عندما نختلف برقي و نحترم إختلافنــــا… بعيدا عن تحويله إلى بؤرة خلاف عليلة…
الحلقة الثانية من سلسلة تغريدة خارج السرب
بقلم ذة نجاة زين الدين
في عالـــم تتـنازعــه الأصوات العـاليـــة و تتصارع فيه القناعات المزاجية، كأنــــهــا حقائق مطلـقــــــة، نحـــــتاج أكـــثر من أي وقت مضــى إلى أن نتعلم فنا راقـــيا إسمه: إحـــتـــــــرام الإخــتــــــلاف دون تحويـــــــله إلى بؤرة خــــــــــــــــــلاف مجـــــــانــيــــة…
فالإختلاف ليس عيبا يـــــدان، و لا إنحرافا يقـــوم، بل هو سنــــة كونية، و ثراء فكــري، و مجــال رحـــــــــب لإكتشاف ذواتنا قبل أن نحــــــاكم ذوات الأغيار… إن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن نختلف، بل في أن نحول هذا الإختلاف إلى ساحة للصـــراع الخطــأ: نقصــي فيها الآخر، و نصادر حـقه في أن يرى العــــالـم بعيــن غيـر أعيننا…و من زاويـــة غيــر تلك التي حـــــــددنا بــهــا حكمـــــنــا…
فمن تهيـــأ له إمتلاك مطـــلق و شــمـــولية الحقائق؟؟؟ فهــــــو واهـــــــم…ثم من ذا الذي بلغ الكمال حتى يصنــف البشــــر إلى صــواب مطــلق أو خطــأ مصـــنف؟؟؟ إنـــــها أوهـــــــــــام الغلـــــو و التعــالــي الزائـــــف، حين يظن الإنـــــســـــان أن ما يؤمـــــن بـــه هـــو الحقـــيقـــة النهــائية، و ما سواه باطــــل لا يــــــحــــــتــمــل…
و الحـــال أن كل مــا نؤمن به نسبي، و كل ما ندافع عنه نســبي، و كل ما نعرفـــــــــه نســبـــــــــــــي… لأن عقولنا محـــدودة، و تجاربنـــا قـــاصرة، و زوايـــانا في النظر لا تحيط بكل الأبعــاد… و ما نراه اليــــوم يقينـــا، قد نكتشف غدا أنه لم يكن سوى إحتـــمــــال قــوي لا غـــيـــــــر…
لذلك، فحين نتحدث عن القنـــاعــــــات و المعتــــقـــــــــدات و التوكيــــــدات، فإنــه لا يجب أن نتحــدث عنها من بـــــــرج عاجـــــــي أو أن يستشعر أي كان مــن أي مــوقــــــع كان بجغرافية هذا الكون الفسيح أنه أستفز لا لشيء سوى لأن الأخر عبر عن رفضه لتعميم حـــكم قيــمة عن قضاياه المقـــدسة فذلك يبقى حقه، نعم حقه و ليس لأي كان حق توجيه بوصلة إهتماماته الحياتية و لا تحـــديد سيـــاق قناعاته…يبقى من حقه رفض الإنصياع لأي توجيه يرتب أولويات مقدساته: و أنا شخصيا أرفض مقايضة القــــضية الفلسطيـــنية و كل قضايا التحرر العالمية، الرافضة للإحتلال و للإستبداد الإمبريالي المتغطرس الذي لم يعد يحــترم أية حدود لا قوانيـن دوليـــة و لا شرعــــــيـــــة سيــــادية…تغـــول و عاث في بلاد الله فسادا…جوع البشرية، هجر قسرا الكثير من مواطني العديد من الدول من ديارهم( فلسطين، اليمن، سوريا، العراق، لبنان…)، أباد الإنسان أينما حل و إرتحل، خرب، دمــر، طـــغى طغيانا متجبرا… فكيف لنا في ظل كل هذا أن نعتبر الأمر مجرد صراع أزلي و طبيعــي بين الخير و الشر…؟؟؟كيف لنا أن نستأنس بحــجــم هذا الخراب و الدمار و نكتفي بمقـــاطــعة المنتوجات الإسرائلية و الغربية الداعمة له فقط؟؟؟
