الفرجة السينمائية في مهرجان السينما الافريقية بخريبكة
الدورة 26:
القدرة على الإدهاش والمساءلة والحلم
عبدالله الساورة
هل ما تزال السينما الافريقية قادرة على أن تجعلنا نرى ما لا نراه في حياتنا اليومية؟ وهل تستطيع صورة واحدة أن تفضح قرونًا من الصمت، وأن تفتح جراح الذاكرة المنسية، وأن تمنح المهمشين حق الكلام من جديد؟ ماذا تقول لنا وجوه الأطفال الذين يُباعون مقابل قطيع من الماعز، وعيون الفلاحين الذين يخشون على أرضهم وبذورهم وحقولهم من الضياع، وأحلام القرى التي تنهار تحت وطأة الفقر والعزلة والهجرة؟ وهل تحولت شاشة مهرجان السينما الافريقية بخريبكة في دورته السادسة والعشرين(2026) إلى مرآة كبرى تعكس قلق القارة وهي تبحث عن ذاتها وسط عالم مضطرب؟
في هذا الموعد السينمائي النادر، لا تبدو الأفلام مجرد حكايات تُروى، ولكنها أشبه بنداءات إنسانية قادمة من أعماق أفريقيا. وهنا تتجاور الذاكرة مع الحلم، والجرح مع الأمل، والصمت مع الصرخة. وهنا أيضًا تصبح الفرجة فعلًا نقديًا يضعنا أمام أسئلة الحرية والهوية والعدالة والمعنى. إنها سينما لا تكتفي بالإدهاش، بقدر ما تجرؤ على مساءلة العالم، وتدعونا إلى إعادة اكتشاف الإنسان الافريقي وهو يكتب تاريخه بالصورة، ويقاوم النسيان بالحكاية، ويصنع من الحلم أفقًا مفتوحًا على المستقبل.
- تقاطعات التاريخ والهوية والأسئلة الوجودية
لا تمثل تعد الفرجة السينمائية في مهرجان السينما الأفريقية بخريبكة مجرد فعل بصري عابر، بقدر ما تحولت في دورتها السادسة والعشرين إلى مختبر ثقافي واسع تتقاطع داخله الذاكرة والتاريخ والهوية والأسئلة الوجودية التي تؤرق المجتمعات الافريقية. فمن المغرب إلى كينيا، ومن الطوغو والسينغال إلى الكاميرون، ومن تونس إلى مصر والسودان… جاءت الأفلام محملة بحكايات البشر وهم يواجهون التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعصف بالقارة.
وفي قاعات العرض لم يكن الجمهور يشاهد صورًا متحركة فحسب، وإنما كان يكتشف خرائط جديدة للإنسان الافريقي. وبدت الشاشة وكأنها مرآة واسعة تعكس أحلام القرى المنسية، وقلق المدن المتضخمة، والقرى المهمشة وأسئلة الشباب الباحث عن معنى لوجوده. وقد أعادت بعض الأعمال إلى الواجهة قضايا الهجرة والذاكرة والعدالة الاجتماعية، بينما اختارت أعمال أخرى الغوص في تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة التي تصنع جوهر التجربة الإنسانية وفي هذا الاطار نجد الفيلم المصري ” المستعمرة ” للمخرج محمد رشاد يغوص في ثنايا الهامش المصري بكثير من القسوة. كما نجد الفيلم الكيني ” ناوي ” (2014) للمخرج فالنتين شيلوكي، يكشف الطفلة ناوي البالغة من العمر 13 سنة يبيعها لرجل أكبر منها سنا بكثير مقابل قطيع من الماعز.
ولقد جسدت الفرجة هنا ما أشار إليه المخرج السنغالي الراحل أوسمان سيمبين حين قال: “السينما هي مدرسة ليلية للشعوب”. فكل فيلم كان بمثابة درس في التاريخ أو نافذة على واقع مختلف. واستحضرت بعض العروض روح أفلام مثل “مذاق نبيذ النخيل“للمخرج جون بيير بيكولو و” نيامو” للمخرج الكونغولي ليزبيت مابيلا، وكذلك الفيلم السينغالي “ مذكرات مانغوي ” (2025)، للمخرج نيكولاس سولو سيسي، وفيلم ” سيفا ” (2025) للمخرجة الشابة من الطوغو ديهامان كافيشينا، حيث امتزج البعد الجمالي بالبعد الإنساني في خطاب سينمائي يراهن على التفكير بقدر ما يراهن على الإمتاع.
