الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

الذكاء العاطفي… حين يتكلم الصمت و تتكشف عيوب الشقوق

الحلقة الثالثة من سلسلة وعي و إرتقاء

 

 

 

بقلم ذة: نجاة زين الدين
مدربة، كوتش و مستشارة نفسية 

 

 

إذا كان الذكاء العقلي يفتح للإنسان أبواب المهنة و النجاح، فمن يفتح له أبواب القلوب؟؟؟ و إذا كانت الشهادات تعلق على الجدران، فمن يعلمنا كيف نعلق الرحمة في البيوت؟؟؟؟ و الإحترام في الحوار، و السكينة في العلاقات؟؟؟ هنا يبرز الذكاء العاطفي بوصفه القدرة النفسية على فهم الذات، و ضبط الإنفعال، و إدراك مشاعر الآخرين، و التفاعل معها بوعي و إتزان… و هو، في البعد السوسيولوجي، الرأس المال الإنساني الخفي، الذي يحدد جودة الروابط الإجتماعية، و يؤثر في تماسك الأسرة، و إستقرار الجماعة، و سلامة المجتمع الداخلي… فهو ليس مجرد مهارة فردية، بل بنية ثقافية تحدد كيف نختلف؟؟؟ و كيف نتحاور؟؟؟ و كيف نحب؟؟؟ و كيف نتعايش معا دون أن يفترس بعضنا البعض…؟؟؟
فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تتسع الشقوق في العلاقات كلما تقدمت بنا السنين؟؟؟ و لماذا صار الإنسان المعاصر أكثر إتصالا بالناس عبر الشاشات، و أشد وحدة في الواقع؟؟؟ و لماذا إمتلأت البيوت بالأثاث، و جوفت من الدفء و العطف و الحنان؟؟؟ و لماذا صار الكثير من الأزواج يتقاسمون الجدران و لا يتقاسمون وشائج الحياة؟؟؟
و لماذا تصدع بنيان هذه المؤسسة التي من المفروض أن تكون عتيدة في المرحلة الراهنة بالرغم من كثرة الحديث عن الحب و الرومانسية؟؟؟ أهو فقر في المشاعر؟؟؟ أم فقر في مهارات إدارتها؟؟؟ أم هو غياب الإحساس الصادق بهذا الحب أصلا؟؟؟ أم غياب النضج الذي يحفظ هذا الحب من التلف؟؟؟ أم ميوعة المشهد الإجتماعي و سهولة ربط العلاقات الجانبية؟؟؟و هل دخل الناس الزواج و هم مستعدون له نفسيا، أم دخلوه بأجساد الراشدين و إرتباك الأطفال بطابوهات العقد و النكسات و الأعطاب النفسية الخفية؟؟؟
و لماذا إستفحل الطلاق العاطفي و الصامت حتى أصبح ضيفا ثقيلا في الكثير من البيوت؟؟؟ و لماذا يعيش إثنان تحت سقف واحد، و بينهما مسافات أبعد من الجغرافيا؟؟؟ و كيف يتحول الحوار داخل معظم هذه الأسر إلى تعليمات و أوامر فظة؟؟؟ و اللقاء إلى واجب؟؟؟ و القرب إلى غربة؟؟؟ و من المسؤول عن هذا الجفاف الذي تغول داخل البيوت؟؟؟ هل هو الفرد؟؟؟ أم الأسرة؟؟؟ أم الثقافة السائدة؟؟؟ أم ضغوطات الحياة التي سحقت الأرواح قبل الأجساد؟؟؟أم البخل في التعبير عن خوالج الذات و الشح في التواصل الفعال؟؟؟ أم إعلامنا المستعمر بثقافة الأتراك و محكوم بقانون الحشومة البائد؟؟؟
و لماذا لا ينهض إعلامنا بدور أكثر شجاعة و عمقا في توعية المجتمع بدل غرس التناقض و تكييف الواقع بأهواء الوهم و الأكاذيب و تزييف الحقائق؟؟؟ لماذا يكثر الحديث عن حفلات الزفاف و يقل هذا الحديث عند التطرق إلى فنون الإستمرار بعد الزفاف؟؟؟ لماذا نعلم الناس كيف يقيمون الأعراس ببهرجة، و لا نعلمهم كيف يقيمون العلاقات على أسس المتانة و الصدق و الصبر و الحكمة و الإحترام و التقدير؟؟؟ و لماذا تستهلك المساحات في الترفيه العابر، بينما تترك الأسرة تواجه أعقد أزماتها بلا مصباح و لا بوصلة و لا دليل؟؟؟
ثم ما حقيقة الكثير من الإرتباطات التي نراها؟؟؟ هل يقوم الزواج حقا عندنا على الحب و التشارك و التكامل و الدعم و المساندة؟؟؟ أم يقوم على الإحتياج و الإستغلال و الخوف من الوحدة و ضغط المجتمع و ضرورات الواقع؟؟؟ هل نختار شريك الحياة لأننا نريده حقا بكل مكوناته النفسية و وضعه الإجتماعي و قناعاته و مبادئه و قيمه؟؟؟ أم لأننا نهرب من فراغ ما و من الرقابة العائلية المتعددة الزوايا و الأركان؟؟؟ و من توجيهات هاته العائلة التي تسعى إلى تسريع عملية زواج الأبناء حسب دافعية المصلحة الخاصة لكل واحد فيها؟؟؟ و هل الحب إختيار حر، أم مجرد إسم جميل نضعه على حاجات لم نفهمها و لم نستوعب مسؤولياتها؟؟؟
و ما أسس العلاقة الصحيحة التي تؤمن زواجا مسؤولا و ناضجا و ورعا؟؟؟ و ما الذي يجعل البيت الأسري صامدا في وجه الأعاصير و العواصف، و آخر ينهار عند أول ريح عاثية؟؟؟ أهي الأموال؟؟؟ أم الأخلاق؟؟؟ أم الحوار؟؟؟ أم الذكاء العاطفي؟؟؟ أم جميعها حين تنتظم في ميزان واحد؟؟؟ و كيف نصنع جيلا يعرف معنى المودة و الرحمة الحقيقية؟؟؟ غير متباهي بشكل الزواج و لا بتكلفته و لا بمكان عقد إحتفاله؟؟؟
أسئلة موجعة، لكنها ضرورية… لأن الأمم التي تتهرب من أسئلتها الكبرى، تدفع ثمن صمتها من إستقرارها الداخلي، و من نفسية أبنائها، و من سلمها و سلامتها الإجتماعية…من هنا يبدأ هذا المقال: لا لترديد الشكوى، بل لتشريح الداء، والبحث عن الجواب، وإسترداد المعنى الذي ضاع بين زحام إكراهات الحياة…

