الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

من يحكم المغرب سياسيا؟
الكفاءة أم التدوير الأبدي للوجوه؟

الحلقة الرابعة من سلسلة تغريدة خارج السرب

 

 

 

بقلم ذة: نجاة زين الدين

 

 

قراءة في تاريخ الأحزاب السياسية المغربية و تشظي المشهد السياسي بين منطق الإصلاح و إستمرار “السيستم”:

لم تعد الأزمة السياسية في المغرب مجرد نقاش ظرفي يثار مع إقتراب الإنتخابات، بل تحولت إلى سؤال وطني عميق يمس جوهر الثقة بين المواطن و المؤسسات… فكلما إقترب موعد الإستحقاقات التشريعية، عاد الإحساس الجماعي ذاته: نفس الوجوه، نفس التحالفات المتناقضة، نفس الخطابات المستهلكة، و نفس النتائج التي تعيد إنتاج نفس الخيبة بدل الأمل… حتى بدا و كأن الزمن السياسي المغربي قد دخل دائرة مغلقة، يتحرك داخلها الجميع دون أن يتقدم الوطن بالسرعة التي يستحقها و التي يصبو إليها الجميع لكن أين يكمن الخلل؟؟؟
و الأخطر من كل هذا و ذاك، أن المواطن المغربي لم يعد يتساءل فقط عن: “من سيفوز؟؟؟”، بل صار يتساءل بمرارة أكبر: “هل توجد فعلا إرادة حقيقية لتغيير هذا “السيستم” الذي إستمر لعقود؟؟؟ أم أننا أمام إعادة تدوير ممنهجة لنفس الوجوه و الخطابات و المصالح لنفس السيناريو لكن بجنيريكات مختلفة و متباينة؟؟؟.

 

أولا: من الحركة الوطنية إلى زمن التشظي السياسي:

لفهم هذا الواقع، لا بد من العودة قليلا إلى السياق التاريخي لنشأة الأحزاب السياسية بالمغرب:
لقد ولدت الأحزاب المغربية الأولى من رحم الحركة الوطنية و مقاومة الإستعمار، حيث كانت السياسة آنذاك مرتبطة بالنضال و التضحية و الدفاع عن السيادة الوطنية… فظهرت تنظيمات سياسية كبرى حملت مشاريع فكرية واضحة، و كان المناضل السياسي ينظر إليه بإعتباره صوتا للشعب و قائدا للتغيير…
في تلك المرحلة، لم تكن السياسة مهنة للإغتناء و لا للإرتزاق أو سلما للإمتيازات، بل كانت إلتزاما وطنيا محفوفا بالمخاطر… و كانت الأحزاب، رغم إختلافاتها، تمتلك نوعا من العمق الفكري و الإيديولوجي الذي يمنحها هوية واضحة داخل المجتمع…
غير أن المشهد بدأ يتغير تدريجيا مع مرور العقود، خصوصا منذ سنوات ما بعد الإستقلال، حيث دخلت الحياة الحزبية في مرحلة طويلة من الإنقسامات و التشظي و إعادة التركيب… فبدل أن تتجه الأحزاب نحو الإندماج و تقوية الفعل السياسي، بتعبئة الجماهير و تفتيق وعيها، أصبحنا أمام تكاثر لافت للتنظيمات الحزبية، حتى صار المغرب اليوم من بين الدول التي تعرف أكبر عدد من الأحزاب مقارنة بحجم الساحة السياسية المفعلة…
و هنا يبرز السؤال الصادم: هل يعقل أن يحتاج بلد واحد إلى هذا الكم الهائل منها ليدبر شؤونه السياسية؟؟؟ أم أن الأمر أصبح أقرب إلى “سوق إنتخابي” تتناسل فيه التنظيمات بلا أثر فكري ناجع أو مجتمعي حقيقي فعال؟

 