- في مواجهة هشاشة الواقع
تميزت الأفلام المغربية المشاركة بحضور قوي للأسئلة المرتبطة بالتحولات الاجتماعية وتغير أنماط العيش. فقد انشغلت بعض الأعمال بمصير الأفراد في مواجهة هشاشة الواقع، بينما اختارت أخرى مساءلة الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية داخل مجتمع يعيش تحولات متسارعة.
وتحركت الشخصيات المغربية بين الأمل والانكسار، بين الرغبة في التحرر وثقل الماضي. كما في فيلم ” وارث الأسرار” (2026) للمخرج محمد نظيف عن رحلة طويلة من الهجرة بين المغرب وكندا عن شخصية عمر فريد وعن معنى الأكاذيب التي تقلب حياة الأفراد رأسا على عقب. تم فيلم ” كوندافة ” (2026) للمخرج علي بنجلون وقد نجحت الكاميرا في التقاط تفاصيل الحياة اليومية بلغة بصرية عن حياة قرية أمازيغية يغير من أحوالها إماممسجد بمجموعة من الفتاوي المحرمة إلى حالة من التصدع والهجرة والانتحار وتوقف الحياة بها. وهنا لا يتحول الفيلم إلى بيان سياسي، وإنما إلى تجربة جمالية تتيح للمتلقي أن يشارك الشخصيات قلقها وأسئلتها.
وفي المقابل، حملت الأفلام المصرية مثل ” 50 متر “، للمخرجة يمنى خطاب، داخل مسبح جماعي بالقاهرة عن علاقتها المعقدة والحابلة بالأسرار بين المخرجة ووالدها. وعالجت بعض الأعمالمثل فيلم ” المستعمرة “، قضايا السلطة والحرية والعلاقات الأسرية، فيما ذهبت أخرى نحو استكشاف العزلة والاغتراب. وبدت الفرجة وكأنها حوار متواصل بين ضفتي شمال افريقيا، حيث تتشابه الأسئلة وإن اختلفت الأجوبة.
ولعل قوة هذه الأعمال تكمن في قدرتها على تجاوز الحدود الوطنية الضيقة. فالبطل لم يعد مغربيًا أو تونسيًا أو مصريًا فقط، وإنما أصبح صورة للإنسان الافريقي في بحثه الدائم عن الكرامة والمعنى. وكأن المهرجان أراد أن يؤكد أن السينما ليست جغرافيا، ولكنها تجربة إنسانية مشتركة تتجاوز اللغات والحدود.
- الفيلم الافريقي طريقة لرؤية العالم
حملت الأفلام القادمة من السودان وكينيا والكاميرون والطوغو،معها نكهة خاصة، لأنها قدمت رؤى مختلفة للعلاقة بين الفرد ومحيطه الاجتماعي. وفي فيلم السوداني ” ملكة القطن ” (2025) للمخرجة سوزانا ميرغاني حضرت القرية بوصفها فضاء للذاكرة، وعالجت قضية بالغة الحساسية في استيراد بذور القطن الصناعية والملقحة ومدى خطورتها اجتماعيا واقتصاديا على الأمن الغذائي لسكان القرية.
ونجحت هذه السينمات في تحويل التفاصيل المحلية إلى أسئلة كونية. واعتمدت بعض الأفلام إيقاعًا هادئًا يسمح بتأمل الشخصيات والعوالم المحيطة بها، فيما اختارت أخرى أساليب أكثر حيوية وحركية. غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو الإيمان بقوة الصورة على كشف ما تعجز الكلمات عن قوله.
وتعيد هذه الأعمال إلى الأذهان مقولة المخرج المالي سليمان سيسي: “السينما ليست مجرد حكاية، إنها طريقة لرؤية العالم”. وهو ما تجسد بوضوح في أفلام جعلت من الطبيعة جزءًا من السرد، ومن الصمت لغة موازية للحوار، ومن الوجوه البشرية أرشيفًا حيًا للتاريخ والذاكرة. وهكذا تحولت الفرجة إلى رحلة في أعماق الإنسان الافريقي، لا إلى مجرد متابعة لأحداث وقصص.