 

أولا: الذكاء العاطفي… البنية الخفية التي تقوم عليها العلاقات:

لم يكن الذكاء العاطفي يوما رفاهية فكرية و لا مهارة ثانوية تكتسب للتزيين الإجتماعي، بل هو الأصل الذي تبنى عليه جودة العلاقات و ينسج عليه عمقها… فهو القدرة على أن يرى الإنسان نفسه بصدق قبل أن يطالب الآخر بفهمه، و أن يحسن إدارة عواطفه بدل أن تجره إلى ردود أفعال عمياء، و وسيلة ثاقبة لتمحيص ما وراء الكلمات، دون التسرع في إصدار أحكام قيمة مغلوطة بسبب الإنفعال، ليس إلا، ليفهم أحيانا كثيرة ما لا يقال كما يفهم ما يقال…
إنه ذلك الوعي الدقيق الذي يجعل من الإنفعال مادة للفهم لا أداة للهدم، و من الإختلاف فرصة للنمو لا سببا في الصراع… به تتحول العلاقة من ساحة إثبات إلى مساحة إحتواء، و من معركة خفية متسترة وراء الكثير من التقريرات و التعليلات و “تكلكيلات” إلى شراكة واعية عقلانية…
فالعلاقات لا تنهار حين يغيب الحب فقط، لأن المشاعر الإنسانية متقلبة بأثر السنين و وقع صدمات الحياة و إكراهاتها و فتور الحنين، بل حين يغيب الفهم لكيفية إدارة هذا الحب الذي يتأثر بصورة أوتوماتيكية بوقع كل ما يكتنف يومياتنا المضغوطة، و إن كان الأصل هو إستدراك قاعدة إنقاذه قبل ولوجه قاعة الإنعاش بعد دخوله في لحظات الإحتضار السريرية الأخيرة، بسبب أفول إهتمام طرفي العلاقة ببعضهما البعض دون إنتباه، وسط صخب الحياة و متطلبات الأبناء و وقع صعوبة إدارة هاته الأخيرة في زمن غطت فيه هذه المطالب الأجندة اليومية للأباء في ركض محموم، دون تذكر أنهما أصل هذه العلاقة… فكثيرا ما يدفن الشعور الصادق تحت ركام سوء التعبير، و يختنق الود في زحام التوقعات الغير المعلنة و التشكيك الأعمى أو بسبب تدخل الأغيار بنفث سموم التفرقة و تجحيم الحياة بأساطير القيل و القال… و من هنا، يصبح الذكاء العاطفي هو الحارس الخفي لكل علاقة، إن حضر تماسك البنــاء، و إن غاب بدأت الشقــوق في الظهور، و لو ظل الشكل الخارجي قائما، بسبب غياب ما أسميه بالديمقراطية و العدالة الأسرية، و التي سأعود إليها لاحقا في مقال مفصل…

