حين تتلعثم الدولة في نطق التعليم
ف ز فراتي ـ برشلونة
لم يكن الأمر مجرد زلة لسان عابرة داخل قبة البرلمان، حين نطق وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة كلمة “مراهقة” بصيغة “مهارقة”، أو حين بدا متلعثماً وهو يحاول شرح مفاهيم يفترض أنها جزء من مشروع إصلاح تربوي يهم ملايين المغاربة. فخلف تلك اللحظة التي تحولت سريعاً إلى مادة للسخرية والتندر على مواقع التواصل الاجتماعي، كان هناك مشهد أكثر عمقاً وأشد قسوة: صورة تعليم مرتبك، ومنظومة أنهكها العبث، ومسؤولون يتعاقبون على قطاع حيوي دون أن ينجحوا في إعادة الثقة إلى المدرسة العمومية.
في الدول التي تحترم التعليم باعتباره قضية مصيرية، لا يُنظر إلى اللغة باعتبارها مجرد أداة تواصل عابرة، بل باعتبارها انعكاساً للفكر والوضوح والكفاءة. لذلك بدا المشهد صادماً بالنسبة لكثير من المغاربة، ليس لأن وزيراً أخطأ في لفظ كلمة، فالجميع يخطئ، بل لأن الخطأ جاء في سياق يعاني فيه التعليم المغربي أصلاً من أزمة عميقة في المعنى والرؤية والمخرجات.
لقد تعاقبت على المغرب لعقود طويلة خطابات “الإصلاح”، حتى تحولت الكلمة نفسها إلى مرادف للإخفاق. برامج استعجالية، ومخططات استراتيجية، وشعارات براقة، وميزانيات ضخمة ، لكن النتيجة التي يلمسها المواطن البسيط تكاد تكون واحدة: مدرسة عمومية تتراجع، وأستاذ يفقد مكانته، وتلميذ يُدفع تدريجياً نحو الهشاشة المعرفية واليأس الاجتماعي.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا التراجع لم يعد يبدو للكثيرين مجرد فشل عابر، بل نتيجة سياسة طويلة أفرغت التعليم العمومي من دوره الحقيقي، وكرّست بشكل غير مباشر الفوارق الطبقية داخل المجتمع. فبين مدارس خاصة تزداد قوة ونفوذ، ومدارس عمومية تعاني الاكتظاظ وضعف الإمكانيات، ينمو جيل كامل وهو يشعر بأن فرصه في النجاح لا تحددها قدراته، بل موقعه و مستواه الاجتماعي منذ البداية.
ما حدث تحت قبة البرلمان لم يكن سوى لحظة كاشفة. لحظة جعلت المغاربة يرون بوضوح كيف أصبح الخطاب الرسمي نفسه مرتبكاً وعاجزاً عن إقناع الناس، لأن الأزمة أعمق من الكلمات، وأكبر من وزير واحد. إنها أزمة رؤية وثقة ومسؤولية.
وربما لهذا السبب تحديداً لم يضحك كثيرون على كلمة “مهارقة” بقدر ما شعروا أنها تختصر، بطريقة ساخرة ومؤلمة في آن واحد، حال تعليم ظل لسنوات طويلة يبحث عن الاتجاه الصحيح… دون أن يجده



























