فيلم “نهاية أخرى “: رحلة البحث عن التضامن الإنساني
عبدالله الساورة – المغرب
ليست المأساة الكبرى في الفيلم القصير المغربي «نهاية أخرى» للمخرج طارق رسمي، هي الموت الذي ينتظر عبد المالك (أدى الدور جيلالي بوجو) في نهاية الرحلة، وإنما ذلك التآكل البطيء للحياة وهي تتحول إلى عبء يومي ثقيل. فالفيلم لا يحكي قصة أخ يقتل أخاه، بقدر ما يحكي قصة إنسانين عالقين داخل قفص وجودي يتقلص باستمرار، حتى يصبح الهواء نفسه موضوعاً للصراع. ومن هنا تنبع فرادة الفيلم؛ إذ لا يضع الموت في نهاية الحكاية، وإنما يجعله رفيقاً صامتاً يرافق الشخصيتين منذ اللقطة الأولى.
وهذا ما جعله يفوز بالجائزة الكبرى ضمن مسابقة الفيلم القصير في مهرجان خريبكة الدولي للسينما الإفريقية في دورته السادسة والعشرين (2026).
ولا يمثل البطل الحقيقي في الفيلم عبد المالك ولا سليمان (أدى الدورسليمان الطلحي) منفردين، ولكن تلك الثنائية المنهكة التي تشكل جسداً واحداً يتألم برئتين مختلفتين. فأحدهما يتنفس بواسطة قنينة أوكسجين، والآخر يتنفس بقلب مريض يقترب هو الآخر من حدوده القصوى. إنهما شخصيتان تسيران نحو المصير نفسه، لكن كل واحدة منهما تجهل أن الأخرى تغرق بالدرجة نفسها. لهذا يبدو الفيلم أقرب إلى مرثية مزدوجة لرجلين يشيخان معاً داخل عالم تخلى عنهما.
وتنبني جمالية فيلم ” نهاية أخرى ” (مدة الفيلم 26 دقيقة / سنة الإنتاج 2025) على اقتصاد بصري شديد الدقة، لكن ما يمنحه قوته الحقيقية ليس ثبات الكاميرا فحسب، وإنما إحساس الاختناق الذي يتسرب إلى الفضاءات. ولا يعتبر البيت بيتاً بقدر ما هو غرفة انتظار طويلة للموت. والأبواب والنوافذ لا تفتح على الخارج، ولكنها على مزيد من الانغلاق. والجدران لا تحاصر الجسد فقط، وإنما تحاصر الأمل أيضاً. ويبدو الضوء يبدو متردداً في الدخول إلى هذا العالم الذي فقد علاقته بالحركة.
ويبلغ الفيلم ذروته الجمالية عندما يغادر البيت ليدخل إلى الطريق. هنا يتحول العمل بصورة غير معلنة إلى أحد أشكال سينما الطريق، غير أن الطريق في هذا الفيلم لا يمثل الحرية كما هو مألوف في هذا النوع السينمائي. ولا يحمل وعداً بالمغامرة أو الاكتشاف أو الخلاص. إنه طريق دائري يقود إلى العجز نفسه. وتتحرك الشخصيتان باستمرار، لكنهما لا تتقدمان فعلياً نحو أي مكان.
وفي أفلام الطريق الكلاسيكية يكون السفر بحثاً عن معنى جديد للحياة، أما هنا فالسفر هو البحث اليائس عن إمكانية استمرار الحياة ذاتها. وتتحول الرحلة إلى محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنها تكشف في كل محطة مقدار الخراب المحيط بالشخصيتين. ولا تستقبل المدينة الوافدين، والمؤسسات الصحية لا تفتح أبوابها، والابن الغائب لا يعود، والعالم بأسره يبدو وكأنه يدير ظهره لرجلين يطلبان الحد الأدنى من الرحمة.
وسط هذه الرحلة تبرز السيارة الصغيرة باعتبارها الشخصية الثالثة في الفيلم. إنها ليست مجرد وسيلة نقل، ولكنها فضاء درامي كامل. كلما ضاقت السيارة اتسع معناها. فهي بيت متنقل، وغرفة مرضى، ومكان للانتظار، ثم تتحول في النهاية إلى غرفة موت. داخلها تتراكم الأنفاس والآهات والصمت والإرهاق. وتصبح المقاعد الضيقة امتداداً لاختناق الشخصيتين، والزجاج المحيط بهما يبدو كأنه جدار شفاف يفصلهما عن العالم.
إن جماليات السيارة هنا لا تنبع من حركتها، وإنما من ضيقها. فكل شيء داخلها يوحي بعدم وجود مخرج. الكادر يضيق، والمسافة بين الجسدين تتقلص، والهواء يصبح عنصراً درامياً أساسياً. ونادراً ما نجد في السينما العربية والمغربية فيلماً يجعل الأوكسجين بطلاً خفياً بهذا الشكل. ولا يمكن اعتبار قنينة الأوكسجين مجرد أداة طبية، ولكنها رمز للحياة الهشة التي تُقاس بالأنفاس المتبقية.
ويتحول الأوكسجين تدريجياً إلى استعارة كبرى. فالشخصيات لا تعاني فقط من نقص الهواء البيولوجي، وإنما من نقص الهواء الاجتماعي والإنساني أيضاً. إنها شخصيات محرومة من الرعاية ومن الدعم ومن الاعتراف. لذلك يبدو انقطاع النفس في النهاية نتيجة منطقية لمسار طويل من الاختناق الرمزي. ولا يبدأ الموت عندما تُقطع القنينة، وإنما يبدأ منذ اللحظة التي تُترك فيها الشخصيات وحيدة في مواجهة قدرها.
أما سليمان، فهو من أكثر الأبطال التراجيديين تعقيداً في السينما المغربية الحديثة. لا يمتلك بطولة تقليدية، ولا يسعى إلى إنجاز استثنائي. إنه رجل منهك يحاول فقط الاستمرار. عظمته تكمن في هشاشته. وكلما اقترب من الانهيار ازداد حضوره الإنساني قوة. إنه لا يقاتل العالم، ولكنه يقاتل التعب. ولا يواجه الشر، وإنمايواجه الاستنزاف اليومي الذي يحول الإنسان إلى شبح لنفسه.
ولهذا فإن لحظة قطع الأوكسجين لا تبدو كفعل عنيف بقدر ما تبدو كاستسلام نهائي. إنها لحظة سقوط أخلاقي وإنساني، لكنها أيضاً لحظة انهيار كامل لشخص لم يعد قادراً على حمل العبء. وهنا يحقق الفيلم أحد أكثر إنجازاته الجمالية إثارة؛ فهو يدفع المتفرج إلى فهم الشخصية دون أن يبرر فعلها. ويخلق التعاطف دون أن يصنع البراءة. ويجعل الجريمة مفهومة دون أن يجعلها مقبولة.
في نهاية المطاف لا يتحدث «نهاية أخرى» عن الموت بقدر ما يتحدث عن الحاجة إلى الأوكسجين؛ أوكسجين الجسد وأوكسجين الكرامة وأوكسجين التضامن الإنساني. إنه فيلم عن بشر يختنقون ببطء داخل عالم يضيق عليهم شيئاً فشيئاً. وكلما تقدمت الرحلة تقلصت المسافات واتسعت المأساة، حتى تصبح السيارة الصغيرة صورة مصغرة عن الوجود نفسه: مكاناً ضيقاً نحاول داخله أن نلتقط أنفاسنا الأخيرة بينما يستمر الطريق في الامتداد أمامنا بلا نهاية




























