الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

المدونة بين التحليل والتحريم

 

 

عبد المولى المروري

 

 

تصريح الملك في خطاب العرش لسنة 2022 بالعبارة المشهورة «لن أحل ما حرم الله ولن أحرم ما أحل الله» ليس بالتصريح الهين أو العابر، بل إنه تصريح ثقيل في وزنه، عميق في أبعاده، لابد أن يكون له أثر واضح ومباشر في المقترحات التي أتت بها اللجنة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، ولابد أن ينعكس هذا التصريح على كل مواد مشروع القانون الجديد لهذه المدونة..

 

إن هذا التصريح الذي جاء بمناسبة عيد العرش، وفي مناسبات أخرى، يرتب مسؤوليات عظيمة وجسيمة على كل الاطراف المعنية، بدءا بالملك الذي صرح به، مرورا بجميع من شارك في هذا النقاش المجتمعي الكبير، وانتهاء بالصيغة النهائية التي ستعرض على الشعب المغربي..

 

لقد تابع المغاربة باستغراب شديد العديد من المغاربة (الذين يحبون أن يسموا أنفسهم «الحداثيون») الذين خرجوا خروجا شاذا عن تصريح الملك الواضح والصريح، وقفزوا إلى الضفة الأخرى من العالم الغربي الذي لا تربطه بالمغرب لا ثقافة، ولا قيم، ولا دين… واختاروا أن يضربوا بالتأطير الشرعي الذي وضعه الملك عرض الحائط، بل إن بعضهم وضعه تحت حذائه بكل وقاحة وقلة حياء..

 

التأطير الشرعي الذي وضعه الملك لم يأت به من فراغ، بل هو نقل كامل وترجمة مباشرة لحديث رسول الله صلى الله عليه الذي قال فيه: «إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها….. وإني لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله أبداً».

 

من جميل الصدف أن كلام رسول الله صلى الله كان يقصد به أن لا يحرم التعديد في الزواج لمن شاء من المسلمين، ولو كان من بينهم علي كرم الله وجهه سبب ورود الحديث، وأن تحفظه ليس على التعديد كحق مشروع ومباح للرجال من المسلمين، ولكن السبب أن المرأة التي كان يرغب أن يتزوجها علي هي ابنة أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة، من أشد أعداء الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يكن لرسول الله، ولا لأي رجل آخر أن يصاهر شخصا يحقد عليه، ويُكِن له العداء والمكر، لما قد يشكل ذلك من خطورة بالغة على ابنته..

 

وحتى لا يقول متربص بأن التعديد في الزواج رفضه الرسول رفضا مبدئيا،ورغم أن الرسول قد بين سبب رفضه لزواج علي بامرأة ثانية في الحديث نفسه، فإن استحسان عدم مصاهرة أعداء الإسلام وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تقف عند أبي جهل فقط، فلقد كانت رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما متزوجتان من عتبة وعتيبة ابني أبي لهب عم أبيهما، وجاء الطلاق بين الزيجتين كرامة لهما ولأبيهما لما نزلت سورة المسد في ذم أبي لهب، وذلك بعدما اشتد عداءه إلى جانب زوجه أم جميل للرسول، هذا الطلاق الذي فرح به الرسول صلى الله عليه وسلم فرحا كبيرا، وأزال عن عاتقه عبئا ثقيلا..

 

من الطبيعي أن يرفض أب زواجاً سيئا ضرره محقق لابنته، سواء زواجا مباشرا أو إدخال ضرة إلى بيتها، فأبو لهب وأبو جهل كانا وقتها من أشد أعداء الرسول والإسلام، ورفضه لزواج علي من ابنة أبي جهل كان رفضا مبررا ومعقولا من الناحية النفسية والاجتماعية، ولا علاقة له لا بالتحريم لما أحل الله، ولا بالتحليل لما أحل الله..

 

ومع التأطير الشرعي الذي وضعه ملك البلاد، والمستوحى من حديث رسول الله صلى الله يجعل كل فصول المدونة موضوع المراجعة خاضعة له، ومنضبطة لمضمونه، ولا يجب أن يخرج عليه الحداثيون خروج المتمردين العصاة كما خرجوا أثناء عرض المقترحات أمام الشعب وبين يدي اللجنة.. ولا سيما الخروج عن المواد المستقاة من نصوص شرعية قطعية الدلالة وصحيحة الثبوت..

 

الرسول قال كلمته في موضوع التعديد في الزواج «لست أحرم حلالا ولا أحل حراما» كسبب خاص للورود، ولكنها كاملة جامعة وعامة تمتد إلى كل ما أحل الله وحرمه، ولقد جاء تصريح الملك مطابقا وتابعا لحديث رسول الله صلى الله في التأطير الجامع والعام، فهل يعقل أن يخالفه في موضوع تعديد الزواج على الخصوص، وقد أحله الله في قرآنه، وأكده الرسول في حديثه؟ وهل يعقل أن يخالف الملك كلام الله سبحانه وتعالى لرسوله في الآية الكريمة عندما خاطبه اللهُ تعالَى: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»؟ وهل يعقل أن يبتغي الملك مرضاة الحداثيين وتعليمات المنظمات الدولية على حساب مرضاة الله؟

 

لذلك فإن التأطير الشرعي للملك لموضوع مراجعة المدونة يُحمِّل الجميع مسؤولية دينية بالغة الخطورة والأهمية، وأي خروج عنه هو خروج عن المرجعية الإسلامية المنصوص عليها في القرآن والسنة، والمرجعية الدستورية التي نظمها الفصل 175 الذي جاء فيه: «لا يمكن أن تتناول المراجعة الأحكام المتعلقة بالإسلام، وبالنظام الملكي للدولة، وباختيارها الديمقراطي، وبالمكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور»، فهل بعد هذا الحديث يُفتح الباب لِلغو الحديث؟

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات