الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

الحب الحقيقي بين قداسة الشعور و سقوط الهيمنة

الحلقة الخامسة من سلسلة وعي و إرتقاء

 

 

 

بقلم ذة: نجاة زين الدين
مدربة، كوتش و مستشارة نفسية 

 

 

لم يكن الحب مجرد كلمة تقال في لحظة شغف عابرة، و لا وعدا يلمع ببريق في بدايات العلاقات ثم يتبخر عند أول إختبار للوعي و إمتحانات الحياة الإنسانية.
الحب الحقيقي أعمق من الإنجذاب، و أرقى من التملك، و أنبل من السيطرة… إنه حالة إنسانية راقية، تقوم على الإعتراف الكامل بإنسانية الآخر، و إحترام كيانه، و صون كرامته، و إحتضان ضعفه، لا إستغلاله…
الحب الحقيقي لا يخيف، لا يهين، لا يرعب، لا يحاصر الروح، و لا يحطم الثقة بالنفس… لأن الشعور الذي يولد الخوف داخل قلب إمرأة، ليس حبا مهما إرتدى من أسماء براقة و مزيفة…

إن أعظم العلاقات الإنسانية هي تلك التي تبنى على السكينة النفسية، و على الطمأنينة، و على الإحساس بالأمان الداخلي، لا على القلق و الترقب و الإنكسار… فالمرأة حين تدخل علاقة عاطفية أو زوجية، لا تبحث فقط عن رجل يحمل إسم “الشريك”، بل تبحث عن وطن نفسي، عن كتف يحتوي تعبها، عن روح تشعرها بأنها مرئية و مسموعة و مقدرة، لا مجرد كائن تابع يطلب منه الصمت و الطاعة و الإنحناء أو أنها تزوجت فقط لتكون خادمة و مأمورة أو مصنعا للأطفال لضمان الإستخلاف، هذا الأخير الذي تبقى توصيات مسؤوليته و حقوقه و واجباته أعمق مما يتخيل في الضمير الفردي…
لكن المؤلم حقا، أن كثيرا من العلاقات في مجتمعاتنا لم تبن على مفهوم الحب الحقيقي و الواجب، بل على مفهوم الإمتلاك و التشيء.
و هنا تكمن الكارثة النفسية و الأخلاقية…

فحين يتحول الحب إلى مشروع هيمنة، كيف يمكن للرجل أن يدعي حب إمرأة ثم يسمح لنفسه بإهانتها أو ضربها أو تحطيم كرامتها بكل إمتهان؟؟؟
كيف يمكن لشعور يفترض أنه وجد أصلا للسمو بالإنسان أن يتحول إلى أداة قمع و إذلال؟؟؟
كيف يصبح الحب عند البعض مبررا للمراقبة و التحكم و العزل النفسي و الإبتزاز العاطفي؟؟؟
الجواب المؤلم هو أن كثيرا مما يسمى حبا ليس حبا في الحقيقة، بل تعلق و خوف مرضي من الفقد، أو رغبة دفينة في السيطرة، أو شعور بالنقص يحاول صاحبه تغطيته بإخضاع الطرف الآخر و السيطرة عليه…

فالرجل السوي نفسيا لا يحتاج إلى العنف ليثبت رجولته، لأن الرجولة الحقيقية لا تقاس بقدرة إخافة المرأة، بل بالقدرة على إحتوائها و إحترامها و تقديرها…
فالرجل الناضج لا يرى في المرأة كائنا ناقص الأهلية، أو كائنا من الدرجة الثانية يحتاج إلى وصاية دائمة، بل يرى فيها شريكا كامل الإنسانية، له حق الإختيار و التعبير و الحلم و الرفض و النجاح و التألق و الإبداع…
أما الرجل الذي يربط الحب بالطاعة العمياء، و يعتبر المرأة ملكية خاصة، فهو في الغالب ضحية تشوهات نفسية و تربوية عميقة، لأنه تربى داخل منظومة إختزلت المرأة في “وظيفة”، لا في إنسان…

 

العنف ليس قوة… بل إنهيار داخلي قاثم المنحى و ضبابي الأفق:

إن مشاهدتي لشاب يعنف شابة أمام الناس في مكان عمومي دون خجل يوم الخميس أو وعي بخطورة سلوكه، لا يعكس تلك القوة التي يظن أو كما يظن البعض، و لا يعكس أبدا أبدا شعور حب بالفعل بل يكشف هشاشة نفسية مخيفة، و فقدانا خطيرا للإتزان العقلي و النفسي الداخلي…
فالإنسان العنيف غالبا لا يملك القدرة على إدارة إنفعالاته، لأنه لم يتعلم منذ طفولته كيف يعبر عن ألامه بشكل صحي و صحيح…
فالعنف في جوهره ليس مجرد سلوك خارجي، بل هو نتيجة حتمية لتراكمات نفسية عميقة:

*)طفولة مشبعة بالإهانة أو القمع…
*)بيئة أسرية تعتبر الضرب هو الوسيلة الوحيدة للتربية…
*)غياب الحوار داخل البيت…
*)صورة مشوهة عن الرجولة تربط الهيبة بالخوف…
*)شعور داخلي بالنقص أو الفشل أو العجز…
*)كبت نفسي طويل يتحول إلى إنفجار عدواني…
*)ثقافة إجتماعية تبرر للرجل السيطرة و تطالب المرأة بالصمت و الإذعان…