ثانيا: لماذا بلغ عدد الأحزاب هذا الرقم المريب؟

إن تضخم عدد الأحزاب السياسية في المغرب لا يعكس بالضرورة غنى ديمقراطيا كما يسوق له أحيانا، بل يكشف في كثير من الأحيان عن أزمة عميقة في بنية العمل السياسي نفسه…
فالكثير من الأحزاب لم تعد تبنى على مشاريع فكرية واضحة، بل على حسابات إنتخابية و تحالفات ظرفية و صراعات شخصية حول الزعامة و المواقع… و لذلك أصبح المواطن عاجزا أحيانا عن التمييز بين البرامج، لأن الخطابات متشابهة، و الوعود متكررة، و التحالفات قابلة للتغيير بين ليلة و ضحاها وفق منطق المصلحة لا القناعة مع كامل الأسف…
لقد تحولت بعض الأحزاب إلى هياكل إنتخابية موسمية، تستيقظ فقط عند إقتراب الإنتخابات، ثم تعود إلى سباتها السياسي بعد إقتسام كعكة المقاعد و المناصب…و الأسوأ من كل هذا و ذاك، أن هذا التشظي الحزبي لم ينتج تعددية قوية، بل أنتج ضبابية سياسية أفقدت المواطن الثقة في جدوى الإنتماء الحزبي أصلا، بسبب الوصولية و الأنانية الطاغية و منطق أنا” بوحدي مضوي البلاد…”
و حين تفقد الأحزاب قدرتها على التأطير و التكوين و صناعة النخب، و تجسيد مبدأ الديمقراطية داخل هياكلها بمحاكاة الصراعات المعلنة و المتسترة، يصبح الباب مفتوحا أمام الرداءة و التسلق و الإنتهازية السياسية…

 

ثالثا:حكومات مترهلة… و وزراء بعدد الأزمات:

و إذا كان تضخم الأحزاب يثير الإستغراب، فإن تضخم البنية الحكومية يثير بدوره كثيرا من الأسئلة؟
ففي دول كبرى ذات إقتصادات عملاقة، نجد حكومات مصغرة بعدد محدود من الوزراء، حفاظا على النجاعة و ربطا للمسؤولية بالمحاسبة…بينما نجد أنفسنا في المغرب أمام حكومات تضم أحيانا عددا كبيرا من الوزراء و كتابا للدولة و الحقائب المتشعبة و اللامحدودة، حتى يبدو الأمر و كأن الهدف ليس فقط تدبير الشأن العام، بل أيضا إرضاء التوازنات الحزبية و تقاسم “كعكة السلطة”…
و هنا يطرح المواطن البسيط سؤالا مشروعا: هل كل هذا العدد ضروري فعلا لخدمة الوطن؟؟؟ أم أن تضخم الحكومات أصبح جزءا من الهندسة السياسية القائمة على منطق التراضيات و التحالفات أكثر من منطق الفعالية و الكفاءة؟؟؟
لأن كثرة المناصب لا تعني بالضرورة كثرة الإنجازات، بل تكون دليلا على تضخم البيروقــراطـــيــــة و تشتت المسؤوليات و ضبابية المحاسبة أو إنعدامها في الكثير من الأحيان دون نسيان الميزانيات المهدورة في كم كل هذه التعيينات…!!!

 

رابعا: من يحكم السياسة فعلا؟ الكفاءة أم الرداءة؟

إن أخطر ما يواجه المشهد السياسي المغربي اليوم، ليس فقط إستمرار نفس الأسماء، بل إستمرار نفس المعايير التي تسمح بإعادة إنتاج نفس الرداءة بالوراثة و هذا ما يعري فضاعة المشهد السياسي الوطني المثير للشفقة…
ففي كثير من الأحيان، لا تبدو الكفاءة وحدها كافية للوصول إلى مواقع القرار، و لا النزاهة وحدها قادرة على ضمان الإستمرار… بل إن منطق الولاءات، و لوبيات الشبكات الإنتخابية العجيبة، و القدرة على الحشد، بتوظيف المال السياسي، و العلاقات المتداخلة هنا و هناك… كلها عوامل تتحكم في الخريطة السياسية أكثر مما تتحكم فيها البرامج و الرؤى و التصورات و الإستراتيجيات و المخططات…
و لذلك يشعر الكثير من الشباب المغربي الكفء بالإقصاء الرمزي، حين يرى أن أصحاب الشهادات و الخبرات و المشاريع الفكرية يظلون خارج دائرة التأثير، بينما تتكرر أسماء إستهلكها الزمن السياسي دون حصيلة توازي سنوات وجودها…
إن المأساة الحقيقية ليست في وجود الرداءة فقط، بل في تحول هذه الأخيرة إلى أمر عادي و مألوف، حتى صار المواطن يتعامل معها و كأنها قدر سياسي لا يمكن تغييره، يعني ببساطة أنه إستأنس بهذا الوضع المريب و الغريب… حتى غدا السؤال الحتمي هو هل أصبح الكرسي هو الغاية أم الوسيلة؟؟؟
لقد تحدث عالم الإجتماع “ماكس فيبر “عن الفرق بين من يعيش “لأجل السياسة” و من يعيش “من السياسة”…و “من يوظف في السياسة “و هذا التمييز يبدو اليوم أكثر حضورا من أي وقت مضى داخل المشهد المغربي…
فحين يصبح المنصب السياسي مصدرا للنفوذ و للإمتيازات و للحماية الإجتماعية، و للحصانة الدائمة… يتحول الكرسي إلى معركة بقاء، نعم الى معركة بقاء مهما كانت التكلفة و عندها لا يعود السياسي مستعدا للمغامرة بموقف جريء أو قرار إصلاحي حقيقي قد يهدد مستقبله الإنتخابي، لأنه يفضل وقتها مسايرة الوضع بذهاء على المواجهة، و تبني الخطاب الشعبوي على المصارحة، للحفاظ على الموقع بدل إحداث التغيير و التطور المنشود…
و هكذا يتحول العمل السياسي تدريجيا من مشروع وطني إلى لعبة توازنات و مصالح، يعاد فيها تدوير نفس النخب مهما تغيرت الظروف و تقاطعت المآرب…

