من المسؤول عن صناعة الغشاش؟؟؟
قراءة نقدية في مسار السياسة التعليمية بالمغرب بين فشل التنشئة و هيمنة المقاربة الزجرية
الحلقة السابعة من سلسلة وعي و إرتقاء
بقلم الكوتش و المدربة و الأخصائية النفسية: نجاة زين الدين
عندما يصبح الإمتحان محكمة بدل أن يكون فرصة للتقويم :
في كل موسم إمتحانات، يتكرر المشهد نفسه في مختلف المؤسسات التعليمية المغربية: تفتيش دقيق، هواتف محجوزة، محاضر غش، تهديدات بالعقوبات، و تعبئة أمنية و تنظيمية غير مسبوقة…و كأن الدولة تستعد لمواجهة عصابة إجرامية محترفة لا لتأطير آلاف المراهقين الذين قضوا سنوات طويلة داخل مؤسساتها التربوية.
و السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها ضبط الإمتحان يتطلب كل هذه الإجراءات الإستثنائية؟؟؟
و هل المشكلة الحقيقية تكمن في الهاتف الذي يحمله التلميذ داخل قاعة الإمتحان، أم في المسار التربوي الطويل الذي أوصله إلى الإعتقاد بأن الغش خيار مقبول أو ضرورة للبقاء بعدما طبع معه طيلة مسيرته التربوية؟؟؟
إن أخطر ما في الأمر أننا أصبحنا نبحث عن حلول تقنية و قانونية لمشكلة تربوية و أخلاقية عميقة الجذور مع كامل الأسف…
فحين تفشل الأسرة و المدرسة و المجتمع و الدولة في بناء الضمير، يصبح القانون عاجزا عن تعويض هذا الفراغ…
المحور الأول: الغش ليس سببا بل نتيجة حتمية:
كثيرون يعتقدون أن الغش هو أصل المشكلة، في حين أن الحقيقة هو أنه سوى العرض الظاهر لمرض أعمق و مزمن و خطير…
فالتلميذ لا يولد غشاشا، و لا يستيقظ ذات صباح ليقرر فجأة أن يخون قيم النزاهة و الإستحقاق.
بل إن الغش هو النتيجة الطبيعية لمسار طويل من الإختلالات السلوكية الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية…
فحين ينشأ الطفل في بيئة تكافئ المظاهر أكثر من الجهد، و النتائج أكثر من الإستحقاق، فإنه يتعلم تدريجيا أن الغاية تبرر الوسيلة.
و حين يرى المحسوبية و الزبونية و الرشوة و التحايل في محيطه الإجتماعي، فإنه يكتسب دون وعي ثقافة الإلتفاف على القواعد، و حين يسمع الكبار يرددون:
“المهم هو النتيجة” فإنه يتشرب رسالة ضمنية أخطر من آلاف الدروس المدرسية…
إن الغش في الإمتحان ليس سوى النسخة المدرسية من غش مجتمع بأكمله لنفسه و أسفاه…
المحور الثاني: أين أخطأت الأسرة؟
كانت الأسرة المغربية لعقود طويلة هي المدرسة الأولى للقيم و المباديء و الأخلاق…لكن التحولات الإقتصادية و الإجتماعية السريعة أضعفت دورها التربوي، بحيث أصبح الأب غارقا في ضغوط العمل. و أصبحت الأم محاصرة بأعباء الحياة، حين تحملت كل المسؤوليات دون إعتراف…
و بذلك تراجعت جلسات الحوار العائلي، و اختفى التأطير الوجداني و الأخلاقي…و في المقابل، تسلمت الهواتف الذكية و مواقع التواصل الإجتماعي مهمة التنشئة و مأمورية التأثير و التوجيه…فأصبح الطفل يتلقى قيمه من “المؤثرين” أكثر مما يتلقاها من والديه، و من الخوارزميات أكثر مما يتلقاها من الأسرة.
و هكذا إنتقلت السلطة التربوية من البيت إلى الشاشة ثم بالتدريج إلى الهواتف المحمولة…
المحور الثالث: المدرسة التي تحولت من مصنع للإنسان إلى مصنع للنقط دون مستوى حقيقي:
كان الهدف التاريخي للمدرسة هو بناء المواطن بغية بناء الوطن…
أما اليوم فقد أصبحت في كثير من الأحيان منشغلة ببناء المعدلات.
