل لأنني أؤمن أن رحلة الألف ميل تبدأ دائما بخطوة أولى…
و ربما لأن شيئا من ذلك الحلم القديم الذي سكن جيلا كاملا ما زال يقاوم داخلنا…و يعاند و يمانع و يكابر…
قد يضعف الأمل أحيانا أو قد يتراجع…و قد تثقله الخيبات، لكنه لم و لن يـــــمــــــــوت…
إن اليسار المغربي مطالب اليوم بأن يتصالح مع نفسه أولا…
و أن ينفتح على مجتمعه ثانيا.
و أن يستمع إلى كل الأصوات المؤمنة بقيم الحرية و الكرامة و العدالة الإجتماعية ثالثا…فالتاريخ لا ينتظر المترددين، و الأوطان لا تبنيها الأنانيات الصغيرة و لا تبادل إتهامات التخوين المجانية…
أما الأحلام الكبيرة فلا تتحقق إلا عندما يدرك الجميع أن الإختلاف ثروة، و أن الوحدة قوة، و أن المستقبل لا يصنعه الأفراد مهما كانت قيمتهم، بل تصنعه الإرادات الجماعية حين تلتقي حول أفق مشترك…فحينها فقط يمكن لهذا التحالف أن يتحول من مجرد خبر سياسي عابر إلى لحظة تاريخية حقيقية و فاصلة.
المحور الثامن: النرجسية التنظيمية… حين يتحول الرفيق إلى وصي على الوعي:
من بين الأسئلة المؤجلة التي ظل اليسار المغربي يتجنب مواجهتها بشجاعة، سؤال حساسية علاقته مع الإختلاف داخل البيت اليساري نفسه و صورية الديمقراطية كشعار…فليس كل ما أضعف اليسار جاء من الخارج….و ليس كل ما عطل مسيرته كان نتيجة تضييق سياسي أو إختلال في موازين القوى…بل إن جزءا من الأزمة كان كامنا أحيانا داخل الثقافة التنظيمية ذاتها و غياب الديمقراطية الحقيقية و كولسة اللقاءات و كثرة الوشتلات و حكي الأذن اللامتوقف…
لقد نشأت داخل بعض التجارب اليسارية، مع مرور الزمن، ظاهرة يمكن وصفها بالنرجسية التنظيمية؛ أي ذلك الشعور الضمني أو المعلن بأن التنظيم يمتلك وحده الحقيقة المطلقة، و أن المناضل الذي قضى سنوات طويلة داخل هياكله أصبح يمتلك تفويضا فكريا و أخلاقيا لتحديد من هو اليساري الحقيقي ومن هو اليساري الناقص أو المشتبه فيه…و هنا مكمن المشكلة…
حين يتحول الإنتماء التنظيمي من وسيلة للنضال إلى شهادة إحتكار للوعي، و حين يصبح النقاش الفكري محكوما بمنطق الوصاية بدل منطق الحوار الحضاري الراقي دون تقويم لأقل فكرة عابرة و لأدنى منطوق بناء…و حين ينظر إلى الأفكار الجديدة بعين الريبة و التخوين لا بعين الفضول المعرفي…و حين يستقبل النقد كعدوان بدل إعتباره فرصة للمراجعة و التطوير.
ففي هذه اللحظة يبدأ اليسار في فقدان أجمل ما يميزه: روحه النقدية و عصب وجوده الأساسي.
فاليسار، في جوهره، لم يكن يوما عقيدة مغلقة أو كنيسة سياسية تحتكر الحقيقة و لا دستورا منزلا و لا منزها عن النقاش…
لقد نشأ تاريخيا من رحم النقد و السؤال و الإعتراض و التمرد على اليقينيات الجامدة و السائدة…
فكيف يمكن لتيار فكري تأسس على النقد أن يتحول إلى سلطة ترفضه أصلا؟؟؟
و كيف يمكن لحركة سياسية رفعت شعار التحرر أن تمارس أشكالا جديدة من الوصاية الفكرية على المختلفين معها؟؟؟
إن التجربة المغربية، على غرار الكثير من التجارب اليسارية الأخرى عبر العالم، أثبتت أن الأفكار الكبرى لا تولد دائما داخل المكاتب السياسية أو اللجان المركزية أو المؤتمرات التنظيمية، بل كثيرا ما ولدت في كتابات المثقفين المستقلين، و في إجتهادات الباحثين، و في مبادرات الشباب، و في الأسئلة الجريئة التي طرحها أشخاص لم يكونوا أعضاء في أي تنظيم بل كانوا متعاطفين و محايدين في نفس الآن…
لهذا فإن اليسار الذي يستهين بالأفكار الجنينية لأنها ما تزال في بداياتها، يشبه فلاحا يقتلع البذور من التربة لأنه لم ير الثمار بعد…
فكل فكرة كبيرة كانت في يوم من الأيام مجرد فكرة صغيرة…
و كل مشروع تاريخي عظيم بدأ بمجرد سؤال في ذهن شخص واحد؟؟؟؟؟
إن المغرب اليوم يزخر بعشرات المثقفين و الباحثين و الخبراء و المبدعين الذين يحملون رؤى وتجارب و أفكارا يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لتجديد المشروع اليساري بحقينة و قيم و تصورات جديدة…
لكن هؤلاء لن يقتربوا من تنظيمات تتعامل معهم بمنطق الأستاذية…
و لن ينخرطوا في فضاءات تعتبر نفسها مالكة للحقيقة النهائية و المطلقة…و لن يقبلوا أن يطلب منهم التصفيق كقطيع بدل التفكير كمنتجي للأفكار و الإستراتيجات…
إن اليسار الذي يحتاجه المغرب اليوم هو:
-يسار التواضع الفكري.