 

ثانيا: لماذا يتصدع بنيان الزواج في المرحلة الراهنة بسهولة؟؟؟

مما لا شك فيه أن تصدع مؤسسة الزواج في وقتنا الراهن لا يعزى إلى المقولة المغلوطة بأن زمن الحب قد ولى، بل لأن زمن النضج لإستيعاب شروط و مقاييس تشكل العلاقة لم يترسخ و لم يختمر… لقد أصبح الكثير من الأفراد يدخلون الحياة الزوجية و هم مثقلون بجراح نفسية لم تداو، و بحاجات لم تفهم و لم يعبر عنها بكل شجاعة و وضوح ، و بصور ذهنية مشوشة و مشوهة عن معنى الشراكة الأسرية و مسؤولياتها الكثيــرة و الكبيــرة و التي تحدد السياق العام لمسار اللبنة الأساسية و المهمـة في تشكل ذلك المجتـــمـــع الكبيــــــــر الذي يتعايش فيه كل من الأباء و الأبناء على حد سواء ألا و هي: الأســرة و ما أدراك ما الأســرة، التي على الأزواج أن لا ينسوا نصيبهما من المشاعر الإنسانية التي تقوي روابط الآصرة بالتواصل الدائم و الجاد و الواضح و الصريح… هاته الأسرة، التي كثيرا ما تظلم فيها المرأة بسبب ما تتحمله من مسؤوليات جسام، لأن تحضيرها العائلي منذ البداية، إرتبط أساسا بسياق صب جامة ظلم إعدادها ك “زوجة حادݣة” و “قوية”و “جميلة” و “بصورة”…بحيث عليها أن تجيد كل المهام و الأدوار، لكي لا تحاكم من الزوج و أسرته و عائلتها و كل المجتمع، من منطلق أنها لم تقو على الحفاظ على أساس البنيان، بأحكام جائرة و غير عادلة، دون الإطلاع على ما تتكبده من عناء للإبقاء على البناء، الذي يفتقد كما أسلفت إلى أدنى قواعد العدالة الأسرية و الديمقراطية التواصلية و المساواة الفعلية في تقاسم الأدوار، بالمجتمع العربي عموما و المغربي خصوصا، الذي بني على “قاعدة الماتشوشيزم”بمعنى أن الزوجة المثالية هي التي تجيد تنظيف البيت و تحضير الأكل و كذلك تلك التي تتكفل بقضاء جميع المهمات الصعبه( شراء مستلزمات البيت، تغيير الصنبور، تغيير قنينة الغاز،…) و السهر على تربية الأبناء و التتبع الدراسي، دون نسيان، إلزامية قيامها بمسؤولياتها المهنية إن كانت تشتغل، تحت مسميات كل الضغوطات و الإكراهات…الخ، لنلزم في الأخير هذه ‘الدجيمي القوية”أن تلعب دور العاشقة الولهانة بالسي السيد الذي نجده في الزاوية الأخرى، بعد عودته من العمل ، إن كان يشتغل أصلا، يلاعب روبوت جهاز تحكم التلفاز أو هاتفه النقال بتصفح نوافذ تواصله الإجتماعية، إن لم ينسحب من كل هذا و ذاك لنجده في لقاءات صاخبة مع أصدقائه بالمقاهي، على أساس أن مهمة إدارة البيت قد وكلت صوريا له و إن وكلت فعليا بحكم الأعراف و التقاليد و العادات المدورة في دائرة متوارثة بتربية معطوبة منذ البداية كما قلت، لذلك العبد الذي تم إقتناؤه من سوق النخاسة في مشروع إستهل مسيرته بمشاعر قوية إسمها”الحب”، لتأخد في الأفول و الفتور تحت ظلم إجتماعي شجعت قواعد لعبته من الجميع…