- الوعي بالعلاقة بين المحلي والعالمي
تكشف الدورة السادسة والعشرون لمهرجان السينما الافريقية بخريبكة، عن تطور واضح في اللغة السينمائية التي بات يعتمدها صناع الأفلام الأفارقة. فالأعمال المعروضة لم تعد منشغلة فقط بسرد الوقائع، وإنما أصبحت أكثر اهتمامًا بتجريب الأشكال البصرية والبحث عن أساليب جديدة في بناء الحكاية.
وهنا حضرت الصورة بوصفها أداة للتفكير لا مجرد وسيلة للتمثيل. وكانت حركة الكاميرا، وتوزيع الضوء، وإيقاع المونتاج، عناصر تشارك في إنتاج المعنى بقدر ما تفعل الشخصيات والأحداث. ومن هنا اكتسبت الفرجة بعدًا معرفيًا جعل المشاهد شريكًا في بناء الدلالة.
وكما كشفت العديد من الأفلام عن وعي عميق بالعلاقة بين المحلي والعالمي، كما فيلم التونسي ” صوت هند رجب ” (2025)، للمخرجة كوثر بنهنية عن الرحلة الأخيرة والقصيرة للطفلة الفلسطينية هند رجب بشكل مؤثر وببعد انساني كبير. وتنبع القضايا المطروحة تنبع من الواقع الافريقي، بيع الأرض والأمن الغذائي والاتجار بالأطفال والفقر وهوامش المجتمع لكنها تخاطب الإنسان أينما وجد. ولذلك بدا المهرجان فضاءً للحوار بين الثقافات أكثر منه مجرد مناسبة لعرض الأفلام.
وقد صدقت عبارة المخرج البوركينابي إدريسا ودراوغو حين قال: “كلما كان الفيلم محليًا بعمق، كان أكثر قدرة على الوصول إلى العالم”. فالأعمال التي انطلقت من تفاصيل دقيقة في الحياة الافريقية هي نفسها التي نجحت في إثارة أسئلة إنسانية كبرى حول الحرية والعدالة والحب والخوف والذاكرة.
- اكتشاف الذات الأفريقية بين التعدد والاختلاف
وتبدو الفرجة السينمائية في مهرجان السينما الافريقية بخريبكة في الدورة 26 لسنة (2026)، فعلًا ثقافيًا يتجاوز حدود المتعة البصرية. إنها مناسبة لاكتشاف الذات الأفريقية في تعددها واختلافها، ولإعادة التفكير في التحولات التي تشهدها القارة من خلال قوة الصورة وسحر الحكاية.
لقد التقت في هذه الدورة أصوات متعددة، لكن همومها بدت متقاربة. وهنا يتحدث الجميع عن الإنسان في مواجهة القلق والتهميش والعنف والنسيان. ويبحث الجميع إمكانات جديدة للأمل وسط عالم يتغير بسرعة مذهلة. ولهذا لم تكن الأفلام مجرد أعمال فنية، وإنما شهادات حية على زمن افريقي جديد يتشكل أمام أعيننا.
إن القيمة الحقيقية للمهرجان للسينما الافريقية بخريبكة، لا تكمن فقط في الجوائز أو في عدد الأفلام المشاركة، ولكن في قدرته على خلق فضاء للحوار والتبادل والتفكير. فكل عرض يفتح نقاشًا، وكل نقاش يوسع أفق الفهم، وكل فهم جديد يعيد تشكيل نظرتنا إلى العالم.
وهكذا تؤكد الدورة السادسة والعشرون للمهرجان، أن السينما الافريقية ما تزال تمتلك القدرة على الإدهاش والمساءلة والحلم. إنها سينما تنصت إلى نبض الشعوب، وتمنح المهمشين صوتًا، وتحول الذاكرة إلى صورة، والصورة إلى سؤال مفتوح. ولذلك تظل الفرجة في خريبكة أكثر من موعد سينمائي؛ إنها احتفال متجدد بالإنسان الأفريقي وبحقه في أن يروي قصته بنفسه.






