-يسار يؤمن أن الحقيقة نسبية و متعددة الزوايا.
-يسار يعتبر الإستماع فضيلة سياسية.
-يسار يدرك أن الإنصات للآخر لا يقل أهمية عن مخاطبته.
-يسار يفتح نوافذه لكل الأفكار الجادة مهما كان مصدرها.
و يدرك أن الحكمة ليست حكرا على أحد…
و أن التجربة النضالية، مهما كانت طويلة و محترمة، لا تمنح صاحبها إمتيازا فوق النقد أو فوق الحوار.
لقد آن الأوان للإنتقال من ثقافة “من يملك الحقيقة؟” إلى ثقافة “كيف نبحث عنها معا؟”.
و من ثقافة “من هو اليساري الأكثر نقاءا؟؟؟” إلى ثقافة “من هو الأكثر قدرة على خدمة قضايا الناس؟”.
و من ثقافة التراتبية التنظيمية الجامدة إلى ثقافة الشراكة الفكرية الخلاقة…
فالأوطان لا تبنى بالأوصياء بل بالأثقياء الأنقياء، و لا تتقدم بالنرجسيات الصغيرة بل بإحترام الجزئيات، و لا تنتصر بإدعاء “أنا بوحدي مضوي البلاد”…
بل تتقدم حين تلتقي العقول المختلفة حول هدف مشترك…
وحين يتحول الإختلاف من سبب للتفرقة اللامبررة إلى مصدر للقوة.
و حين يدرك الجميع أن أكبر تهديد لأي فكرة ليس خصومها فقط، بل أيضا أتباعها حين يعتقدون أنهم وحدهم يملكون حق تفسيرها.
و ربما تكون هذه هي المهمة الأصعب أمام التحالف اليساري الجديد:
أن يوحد التنظيمات، نعم.
لكن الأهم أن يوحد العقول.
وأن يفتح أبوابه لكل الكفاءات و الطاقات و الأصوات الحرة.
لأن اليسار الذي لا يسمع إلا إلى صوته، محكوم عليه أن يتحدث يوما إلى نفسه فقط…
أما اليسار الذي يصغي إلى المجتمع، فهو وحده القادر على أن يصبح جزءا من مستقبله و أرشيفا حقيقيا و مشرفا لتاريخه…
إننا اليوم لسنا بحاجة إلى يسار يكرر أمجاد الماضي بكل حنين متألم، بل إلى يسار يصنع أمجاد المستقبل بكل ثقة و يقين…كما أننا لسنا بحاجة إلى يسار يخشى الإختلاف، بل إلى يسار يحوله إلى قوة إقتراح و إبداع…فالأفكار الكبرى كما قلت سابقا لا تموت حين تخسر الإنتخابات، بل تموت حين تفقد قدرتها على التجدد… و اليسار المغربي، رغم كل ما أصابه من تشظ و تراجع و إخفاقات، لا يزال يمتلك فرصة تاريخية لإستعادة دوره، شريطة أن يدرك أن الوحدة ليست مجرد جمع للتنظيمات، بل هي قبل كل شيء جمع للعقول و الطاقات و الآمال حول مشروع مجتمعي ديمقراطي يليق بالمغرب و كل المغاربة بدون إستثناء…
“قد يذهب الأمل و يأتي… لكنني لن أودعه.”
ففي السياسة كما في الحياة، لا تتجسد قيمة هذا الأمل في ضمان الإنتصار، بل في مدى إمكانية منع الإستسلام…



























