الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

وحدة اليسار ضرورة ملحة

 

 

 

 

بقلم ذ. البدالي صافي الدين

 

 

أصبح موضوع وحدة الأحزاب اليسارية في بلادنا يشكل اهتمامًا بالغًا كمشروع مجتمعي ومذهبي في الوسط السياسي، حيث تعددت الأفكار والآراء من حوله، باعتباره أصبح ضرورة ملحة وأساسية في ظل توغل الليبرالية المتوحشة بكل تلوناتها وأدواتها في المشهد السياسي، وتوغل الفساد وهيمنة المفسدين.

وبذلك أصبح مشروع توحيد اليسار قضية مركزية وملحة لإنقاذ المشهد السياسي مما أصبح عليه من بؤس، ومن هيمنة فلول الإقطاع الجديد والاستعمار المتجدد. وإن توحيد اليسار ظل ولا يزال الأمل الوحيد لإنقاذ البلاد من الانهيار الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

ويظل المخرج الوحيد لاستعادة الإشعاع الفكري وتكريس الوعي السياسي وسط المجتمع، وخلق نوع من الموازنة السياسية. ولقد أثبتت التجارب بأن التشرذم الذي يعيشه اليسار في بلادنا ظلت تتغذى به الرجعية بكل أشكالها وأنواعها، وأن التشرذم الحالي، ومن خلاله تشرذم الطبقة العاملة وتعدد النقابات القطاعية التي تقودها فعاليات من اليسار، لا يزيد إلا من إضعاف قوة اليسار، مما يؤدي إلى تراجعه في الاستحقاقات الانتخابية المتعاقبة، الجماعية والتشريعية.

مما يجعل الاندماج، مثل فيدرالية اليسار الديمقراطي والتحالف مع الاشتراكي الموحد على الأقل في هذه الحقبة، مطلبًا وأملًا اجتماعيًا منشودًا.

 

أما المشككون في توحيد الأحزاب اليسارية من داخلها ومن خارجها في بلادنا، انطلاقًا، حسب زعمهم، من اختلافات تنظيمية أو تباين في الخطاب السياسي أو الإيديولوجي، إنما ينتصرون للعدمية وللزعاماتية والتفرقة لصالح تربع الأوليغارشية على كرسي التحكم في مسار الجماهير المغربية، ولأنهم ظلوا رهيني خطابات داخلية لا تدرك معناها الجماهير الشعبية التي تتقاذفها الأدوات الإعلامية المخزنية والأحزاب الرجعية من أجل تدجينها وجعلها طيعة ومطبعة مع واقعها المزري، وغير قادرة على استيعاب المرحلة، رغم ما يعرفه العالم من متغيرات عميقة على مستوى المناخ الفكري والرقمنة والاقتصاد المختلط، أي نظام يجمع بين آليات السوق الحر والرأسمالية وتدخل الدولة في هذا النظام، حيث يُسمح للأفراد والشركات الخاصة بامتلاك وسائل الإنتاج وتحديد الأسعار بناءً على العرض والطلب، بينما تتدخل الدولة في تنظيم الأسواق وتوفير الخدمات العامة (مثل الصحة والتعليم)، وتحقيق العدالة. هذا بالإضافة إلى الرساميل العابرة للقارات.

في خضم هذه المتغيرات، يجب أن نسأل أنفسنا عن مدى قدرة خطابنا على النفاذ إلى عمق المجتمع بجميع مكوناته، وقدرة سلوكنا على الاندماج وسط المجتمع بكل مستوياته الطبقية والفكرية والعقائدية، وخلخلة الثوابت التي تحول دون تطوره والانعتاق من العبودية ومن الفكر الخرافي والشعوذة السياسية.

ولنا مثل في دول أمريكا اللاتينية التي توحدت أحزابها اليسارية وفق أهداف محددة وانطلاقًا من واقع مزرٍ تعيشه شعوب تلك الدول من استبداد واستغلال. وبالرغم من السيطرة المطلقة للأنظمة الديكتاتورية والمدعمة من أمريكا، انتصرت الثورة الساندينية لشعب نيكاراغوا في الثمانينيات وللديمقراطية.

وقد عرفت هذه الدول موجتين تاريخيتين عُرفتا بـ”المد الوردي”، حيث اعتمدت الأحزاب اليسارية في صعودها على استغلال السخط الشعبي تجاه السياسات النيوليبرالية، وتشكيل تحالفات عابرة للطبقات، وتبني برامج براغماتية تتمحور حول العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة دون إلغاء اقتصاد السوق بالكامل.

لقد انتصرت الأحزاب اليسارية في أمريكا الجنوبية من خلال موجات “المد الوردي”، والتي تؤرخ لموجة صعود اليسار الديمقراطي بدءًا من تسعينيات القرن الماضي واستمرت حتى العقد الحالي، وذلك بالاعتماد على ركنين أساسيين:

الركن الأول: ويتجلى في صناديق الاقتراع كبعد استراتيجي يكرس الحق في تقرير مصير الشعب اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا.

أما الركن الثاني: فإنه يتجلى في توحيد الحركات الاجتماعية، وتحديث برامجها الاقتصادية حتى تتناسب مع التطلعات الشعبية.

 

إنه من أسباب وعوامل الانتصار التي حققتها أحزاب اليسار في هذه الدول كنموذج هو :

  • استغلال السخط الشعبي ضد النيوليبرالية،
  • استمرار صعود اليسار باستغلال الفشل الاقتصادي للسياسات اليمين وما ترتب عنها من تخلف وفقر و من تفاقم الفوارق الاجتماعية واتساع رقعة الفقر.
  •  تبني استراتيجية “الجبهات الواسعة”: حيث نجحت الأحزاب اليسارية في تكوين تحالفات عريضة شملت النقابات العمالية و المثقفين و الفنانين وحركات السكان الأصليين، والمنظمات النسوية، والحركات الطلابية، مما مكنها من كتلة ناخبة عريضة و متماسكة و و حاضرة في كل مناسبة انتخابية،
  • التجديد في الخطاب السياسي ليكون أكثر مرونة و التركيز على ترسيخ المؤسسات الديمقراطية، والتداول السلمي للسلطة، مع تقديم ضمانات واعدة و قوية بإعادة توزيع الثروة ودعم العدالة الاجتماعية.

 

إن مشروع توحيد اليسار ليس بهين كما يظن البعض، بل هو مشروع سيظل تحت السيطرة المخزنية عن بُعد من خلال اختراقه على المستوى الفكري والسلوكي حتى لا ينتصر، كما أنه يتعرض إلى الاستقطاب، خاصة وسط أطره الواعدة لتشغيل مناصب عليا.

لذلك فإن المشروع في حاجة إلى إعداد وفق التحولات التي يعرفها المناخ السياسي العالمي في علاقته بالمناخ السياسي الوطني، وتأثير ذلك على المجتمع، واعتماد سياسة تدبير الاختلاف وفق قواعد حل الخلاف عبر التواصل البنّاء والهادف.

كما يحتاج، أي هذا المشروع، إلى المصالحة مع الذات ومع المحيط الشعبي بكل مكوناته الفكرية والثقافية والعقائدية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!