الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

حين تضيع البوصلة: نداء عاجل لإنقاذ أخلاق ناشئة الوطن

 

الحلقة الرابعة من سلسلة وعي و إرتقاء

 

 

 

بقلم ذة نجاة زين الدين

كوتش، مدربة و أخصائية نفسية.

 

 

جلست بسيارتي أمام المقهى المقابل لثانوية أولاد حريز بمدينة حد السوالم، في إنتظار صديقة لي، فإذا بإنتظار الدقائق يتحول إلى وقفة تأمل موجعة في حال جيل كان يفترض به أن يكون زهرة الوطن، فإذا ببعض أزهاره تذبل قبل الأوان…و تتحول إلى أوراق خريف متساقطة خلقا و خلقة قبل حلول سنوات خريف العمر، بحيث لم تمض خمس عشرة دقيقة حتى مرت على مسامعي ألفاظ جارحة، و تعابير ساقطة، وصور من الإستهتار لا تليق بحرمة المؤسسة التعليمية المفروضة، بل عكست وجها آخر لمؤسسة فاقدة للإعتبار بنيانا و حصيلة( أطنان من الأزبال تؤثت محيطها و مدخلها الرئيسي، تلميذات بدون بذلة مدرسية بوجوه محشوة بألوان من الزينة التي تستعر منهن الأقسام التي ستأويهن و تلاميذ بهندسات غريبة لحلاقة شعر رؤوسهم و سراويل نازلة لا تغطي إلا نصف مؤخراتهم ممزقة بالكامل و محملة بإهانة الذل للتبعية العمياء بتقليد المسفف من السلوك و المنحط منه…) ، و لا تبشر بمقام الشباب المأمول، أو ليس هذا الشباب هو مستقبل البلاد و عدتها المهنية و مسؤولياتها القيادية؟؟؟…أو ليس هو من سيقود البلاد غدا؟؟؟ ألن تكون مكوناته: قضاة/ قاضيات و عمالا/عاملات و محامون/ محاميات و رجال/ نساء التعليم و أطر في الصحة و مهندسون/ مهندسات و فلاحون/ فلاحات و تقنيون/تقنيات….
فحينها، لم يكن حزني على شباب تعثر فقط، بل على منظومة كاملة يبدو أنها تخلت عن دورها، أو تنازلت عنه، أو نامت في الوقت الخطأ أو طبعت مع الخلل و الإنحراف حتى غدا مع كامل الأسى و الأسف قاعدة عملية لا تحتاج في نظرها إلى تقويم و لا تدخل… فإرتفعت في النفس و الرأس أسئلة حارقة: من أضاع البوصلة؟؟؟ من سلم أبناءنا للتيه؟؟؟ و من جعل الوقاحة شجاعة؟؟؟ و من السطحية ثقافة؟؟؟ و من الإنفلات حرية؟؟؟
هل هي الأسرة؟؟؟
أم المدرسة؟؟؟
أم الإعلام؟؟؟
أم الشارع؟؟؟
أم الدولة بكل مؤسساتها و برامجها التعليمية و إدارات تدبيرها الترابي العمومي؟؟؟
أم نحن جميعا، حين صمتنا طويلا حتى صار الخطأ عادة و الإنحراف شعارا للسيادة؟؟؟

 

أولا: الأسرة… حين يكون السقف بعيدا عن الجدران

أكيد أن الأسرة هي المدرسة و الحضن و المصنع و الحصن الأول لتمنيع الشخصية الإنسانية المستقبلية… فإذا ضعفت التربية في البيت، صعب ترميم ما تهدم خارجه… فكثير من الآباء و الأمهات إنشغلوا بلقمة العيش، أو بملاحقة متطلبات الحياة، أو إستسلموا للهواتف و الشاشات، فصارت تربية الأبناء موكلة للهاتف، و التأذيب للشارع، و الذوق لمجهولين لا يعرفونهم أصلا و لا يهمهم إلا أجر آخر الأسبوع…فالمشكلة هنا لا تتعلق بالفقر و لا بالغنى، بل في الغياب التربوي و وازع الضمير الذي مـــات…فقد يكون البيت بسيطا لكنه غني بالقيم و الأخلاق الحميدة و بالإحتواء و بالحضور المربي على المبدأ و الثوابت و مجسر بحوار حضاري و راقي، و قد يكون كبيرا شاسعا لكنه خال من الحوار و الإحتضان و القدوة النموذجية…فلو جسد الأباء حضورهم بالإقتراب من أبنائهم باللعب معهم و بتأمين مساحة للحــوار الحضاري المطلوب و المؤطر و الموجه لهم، دون ترهيب و لا تخويف و لا قمع و لا طابو معيق، لحصلنا على جيل قوي صلب و ممنع و مميز بين الخطأ و الصواب…
إن الطفل الذي لا يسمع كلمة طيبة في البيت، سيبحث عنها خارجه… و المراهق الذي لا يجد إحتراما لأفكاره في أسرته بمناقشتها لا بالرفض المستبد دون تفسير و لا تعليل، قد يطلب الإعتراف بها عبر التمرد و السلوك المنحرف و عنف في الرد…و من لا يشجع و يصفق له على أبسط إنجاز ليحفز سيبحث عن إشباع حاجات الإقرار بذلك من الأغيار و إن كان بأسلوب العصيان و التحريض على العدوان أو الإرتماء في أحضان تجار المخدرات أو الجماعات الإرهابية التي تطرح نفسها كبديل عن الأسرة الحاضرة/الغائبة…