حين تحولت العملية التعليمية إلى سباق محكوم نحو النقطة و إحتلال المرتبة الأولى للمتاجرة بأنبل مهنة قدر لها بإملاءات صندوق النقد الدولي أن تتخصخص. ليتحول بذلك التعلم إلى حفظ دون إستيعاب و لا وعي و لا فهم.. و تحول النجاح إلى رقم في بزنسة مقززة و غريبة و عجيبة…
و هنا أصبحت الأسئلة الكبرى غائبة: كيف نصنع إنسانًا مسؤولا؟
و كيف نربي الضمير؟
و كيف نزرع النزاهة؟
و كيف نبني الشخصية المتزنة المستقيمة؟؟؟
إن أي منظومة تركز على المعرفة الجوفاء و تنسى القيم تشبه ذاك الذي يبني عمارة شاهقة فوق أرض رخوة مهترئة بالرطوبة…
المحور الرابع: الصحة النفسية… الحلقة المفقودة في التعليم المغربي:
لا يمكن فهم ظاهرة الغش دون فهم الحالة النفسية للمراهق المغربي:
فهو يعيش اليوم تحت ضغط هائل:
*)ضغط الأسرة.
*)ضغط الإمتحانات.
*)ضغط البطالة.
*)ضغط المقارنات الإجتماعية.
*)ضغط وسائل التواصل الإجتماعي.
إن آلاف التلاميذ يدخلون قاعات الإمتحان اليوم و هم يحملون مستويات مرتفعة من القلق و الخوف و فقدان الثقة بالنفس و عدم تقدير الذات.
و في هذه الظروف يصبح الغش بالنسبة للبعض آلية دفاع نفسي قبل أن يكون قرارا أخلاقيا لتفعيل الضمير المغيب بإرادة…
و هنا يظهر فشل المدرسة في توفير المواكبة النفسية الحقيقية على غرار الكثير من الدول التي أدركت إلزاميتها.
المحور الخامس: لماذا فشلت المقاربة الزجرية وحدها؟
أكيد أن القانون و الإنضباط ضرورين، كما أن محاربة الغش ضرورة أخلاقية و وطنية لا يختلف عليها إثنان…
لكن التجارب الإنسانية أثبتت أن العقوبات وحدها لا تصنع القيم.
فلو كانت العقوبات كافية لما وجد الفساد في أكثر الدول تشددا.
إن الإنسان لا يصبح نزيها لأنه خائف فقط، بل لأنه مقتنع و ممنع بما يكفي…
فالخوف يمنع المخالفة مؤقتا، لكن القناعة تصنع السلوك الدائم و تضمن ترسخه في ذهن الطفل و الكهل عندما تكون صادقة و حقيقية…
لهذا فإن التركيز المفرط على المراقبة و الزجر يشبه علاج الحمى مع تجاهل المرض الذي يسببها!!!؟؟؟
المحور السادس: مسؤولية الدولة و المجتمع في صناعة المواطن:
إن التربية ليست مسؤولية وزارة التعليم وحدها، بل هي مشـــروع مجــــــــتمــــعي شـــــــامــــل.
فالمدرسة لا تستطيع إصلاح ما تفسده بقية المؤسسات:
إذا كان الإعلام يمجد التفاهة.
و إذا كانت السياسة تقدم نماذج متناقضة بمزاجية مضطربة و بإنتهازية معلنة…
وإذا كانت الثقافة الوطنية المؤكدة على تلازمية الحق والواجب غائبة.
وإذا كانت الفضاءات الشبابية مغلقة أو مفوتة تحت يافطة الخدمات الإجتماعية الملغومة…
فإن المدرسة ستبقى وحدها في مواجهة إعصار أكبر منها و ستكون تلك الشجرة التي تخفي الغابة…
إن صناعة المواطن تبدأ من تكامل الأدوار بين:
*)الأسرة.
*)المدرسة.
*)الإعلام.
*)الجماعات الترابية.
*الجمعيات الثقافية و المدنية الصادقة
*)المؤسسات الدينية.
*)الأحزاب السياسية.
*)الدولة بكل قطاعاتها.
المحور السابع: ماذا نريد أن نعلم أبناءنا؟
إن السؤال الحقيقي ليس:
كيف نمنع الغش؟؟؟ بل:
أي إنسان نريد أن نصنع؟
هل نريد حافظا للمعلومات فقط؟؟؟
أم مواطنا قادرا على التفكير؟؟؟ و متمتعا بحرية النقد و الكرامة؟؟؟
هل نريد مواطنا ناجحا في الإمتحان؟؟؟أم ناجحا في الحياة؟؟؟ هل نريد شهادة؟؟؟
أم شخصية متوازنة و مسؤولة و منضبطة؟؟؟
إن أزمة التعليم في جوهرها ليست أزمة مناهج فقط، بل أزمة رؤية و تخطيط للإنسان الذي نريد بناءه.