فالطفل الذي ينشأ و هو يرى أمه تهان، أو يسمع والده يصرخ أو يضرب و يرعب الجميع، قد يكبر و هو يعتبر العنف اللغة الطبيعية الوحيدة للحب أو لممارسة السلطة الأبوية…
و هكذا تتحول الأسرة أحيانا إلى مصنع لإعادة إنتاج الألم و تدويره عبر الأجيال دون توقف إن لم تتدخل التحليلات السيكولوجية و بروتوكولاتها بمواكبات نفسية سريعة و دقيقة، إن أدرك المجتمع أهمية دور المرافق أو الأخصائي النفسي…

 

العنف الموروث… حين تنتقل الجراح من جيل إلى جيل:

العنف لا يورث جينيا بالمعنى المباشر، لكنه يورث نفسيا و سلوكيا.
فالإنسان يتشرب أنماط التعامل منذ طفولته، و يعيد إنتاجها لاحقا دون وعي…
و لهذا نجد أن بعض الأشخاص يكررون داخل بيوتهم نفس ما عاشوه:
فالأب المعنف كان طفلا مهانا.
و الأم الخاضعة تربت بدورها على الخوف و كبت الصوت و الرفض.
و بذلك فإن الطفل الذي عاش الرعب قد يصبح إما جلادا أو ضحية مستسلمة.
إنها دائرة نفسية خطيرة، إذا لم تتوقف بالوعي و العلاج و التربية السليمة، فإنها تدمر الأسرة من الداخل و تزعزع إستقرارها بالكامل…
و الأسرة التي يغيب عنها الإحترام، لا يمكن أن تنتج أبناءا متوازنين نفسيا.
فالطفل لا يحتاج فقط إلى الطعام و التعليم، بل يحتاج إلى الأمان العاطفي. يحتاج أن يرى الحب في طريقة الحوار، في الإحترام المتبادل، في الرحمة، في الإعتذار، في الإصغاء، في القدرة على الإختلاف دون تحطيم و في الإخلاص و الوفاء لميثاق التعاقد الأسري…

 

المرأة ليست تابعا… بل شريك وجود:

إن إختزال المرأة في كائن تابع للرجل هو أحد أخطر أشكال التخلف الوجداني و الفكري.
فالمرأة ليست ظلا للرجل، و لا إمتدادا لرغباته، و لا أداة لإشباع سلطته النفسية…
هي إنسان كامل الأهلية، له عقل و كرامة و حق في الإختيار و الإستقلال النفسي و الإحترام.
و العلاقة التي تبنى على إلغاء شخصية المرأة ليست علاقة حب، بل علاقة سيطرة مرضية و إضطراب وجب الحسم معه بنضج و وعي.
فالحب الحقيقي لا يقتل هوية المرأة، بل يساعدها على التفتح و النمو.
لا يخنقها، بل يمنحها شعورا بالأمان الذي يسمح لروحها بالإزدهار و التألق و النجاح…
فالإحتواء ليس سجنا، و الغيرة ليست تملكا، و القوامة الأخلاقية لا تعني الإستبداد و التسلط.
هناك فرق شاسع بين رجل يحمي إمرأة لأنه يحبها، و رجل يحاصرها لأنه يخاف فقدان السيطرة عليها…

 

لماذا ينهار المجتمع حين ينتشر العنف داخل الأسرة؟

لأن الأسرة هي الخلية الأولى لبناء الوعي المجتمعي.
وحين تبنى الأسرة على الخوف بدل الرحمة، و على السيطرة بدل الحوار، فإن المجتمع كله يصاب بالتشوه و بالإعاقة.
فالعنف الأسري لا يبقى داخل الجدران، بل يخرج إلى المدارس و الشوارع و أماكن العمل ليشمل بذلك كل العلاقات الإنسانية.
فالطفل الذي تربى على الإهانة قد يتحول إلى:
شاب عدواني، أو إلى إمرأة مهزوزة الثقة بنفسها، أو إنسان عاجز عن الحب الصحي، أو شخصية تمارس العنف النفسي على الآخرين دون إدراك.
و من هنا يصبح العنف تهديدا حقيقيا للأمن النفسي و الإجتماعي، لأنه يهدم الثقة بين الأفراد، و يقتل الطمأنينة داخل المجتمع، و يخلق أجيالا متعبة من الداخل.

 

الحب الحقيقي… وعي قبل أن يكون شعورا:

الحب ليس إندفاعا أعمى، بل مسؤولية أخلاقية و نضج نفسي…
ليس كلمات رومانسية تقال في البدايات، بل طريقة معاملات يومية.
فالحب الحقيقي يظهر:

*)في الإحترام وقت الخلاف…
*)في الرحمة وقت الضعف…
*)في الأمان وقت الخوف…
*)في الصدق وقت الإلتباس…
*)في الدعم وقت السقوط…
*)و في القدرة على حماية كرامة الطرف الآخر حتى أثناء الغضب…

أما العلاقة التي تبنى على الإذلال و التهديد و التحكم و العنف، فهي علاقة تحتاج إلى وعي و علاج و حدود واضحة، لا إلى تبريرات بإسم الحب…
فالحب الذي يحطم النفس ليس حبا… و القلب الذي يرعب من يحب، لم يفهم معنى الإنسانية بعد…

إن الإنسان الحقيقي لا يقاس بقدرته على فرض سلطته، بل بقدرته على صون إنسانية من يحب…
و هنا فقط يصبح الحب قيمة سامية، لا ساحة صراع أبدي…

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!