 

ثانيا: المدرسة… حين يرتكز التعليم على المعرفة بلا تربية

ما قيمة المدرسة التي تحرص على ترسيخ منظومة الحفظ الآلي للدروس و تهمل تهذيب النفوس؟؟؟
إن المؤسسة التعليمية ليست فضاءا للإمتحانات فقط، بل إنها مصنعا لتحضير مواطني و مسؤولي و قيادي الغد، فإذا أختزل دورها في النقط و الشواهد، و غاب عنها التأطير السلوكي و الثقافي و الوجداني و التتبع السيكولوجي، خرج منها جيل يعرف الكثير من المعلومات، لكنه لا يهتدي إلا بقشور التوجيه و التقويم المشوهين…
كم من تلميذ يحفظ القوانين الفيزيائية، لكنه لا يعرف عن قانون الإحترام شيئا؟؟؟
و كم من تلميذة تنجح في الفروض، لكنها تفشل في لغة الحوار و الرقي المحترم؟؟؟؟
المدرسة اليوم تحتاج إلى منظومة متكاملة تعيد لها هيبتها و إعتبارها و أن يعود الأستاذ مربيا قبل أن يكون ملقنا، و أن تفتح أبواب الأندية الثقافية، و دور الشباب و المسرح، و الفضاءات الرياضية، و العمل التطوعي، لأن الفراغ إذا لم يملأ بالبناء الجاد ملأه العبث و الإستهتار و الإنحراف… و عند غياب الأستاذ وجب على المؤسسة الإحتضان لا رمي التلاميذ إلى الشارع فريسة المتربصين و أعداء بناء الإنسان و تجار المخدرات و مكبوثي الرغبات ليكونوا بذلك ضحايا لتشبيك اللوبيات الإنتهازية و الوصولية…

 

ثالثا: الإعلام… حين يجمل الإنحدار

لا شك أن جزءا كبيرا من إعلامنا لا كله، إختار الطريق السهل: الإثارة، البهرجة، التفاهة، و التسويق للنماذج الفارغة على أنها هي المؤثرة… فصارت بعض المسلسلات تقدم الإنحلال في قالب لامع، و تعرض الوقاحة على أنها جرأة، و تسوق للعلاقات السطحية على أنها تحرر، بينما يغيب النموذج المجتهد، المحترم، الخلوق، النافع…
الإعلام ليس مرآة فقط، بل هو أيضا موجه و صانع ذوق عام… فإذا طبع هذا الأخير مع الرداءة، استأنس الناس على قبولها، و إذا تكرر الإنحدار صار مألوفا و مستصاغا…
نحن لا نطلب إعلاما واعظا أو جافا، بل إعلاما ممتعا و مسؤولا في آن واحد، يضحك دون إسفاف، و يسلي دون إسقاط للقيم، و يعرض الواقع دون أن يروج للإنهيار…مع طرح الحل لا الإكتفاء بالتشريح و الإنتقاد…

 

رابعا: الشارع و المحيط… حين يغيب الحس الجماعي

حين تترك محيطات المؤسسات التعليمية للفوضى، و تنتشر المقاهي المحيطة دون تأطير، و تغيب الفضاءات الثقافية و الرياضية، يصبح الشارع مدرسة بديلة، لكنها مدرسة بلا ضمير…
فالمراهق طاقة تبحث عن منفذ، فإن لم يجد ملعبا و توجيهات لطاقته في لعب بناء وجد الزاوية المظلمة ليلعب أدورا مدمرة و وإن لم يجد ناديا، وجد رفقة سوء مخربة، و إن لم يجد من يسمعه، سمع لمن يضلله…و إن لم يجد مكتبة داخل المؤسسة لتشكيل وعيه دمر هذا الأخير خارج المؤسسة دمارا لا ينفع معه ترميم…

 