فأصل الأزمة يبدأ من هشاشة البنية النفسية لتلك المرأة، التي شكلها المجتمع، بسبب تراكماته التربوية المغلوطة، لكي تكون الجميلة و القوية و الحكيمة و الصبورة و المتعلمة و الفنانة و الراقصة و الميكانيكية و السمكرية و…إلخ متناسيا أن التحليل الإنساني الواقعي و المنطقي يصرخ بأنها إنســــــان و ليست آلة، بل هي منذ كانت طفلة بدأ المجتمع في تشكيل وعيها وفق نمدجة البروتوتيب، خوفا من لومها في الأخير عن فشل العلاقة بســبب الإهمال أو التقصير، ليمنح بذلك السي السيد ترخيص تعويض هذه الزوجة بعد كل هذا الماراطون المحموم و التضحيات الجسام بأخرى أصغر منها لأن هذه الأخيرة لازالت في أوج العنفوان و قمة العطاء و الجمال…فمدة صلاحية الدجيمي القوية إنتهت، و كأنها قفاز وجب إستبداله بآخر مع كامل الأسف… و كأننا بذلك لسنا أمام إدارة علاقة إنسانية حكمتها مشاعر في البداية و كان من باب المفروض أن تدار بعقل و حكمة و صبر و تشاركية و رحمة و مودة…و…ليتحول بذلك الزواج من علاقة تكامل إلى علاقة تعويض، و من إختيار واع مسؤول إلى محاولة للهروب من نقص داخلي أو إنهزام مبثور أو خدش عطب طفولي ترك أثار جراحه غائرة في العقل الواعي و اللاواعي في نفس الآن… فتتضخم بذلك الأنا، فيصير كل طرف أسير رؤيته في معاناة صمت مطبق دون حوار و لا إستيعاب لخطورة ما يجري، حيث تطالب الزوجة دائما دون صوت بالتفهم و الإهتمام دون أن تمنح و لو بصيصا ضئيلا منهما، و لتتحمل مسؤولية تعاستها أو سعادتها كاملة… لأن الزوج شكل منذ كان في بطن أمه على أنه الزوج الذكر المستهتر لا الزوج/ الإنسان المسؤول: الذي يجب أن يخاف الله، صاحب المبدأ و القيم الإنسانية الراقية و الضمير المفعل و الوعي المجسد في سلوكياته اليومية و في تعامله الحضاري المسؤول…
و مما يزيد الأمر تعقيدا ذلك الخلط الخطير بين الحب و الإمتلاك، حيث تفسر الغيرة على أنها دليل إهتمام، و تبرر السيطرة ب على أنها حرص، و يقدم التضييق على أنه حماية…فتخنق الحرية لكلا الطرفين أحيانا بإسم الحب، و تمحى المسافة الصحية التي يحتاجها كل إنسان ليبقى متوازنا دون البحث هنا عن تبرير ذلك الهروب من الواجبات بصورة دائمة…و الإكتفاء بالتشبت بكل إستبداد بالحقــوق…
كما لا يمكن إغفال ضغط الواقع، حين تتحول العلاقة أحيانا إلى مشروع بقاء داخل غرفة الإنعاش بسبب وطأة الأعباء الإقتصادية و الإجتماعية، فيبهت البعد الإنساني، ليحل محله التوتر و الإستنزاف و الإحتراق، و هكذا، لا ينهار الزواج فجأة، بل يتآكل ببطء، حتى يصل إلى مرحلة لا يعود فيها الطرفان قادرين على تذكر و لو للحظة: لماذا إلتقيا و إجتمعا أصلا في هذه اللبنة الأولى لتشكل هذا المجتمع الكبيــــر الذي أستخلفا من أجله.