المحور الثامن: المرافقة النفسية و التوجيه السلوكي: ضرورة تربوية لا ترف مؤسساتي:
من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها المنظومات التعليمية العربية عموما أنها إختزلت المدرسة في وظيفة نقل المعرفة، و أهملت وظيفة لا تقل أهمية، بل ربما تفوقها أثرا على المدى البعيد، و هي بناء التوازن النفسي و الوجداني و الأخلاقي للطفل و المراهق.
فالطفل لا يدخل المؤسسة التعليمية حاملا حقيبته المدرسية فقط، بل يدخل محملا أيضا بمخاوفه و أسئلته و قلقه و صراعاته الأسرية و تناقضاته الإجتماعية و إضطراباته النفسية. كما أن المراهق لا يحتاج إلى من يشرح له الرياضيات و الفيزياء و اللغات فحسب، بل يحتاج كذلك إلى من يساعده على فهم ذاته، و إدارة إنفعالاته، و بناء ثقته بنفسه، و تحديد أهدافه، و إكتشاف مواطن قوته و ضعفه، و تعلم كيفية إتخاذ القرار و تحمل المسؤولية و الوعي بأن الإستحقاق و الكفاءة أهم من النقطة إن كانت مزورة و مغشوشة…
و من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى جعل الأخصائي النفسي و الكوتش المدرسي عنصرين أساسيين داخل المؤسسة التعليمية، خاصة في المرحلة الراهنة، لا مجرد خدمات ثانوية أو موسمية، بسبب شيوع الانحراف و سهولة الحصول على المخدرات و كثرة المغريات و مشتتات التفكير…
فالأخصائي النفسي لا يقتصر دوره على التدخل عند ظهور المشكلات أو الإضطرابات، بل يمتد إلى الوقاية المبكرة و الكشف عن بوادر التعثر النفسي و السلوكي، لتفادي الكوارث و الصواعق قبل حدوثها… كما أنه في غاية الأهمية عندما يساعد المتعلمين على تجاوز القلق و الخوف و الإحباط وضعف تقدير الذات و العنف و التنمر و الإدمان الرقمي و غيرها من الظواهر التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر في التحصيل الدراسي وفي البناء الشخصي للمتعلمين…
أما الكوتش المدرسي، فإن مهمته تتجاوز الدعم الدراسي التقليدي نحو مرافقة المتعلم في بناء مشروعه الشخصي و الحياتي، و مساعدته على إكتشاف قدراته الحقيقية، و تنمية مهاراته الحياتية، و تعزيز ثقافة الإنضباط الذاتي و المبادرة و المسؤولية و التخطيط للمستقبل بكل ثقة و إتزان…
إن المرافقة النفسية و التربوية المستمرة لا تهدف إلى فرض الأخلاق على المتعلم أو تلقينه القيم بشكل وعظي مباشر، و إنما إلى مساعدته على بناء قناعته الداخلية بها، وتحويلها من أوامر خارجية إلى بوصلة ذاتية توجه سلوكه و إختياراته.
فالقيم التي تفرض بالخوف تزول بزوال الرقيب، أما القيم التي تبنى بالوعي و الفهم و الإقتناع فإنها تتحول إلى جزء من شخصية الإنسان و هويته.
و لذلك فإن المؤسسة التعليمية الحديثة مطالبة بالإنتقال من منطق معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى منطق الوقاية الإستباقية، عبر برامج منتظمة للمواكبة النفسية و التوجيه السلوكي و التربية على الذكاء العاطفي و الوجداني، بما يمكن من إعادة بناء التوازن النفسي للمتعلمين، و تصحيح الإنحرافات السلوكية في بداياتها، و تزويد الأطفال والمراهقين بالبوصلة الأخلاقية والقيمية التي تمكنهم من التمييز بين الصواب و الخطأ، وبين الحرية و المسؤولية، و بين النجاح المشروع و النجاح المبني على التحايل و الغش…
إن الإستثمار في الأخصائي النفسي و الكوتش المدرسي ليس إنفاقا إضافيا أو ثانويا على التعليم، بل هو إستثمار مباشر في الإنسان. فالمدرسة التي تنجح في بناء شخصية متوازنة نفسيا و أخلاقيا، تكون قد نجحت في بناء مواطن صالح، و أسرة سليمة، و مجتمع أكثر إستقرارا و إستقامة…
فإصلاح التعليم لا يبدأ من المقرر الدراسي وحده، و لا من الإمتحان وحده، بل يبدأ من إصلاح الإنسان الذي سيتعامل مع المقرر، وسيجتاز الإمتحان، وسيحمل مستقبل الوطن بين يديه…!!!؟؟؟
إن الأخصائي النفسي و الكوتش المدرسي لا ينبغي أن يكونا مجرد متدخلين عند ظهور الأزمات، بل عضوين دائمين داخل الفريق التربوي للمؤسسة، يشاركان في تتبع المتعلمين منذ السنوات الأولى للتمدرس، لأن تصحيح المسار في سن السادسة أو السابعة أسهل بكثير من محاولة إصلاح إختلالات تراكمت حتى سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة، بإنفجار في سلوك متمرد أو منحرف، فهذه الفلسفة الوقائية هي ما تعتمد عليه العديد من الأنظمة التعليمية الناجحة في العالم كاليابان و الصين و سنغافورة و السويد…
المحور الثامن: حلول عملية لبناء مجتمع قوي و نزيه:
- أولا: إعادة التربية القيمية إلى قلب المدرسة ب:
– تدريس القيم عمليا لا نظريا.