خامسا: المراهق ليس عدوا… بل مشروع إنسان مرتبك يبحث عن الإحتواء

ينبغي أن نكون منصفين: شبابنا ليس شريرا بطبعه، و لا فاسدا بفطرته… إنما هو جيل يعيش ضغطا نفسيا، و تيها هوياتيا، و تناقضا رهيبا بين ما يقال له و ما يراه من فصام في كل السلوكيات الخارجية…يبحث عن إيصال صوته تحت تغييرات هرمونية و فزيولوجية، لا يكتفي التنظير لها دون تشريح و لا تحضير لبنى تحتية مستقبلة له و متفهمة لوضعه العام، فهذا الجيل يطلب منه الإحترام في مجتمع يكافئ أحيانا الوقاحة، و يطلب منه الإجتهاد في زمن يشهر فيه للسطحية و السفاهة… و يطلب منه الإنصياع لمن يحاكم وضعه بكل شطط و سذاجة…
إنه جيل يحتاج من يفهمه، لا من يلعنه فقط، يحتاج من يصاحبه، لا من يدينه دائما…

 

سادسا:إذا ماذا علينا أن نفعل؟

مقترحات عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه:

 

1) إعادة الإعتبار للتربية داخل الأسرة
تخصيص وقت يومي للحوار و اللعب مع الأبناء ب:
*)مراقبة المحتوى الرقمي دون تجسس مهين…
*)غرس الإحترام بالقدوة لا بالصراخ.
*)إحتضان الأبناء نفسيا قبل محاسبتهم سلوكيا.

 

2) إصلاح المدرسة من الداخل ب:
*)إدماج التربية على القيم و السلوك البناء و الهادف بشكل عملي.
*)دعم الأنشطة الموازية و تخصيص وقت مهم للعب داخل المؤسسة للمساهمة في التنفيس عن ضغوطاتهم و معرفة مكامن الإضطراب عندهم بالمراقبة الدقيقة و الثاقبة الفحيصة
*)تمكين الأستاذ من أدوات التأطير النفسي و التربوي و التوجيهي بمضامين إحتوائية مقننة و موجهة بوسائل و آليات بيداغوجية محسنة و محينة…
*)تفعيل الإنضباط داخل المؤسسات التعليمية بإحترام و صرامة و لكن بإحتواء كامل في نفس الآن لهذا التلميذ و التلميذة.

 

3)إعلام مسؤول ب:
*)إنتاج أعمال تبرز النماذج الإيجابية لا العكس…
*)الحد من تسويق التفاهة و الإنحلال كنجاح…
*)فتح برامج شبابية تناقش الواقع بلغة الجيل نفسه دون قمع لمقترحاته… لكن بتوجيه معقلن و واقعي

 

4) إنشاء و توفير فضاءات للشباب:
*)ملاعب قرب الأحياء…
*)مكتبات و مراكز ثقافية.
*)دور شباب حقيقية نابضة، لا بنايات ميتة و صامتة…

 

5)خطاب جديد مع المراهقين:
*)بدل “أنتم ضائعون”، نقول: “أنتم قادرون”.
*)بدل التوبيخ الدائم، نمنح الثقة و المسؤولية.
*)بدل السخرية من أخطائهم، نرشدهم لتجاوزها و نوجههم لتجاوز مطبات أخطائها…

 

رسالة إلى تلاميذ و تلميذات وطني:

يا أبناء المغرب و بناته، أنتم أكبر من الألفاظ السوقية، و أرقى من التقليد الأعمى، و أجمل من أن تستهلككم التفاهة… لا تجعلوا الإحترام يبدو ضعفا، و لا تجعلوا الوقاحة تبدو قوة… الإنسان الحقيقي يعرف بكلامه، و أخلاقه، و رقيه و إنضباطه، و طموحه…
أنتم جيل يمكنه أن يرفع الوطن أو يرهقه… إختاروا أن تكونوا نورا لا ضجيجا، أثرا لا عبثا، بناءا لا هدما…

 

النداء الأخير:

يا أسرة المغرب، يا مدرسة المغرب، يا إعلام المغرب، يا كل المسؤولين عن تدبير الشأن العام، و مسؤولوا وزارة التربية و التكوين و وزارة الشبية و الرياضة بالتحديد:
إن المعركة اليوم ليست معركة طرقات أو إسمنت فقط أو تأهيل للبنية التحتية للبلاد لتنظيم كأس العالم بل إنها قبل هذا وذاك معركة بناء للإنسان على القيم و الوعي و المبدأ… و إذا ضاع الإنسان، فلن تنفع حينها الواجهات و لا الطلاءات و لا السباقات المحمومة وراء هدم البيوت و تشريد أبناء هذا الشعب للظهور بمظهر زائف و بعيدا كل البعد عن الواقع…

أيقظوا الضمائر قبل أن يصبح الإنحدار عادة، و الحياء غربة، و الإحترام إستثناء…و التشريد تيها و ولاءا…
فالأمم لا تسقط حين تضعف مواردها المادية و الإقتصادية و أسوار حماية حدودها فقط، بل حين تضعف أخلاقها و تضيع بوصلة التصحيح الحقيقية…
و لا تنهض حين تبنى الجدران فقط، بل حين نبني الإنسان لننتصر وقتها لإنسانيته في عموم الجغرافية الوطنية و العالمية…لهذا أوقفوا العبث و إنتبهوا بحدر لخطورة القادم..

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!