تضامناً مع أسامة بريك
الحلقة الثالثة من سلسلة تغريدة خارج السرب
بقلم ذة: نجاة زين الدين
في زمن إختلطت فيه الأصوات، و تكاثرت فيه الضوضاء، و قلت فيه الكلمات الصادقة التي تنبع من وجع الناس و همومهم، يبرز صوت الشاب أسامة بريك بإعتباره واحدا من النماذج الشابة التي إختارت طريق الجرأة بدل الصمت، و طريق المواجهة الفكرية بدل الإستسلام، و طريق مساءلة الواقع بدل التعايش مع أعطابه… إن التضامن مع أسامة بريك ليس تضامنا مع شخص في حد ذاته، بل هو تضامن مع فكرة نبيلة مفادها أن الشباب المغربي ما زال قادرا على إنتاج أصوات حرة، تحمل هم الوطن، و تدافع عن حق المواطن في الكرامة و العدالة و الشفافية… لقد إستطاع، من خلال حضوره الإعلامي و مضامينه الجادة، أن يفتح نوافذا للنقاش حول قضايا الشأن العام، و أن يسلط الضوء على إختلالات التدبير، و أن يوقظ في النفوس أسئلة مؤجلة طال صمتها… و مهما إختلفت الآراء حول الأسلوب أو الطرح، فإن المواقف الشجاعة التي تواجه الفساد و تحاول جاهدة أن تنتصر للمصلحة العامة تستحق الإشادة و الإحترام و التقدير، لأن الأمم لا تتقدم إلا حين يوجد فيها من يملك جرأة قول الحقيقة و الصدح بها، و من يرفض و يتصدى لتحويل الوطن إلى ضيعة مغلقة أو إمتياز خاص لفئة دون سائر المواطنين…
و من هنا، فإن رسالتي العميقة من خلال هذه الكلمات لا تتوقف عند شخص أسامة بريك، بل تمتد إلى شباب المغرب كافة، إلى أولئك الذين أنهكتهم البطالة، و أرهقهم غلاء المعيشة، و أتعبتهم مشاهد التفاوت الصارخ بين الفرص و الإمكانات، و تناقضات الواقع الشاذ و إلى الذين كاد اليأس أن يقنعهم بأن لا جدوى من المشاركة و لا معنى للإنخراط، ففضلوا الإنزواء في زاوية التخذير المادي و المعنوي، الأفقي و العمودي…
إن الشباب المغربي مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن يستعيد ثقته في نفسه، و أن يدرك أن التغيير لا تصنعه الشكوى وحدها، و لا يتحقق بالإنسحاب من الشأن العام، بل يبنى بالوعي، و التنظيم، و المعرفة، و المبادرة، و العمل الجماعي المسؤول و الهادف…فليحدو شبابنا حدو كل صوت غيور على الوطن، و ليجعلوا من وسائل التواصل الإجتماعي و كل وسائل و منابر العصرةوسائلا للتثقيف لا للتفاهة، و للتعبئة لا للتخدير، و لإنتاج الحلول لا لتكرار الأعذار لتستمر مآسي الوطن و معاناة المواطنين…
إن الوطن الذي نحبه حتى النخاع لا يحتاج من أبنائه مجرد العاطفة، بل يحتاج عقولا تفكر، و سواعدا تعمل، و ضمائرا ترفض الفساد علنا و بالحوار الراقي و الحضاري، و ألسنة تنطق بالحق، و شبابا يؤمن أن له مكانا في صناعة المستقبل لا في مقاعد المتفرجين…
لقد آن الأوان لأن يتحول الغضب المشروع إلى وعي منظم، و أن تتحول الحرقة الداخلية إلى مشروع إصلاح شامل و واع، و أن يتحول الإحباط إلى طاقة إقتراح و بناء…
أما الآليات العملية للتأثير في شباب البلاد و تحفيزهم على تحمل مسؤولياتهم، فإنها تبدأ أولا بإحياء ثقافة النقاش العمومي الراقي داخل المدارس و الجامعات و الأحياء و فضاءات التواصل، حتى يتعلم الجيل الجديد كيف يختلف بإحترام، و كيف يحاور بالحجة، و كيف يطالب بالحقوق المقرونة بالواجبات…
و تتمثل الثانية: في دعم الإعلام الجاد و المحتوى الهادف، و تشجيع النماذج الشابة التي تقدم خطابا واعيا و تشريحيا و مسؤولا، بدل ترك الساحة لمن يروج للعبث و السطحية…
و تتمثل الثالثة: في الإنخراط المدني الحقيقي داخل جمعيات الأحياء و المبادرات المحلية و النقابات و الهيئات الطلابية و المجالس المنتخبة و الأحزاب السياسية التي إنشغلت بصراعاتها الداخلية و تخلت عن مهمتها في تعبئة شباب البلاد دون تمييز لأن الحزب السياسي ليس ملكا خاصا لأمينه أو لأبناء مناضليه القدماء فقط، بل هو واجهة نضالية لتوجيه و تعبئة و تأطير كل شباب البلاد، لأن التغيير لا يولد من الفراغ، بل من المؤسسات و من الفعل المنظم و المؤطر…
لماذا وجب التحرك الآن بالضبط؟؟؟
لأن اللحظة دقيقة، و التحديات متراكمة، و التحولات الإقتصادية و الإجتماعية تضغط بقوة على الفئات الواسعة، و العالم يشهد إعادة تشكيل للموازين و للمصالح و النفوذ، و لا مكان فيه للشعوب النائمة و لا للأمم المتفرجة و لا لمعيار الأنانية هنا… إن تأخر الوعي اليوم قد يصبح كلفة باهظة غدا، و إن الصمت أمام الإختلالات يساهم في شيوعها، و إن غياب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يضعف الثقة و يعمق الإحباط…لذلك، فهذه الصرخة حق و شهادة للتعقل: فيا شباب المغرب، إستجمعوا عدتكم الفكرية و الأخلاقية، و إفتحوا نقاشا حضاريا راقيا مع أصحاب القرار، و أدخلوا معركة البناء بالعلم و القانون و التنظيم، لعل الغافلين يستفيقون، و لعل الوطن يجد فيكم الجيل الذي يرد له إعتباره، و يصون كرامة أبنائه، و يجعله وطنا للجميع لا حكرا على أحد…و لا ملكا خاصا لأي كان…
*حرية/ كرامة/عدالة إجتماعية*



