 

ثالثا: الطلاق العاطفي و الصامت… النزيف الذي لا يرى:

لا جرم أنه لا توجد بالكثير من المنازل خصومات صاخبة، لكن لا وجود أيضا لحياة هادئة مستقرة و سعيدة… فهناك صمت كثيف و كبير، بالرغم من الحضور الجسدي الذي يقابله غياب الشعور و الإحساس الذي يسلط سبيل الإندحار، بسبب حلول التواصل الوظيفي، الذي يخلو من الشغف و الحب و الروح: هذا هو الطلاق العاطفي، حين تستمر العلاقة شكلا، لكنها تنطفئ مضمونا و عمقا و إحساسا…
إنه حالة من الإنفصال الغير المعلن، يعيش فيها الزوجان كغرباء، يتقاسمان المساحة المكانية لا المسافة الشعورية، و يؤديان الأدوار في نفاق إجتماعي تام و مطلق و في تزييف خارق للواقع و بذلك لا يعيشان الحياة بل يعيشان ظلما للذات و للآخر…إن لم ينسحب كل منهما إلى زاوية راحته البديلة: بدون حوار حقيقي، و لا إحتواء صادق، و لا دفء أسري مضمون… مجرد إلتزامات تنجز، و أيام تستهلك…و سنين تنقضي تحت يافطة الإنتظار الكاذب…
فخطورة هذا النوع من الطلاق لا يحدث صدمة آنية، بل يخلق تآكلا مستمرا، و إحتراقا ذاتيا يستنزف فيه العقل و الجسد بتلك الأسئلة الغير المصرح بها علنا…ليزرع الفتور في النفوس، و يشوه مفهوم العلاقة لدى الأبناء، فينشأ جيل آخر يرى في الحب واجبا ثقيلا أو تجربة مؤلمة، فيعيد إنتاج الخلل ذاته في علاقاته المستقبلية تحت طابو المسكوت عنه…أو يعيش حالة العزوف الأوتوماتيكي من أي إرتباط أسري مستقبلي…

 

رابعا: لماذا لا يشتغل الإعلام بفعالية في توعية المجتمع؟؟؟

لأن كثيرا من المنظومات الإعلامية إنشغلت بالشكل على حساب الجوهر، و بالإثارة على حساب البناء… عندما تقدم العلاقات في قالب إستهلاكي، يركز على المظاهر و الإحتفالات الغوغاء، و يغفل عن تشريح العمق الإنساني و التحديات الواقعية…
يروج لنماذج مثالية لا تمت للواقع بصلة، أو لنماذج سطحية تفتقر إلى النضج، فيضيع المشاهد بين وهم الكمال و سطحية الطرح ليغيب المحتوى العلمي الذي يشرح طبيعة النفس البشرية، و يبثر علم مهارات التواصل، الشيء الذي يبرز ضرورة و أهمية الذكاء العاطفي كأداة أساسية للحياة، بدل البحث عن بديل خارج صور المؤسسة الأسرية…
إن الحاجة اليوم ملحة لإعلام واع، لا يكتفي بعرض المشكلات، بل يساهم في تفكيكها، و لا يكتفي بإثارة الإنفعالات، بل يهذبها، و لا يقتصر على تقديم العلاقات كسلعة، بل كمسؤوليات تتطلب وعيا و مهارة في الإدارة…

 