 

خامسا: لماذا لم يتوقف هذا “السيستم” رغم كل هذه السنوات من الإنتظار؟

لأن وجود أي منظومة لا يستمر بقوة السياسيين فقط، بل أيضا بضعف الوعي المجتمعي أحيانا، و بإستسلام الناس لفكرة أن التغــيـــــــيـــــــــــر مستـــــحــــــيـــــــل.
فالفساد السياسي لا يعيش وحده، بل يحتاج إلى بيئة حاضنة تتسامح معه، أو تيـــأس من مقااااومــتــه، أو تعيد إنتخابه بدافع الخوف أو المصلحة أو غياب البديل أو بالإستسلام لدواليبه…
كما أن جزءا من الأزمة يرتبط بضعف الثقافة السياسية لدى فئات واسعة من المجتمع، حيث يتحول التصويت أحيانا إلى ولاء قبلي أو منفعة ظرفية، بدل أن يكون تعاقدا أخلاقيا قائما على المحاسبة و قيمة البرامج المطروحة.

 

سادسا: كيف يمكن أن يبدأ التغيير الحقيقي؟

التغيير لا يبدأ من صناديق الإقتراع فقط، بل يبدأ أولا من بناء وعي مجتمعي جديد يرفض التطبيع مع الرداءة و يقطع مع التفاهة و لا يبيع صوته ب المئتي درهم أي ما يعادل 10 سنتيمات لليوم الواحد…كما أنه يبدأ كذلك حين يدرك المواطن أن صوته ليس خدمة مجانية يقدمها للمرشح كيفما كان مستواه المادي و السلطوي، بل أمانة تحدد شكل الوطن الذي سيعيش فيه أبناؤه و أحفاده..
و يبدأ حين تتحول الأحزاب إلى مدارس حقيقية لتكوين النخب و الأنتليجنسية الممانعة لكل مظاهر الإنحلال و التبعية القطيعية، لا إلى واجهات إنتخابية موسمية…و يبدأ حين يفتح المجال أمام الكفاءات الشابة النظيفة، لا بإعتبارها ديكورا إعلاميا، بل من منطلق أنها شريكا فعليا في صناعة القرار…و يبدأ أيضا حين تصبح المحاسبة ثقافة يومية لا حدثا إستثنائيا، و حين يدرك المسؤول أن المنصب تكليف مؤقت لا إمتياز أو تشريف دائم…

 

سابعا: المغرب لا تنقصه الكفاءات… بل تنقصه الجرأة السياسية:

إن المغرب بلد غني بثرواته الطبيعية و البشرية: بعقوله و شبابه و كفاءاته في كل المجالات، لكنه يحتاج إلى شجاعة سياسية حقيقية تعيد تعريف معنى السلطة و معنى المسؤولية و معنى الخدمة العمومية…فالوطن الذي يختزل السياسة في نفس الوجوه لعقود، و يحول الأحزاب إلى جزر متناحرة، و يضخم الحكومات دون أثر رجعي واضح على التنمية، هو وطن يستهلك طاقته في الدوران العقيم داخل الحلقة نفسها…
أما الأوطان التي تتقدم، فهي تلك التي تؤمن بتجديد النخب، و ربط المسؤولية بالمحاسبة، و إعطاء الفرصة للكفاءة بدل الولاء، و للنزاهة بدل الإنتهازية، و للمشروع الوطني بدل منطق المحسوبية و الحسابات الضيقة.
لأن الشعوب لا تنهكها قلة الإمكانيات فقط، بل ما ينهكها أكثر هو شعورها بأن الزمن السياسي ثابث و لا يتحرك… و أن نفس المسرحية تعرض عليها في كل موسم إنتخابي، مع تغيير طفيف في الديكور أو الجنيريك الداخلي لا في الحقيقة و لب البرامج…فمتى سيتغير الوضع و يتحمل الجميع مسؤولياته: أحزابا و مواطنين؟؟؟

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!