– تشجيع التطوع و الخدمة المجتمعية.
– إدماج التربية الأخلاقية في جميع المواد.
- ثانيا: تأهيل الأسرة من خلال:
– برامج وطنية لتكوين الآباء و الأمهات.
– مراكز للإرشاد الأسري.
– دعم التربية الوالدية الحديثة.
- ثالثا: ثورة في الصحة النفسية المدرسية ب:
– تعيين أخصائيين نفسيين بالمؤسسات.
-الكشف المبكر عن الإضطرابات النفسية.
– مرافقة التلاميذ خلال الإمتحانات.
- رابعا: إصلاح نظام التقويم ب:
– تقليل هيمنة الإمتحان الواحد.
– اعتماد التقويم المستمر.
– التركيز على الكفايات بدل الحفظ.
- خامسا: بناء بيئة إجتماعية داعمة من خلال:
– إنشاء فضاءات ثقافية و رياضية بالأحياء.
– تشجيع القراءة.
– دعم المبادرات الشبابية.
- سادسا: إصلاح الإعلام ب:
– إنتاج محتويات تعزز القيم.
– تقديم نماذج نجاح حقيقية.
– الحد من تسويق التفاهة و الربح السريع.
- سابعا: ربط التعليم بالمواطنة ب:
– إشراك الشباب في الحياة المحلية.
– تعليم المسؤولية المدنية.
– تعزيز ثقافة المشاركة و الإلتزام.
وجوب بناء الضمير قبل بناء القوانين:
إن الأمم لا تبنى بالكاميرات و لا بمحاضر الضبط وحدها.
و لا تبنى بالخوف و العقاب فقط.
إنها تبنى أولا بالضمير و بالقدوة…
كما أن الضمير لا يولد في قاعة الإمتحان، بل يولد في حضن الأسرة، و ينمو في المدرسة، و يتغذى من الثقافة و الإعلام.
لتحميه في الأخير مؤسسات الدولة الديمقراطية و العادلة و المحترمة لكينونة الإنسان…
و عندما ننجح في صناعة هذا الأخير، سنكتشف أن معركة الغش قد حسمت قبل سنوات طويلة من موعد الإمتحان…
فالمجتمعات القوية لا تكتفي بملاحقة المخطئ بعد وقوع الخطأ، بل تنشغل قبل ذلك بصناعة المواطن الذي لا يحتاج أصلا إلى الغش، لأنه تربى على أن كرامته أكبر من أي نقطة، و بأن النزاهة ليست قانونا يخشاه، بل قيمة يعيش بها و يحيا من أجلها.
“إن الأمم لا تنهض حين تتقن مراقبة أبنائها فقط بأجهزة و تكنولوجيا خردة الغرب المتآكلة، بل حين تنجح في تربية ضمائرهم…فالكاميرات تستطيع أن تراقب السلوك و القوانين تستطيع أن تعاقب المخالفة لكن الضمير هو الوحيد القادر على حماية الإنسان عندما يغيب الرقيب…و لذلك فإن مستقبل المغرب لن يبنى داخل قاعات الإمتحان فقط، بل سيبنى أولا داخل الأسرة، و في المدرسة، و في فضاءات الثقافة و التربية و المواطنة، و بالإعلام المسؤول و الملتزم، حيث تتشكل البوصلة الأخلاقية التي توجه الإنسان طوال حياته.



