خامسا: هل الزواج محكوم بالحب أم بالإحتياج؟؟؟

إن التمييز بين الحب و الإحتياج هو الحلقة الفاصلة بين علاقة ناضجة و أخرى هشة… فالكثير من الإرتباطات تبنى على الخوف من الوحدة، أو ضغط المجتمع، أو الرغبة في الأمان المادي، فيكون الدافع إحتياجا لا إختيارا…
فالعلاقة القائمة على الإحتياج تتحول سريعا إلى تبعية، إلى رابط إستغلال علني أو ضمني ثم إلى عبء، حيث ينتظر من الطرف الآخر أن يملأ فراغا داخليا لا يمكن أن يملأ إلا بالوعي الذاتي… و مع إنبثاق أول خلل، يظهر التوتر، لأن الأساس لم يكن صلبا و مثينا…بل كان مبنيا على الإشباع الإستغلالي و نظرية الوصولية المرتبطة بمصلحة او بمصالح معينة…
فأما العلاقة التي تبنى على الحب الواعي، فهي علاقة إختيار، لا هروب فيها، بحيث يلتقي شخصان مكتملان في النضج نسبيا، لا ليكمل أحدهما الآخر فقط، بل ليضيف كل منهما للآخر طعما للحياة، يتشكل بالدعم و المساندة و المودة و الرحمة، في ظل التمثلات الأخلاقية الراقية و القيم الإنسانية الحقيقية، دون إلغاء مساحة الحرية الفردية المقننة، بطبيعة الحال لكل منهما، بل على العكس يجب أن تحترم، و دون إختزال وجودهما في أدوارهما النمطية، الرتيبة فقط، بل في تعاملهما مع بعضهما على أن كلاهما كائن إنسـاني كامل الحضور و الأثر و الكينــونة…و صاحب حق و واجب كذلك…

 

سادسا: أسس العلاقات الصحيحة لتأمين زواج مسؤول و ناضج و ورع…

إن بناء علاقة متينة ليس أمرا عفويا، بل هو مسار واع يقوم على قواعد واضحة: أولها وعي الإنسان بذاته، لأن من لا يفهم إحتياجاته و حدوده، سيسقط إرتباكه على شريكه… ثم يأتي التواصل الصادق، الذي يعبر فيه كل طرف عن مشاعره وإحتياجاته بوضوح، دون خوف أو مراوغة…ليصبح إحترام الإختلاف ضرورة، لأن التنوع بين الشخصيات ليس عيبا، بل إنه على العكس مصدر غنى… كما أن إدارة الخلاف بذكاء يعد معيارا حقيقيا لنضج العلاقة، حيث لا ينظر إلى الخلاف كتهديد، بل كفرصة لفهم أعمق و لتحليل أدق لشخصية الذات و رفيق العلاقة…
و لا يمكن تحقيق إستقامة هاته الأخيرة، دون توازن بين الأخذ و العطاء، لأن الإفراط في أحدهما يفسد المعادلة… كما أن الحضور العاطفي اليومي، و لو في أبسط صوره، ينعش العلاقة و يحفظ دفئها… فليست العبرة بحجم الأفعال، بل بصدقها و إستمراريتها العادلة و المتزنة…
و يبقى البعد القيمي و الروحي هو الضامن الأسمى، إذ يجعل من العلاقة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إرتباطا إجتماعيا موثقا بورقة إسمها: عقد النكاح… فحين يستحضر الإنسان ضميره، و يستند إلى قيم العدل و الإحسان و يخاف الله و تأنيب هذا الضمير في كل صغيرة و كبيرة، يصبح قادرا على كبح أهوائه، و الإرتقاء بعلاقته إلى مستوى أسمى من مجرد تلبية حاجاته الغريزية و شهواته الحيوانية…

إن العلاقات الزوجية لا تنهار فجأة، بل تتآكل بصمت، عبر تراكمات صغيرة تهمل حتى تتضخم… و الذكاء العاطفي ليس حلا سحريا، لكنه المفتاح الذي يعيد ترتيب الداخل، فينعكس ذلك على الخارج…
إن إصلاح العلاقات لا يمر فقط عبر القوانين أو الأعراف، بل عبر إعادة تشكيل الوعي: في الأسرة التي تربي، و في المدرسة التي توجه، و في الإعلام الذي يؤثر، و في الفرد الذي يختــار…
فلا بيت يصمد بلا فهم، و لا علاقة تزدهر بلا وعي، و لا حبا يدوم إن لم يحسن أصحابه رعايته…و حين نتعلم كيف نفهم… قبل أن نطالب أن نفهم، كيف نصغي… قبل أن نتكلم، و كيف نحب بوعي… لا بعجز،
آنذاك فقط، تتحول العلاقات من عبء يحتمل… إلى معنى يعاش…و إلى حياة صامدة في وجه كل التقلبات و الإكراهات…و أكيد أنها لن تنصهر في إنحرافات الخيانة المتكررة للبحث عن بديل دون إحتساب العواقب و لا إدراك وخامة النتائج…

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!