بل يجب علــينــا أن نعيـــش فـــوق هذه الأرض المشـــــتركة حياة كريمة عنوانها: التواضــع الفــكري… فلا مـكان فيـــها للإنبطــاح، نعم…لا مكانة له بيننا…كما لا مكان فيها أيـــضا للغطرسـة…. فالثبات على المبدأ لا يعني إحتـــــــــــقــــــار للمختلف، و الدفــاع عن الفــكرة لا يعني إغتيالا لإنسانــــيــــة صاحب الفــــكــــرة الأخــــــرى أيضا…
إن أعـــــظـــــــم ما يمكن أن نحمله في هذا الزمن الأغـبـــر المضــطـــرب، هــو أن نجــعـــــل الإنسانيـــة معتقدا لا شعارا؛ و أن نجعل الحق سلاحا، لا وسيلة قمــــــــــع أو تسلــــط… أن نقـــف مواقفـــنا بشـــرف، و أن نقول كلمتــــــــنا بصـــــــدق، دون أن نفقـد قدرتــنــا على الإصـــغاء، أو نخسر إنسانيتنا في معارك الــــرأي…فقط بسبب الإخــــــــتـــــــلاف
أنا أقــــــاوم… نعــم أقاوم…لكنني أقاوم الجهل لا الإنســـــان
أقاوم الظلــــــــم لا المخـــــتــــــــلف…
أقاوم التعصـــب لا التـــــنــــــوع…أقــاوم الإستـــــبـــــداد لا المـــــبـــــــــادرة و الإستــــعـــــــداد…
أنا لن أستســـلم… لأن الإستــــــســــــــلام خيــــــــانة للوعــــــي، نعم خيانة كبيرة لهذا الوعي الذي نسعى الى تجديده و تفعيله و تأكيــــده في كل ثانية نحـــيـــاها بنقاشاتنا الجادة و الهادفة و البناءة….
و لن أســـــاوم… لأن المساومة على الحق إنكـــســـــــــــــــار
و في ظل كل ذلك، سأظـل إنســـانـــة…
ترى في الإختـــــلاف مساحـــة للنـمـــــــو،
لا سببا للعــــداء…و لا منصة لإعـــلان الولاء الخطأ أو لمجرد الإصطفاف، و سببا رئيســـــيا وراء إستبــــداد كـــل هذا الــبــــــلاء و تجار الحروب و مصادرة الحياة في ســـوق البشـــرية الحمقاء، حيث أستبيح بيع كل شيء من عرض الصغير و دمه و لحمه و عظمه إلى شرف الكبير و صوته و علمه و رأيـــه….
فيأيها الإنسان أينما كنت أمن بذاتك و ثق في نفسك و من بمؤهلاتك و إجتهد و تحمل مسؤولياتك أينما وجدت و إعلم أن الحياة حــق و واجــب و لا يحق لأي كان المطالبة بالأول دون تفعيل الثــاني بضــــميــــــــر و صــــــدق و نبل و مصداقية…و إياك ثم إياك أن تتربع على عرش الأنانية، فأنت خلقت في مجتــمع الإنسانية لتعـــيــش حيــــــاة إجتماعية بأثـــر و بصـــمـــــة مجســـدة بتفــعيـــل مراقبك الذاتي و بفلترة ما تتلقاه من الصدمات الخارجيــة برفض الإدعان لها، قـــاوم ثم قـــاوم ثم قـــاوم، و أرفع صوتك بالحق و لا تخف إلا من رب الأرباب و مسبـــب الأســـباب… فأنــت لم تستخلف فــوق هــــــــــــذه الأرض عــــبــــــــــثـــــــــا…
و كل ذلك لتنتصـــر الإنسانية فينا و لنا لا علينا…



























