العدوان على إيران: حين تصطدم قوة الإمبراطوريات بإرادة الشعوب
بقلم محمد الغفري- المغرب
ليست الحروب دائماً مجرد معارك صواريخ وطائرات. فالحرب الدائرة اليوم ضد إيران تطرح سؤالاً أعمق بكثير من عدد المواقع التي ضُربت أو القواعد التي استُهدفت. السؤال الحقيقي هو: من سينجح في فرض تعريفه للنصر؟
من منظور واشنطن وتل أبيب، يُعرَّف النصر على أنه إخضاع إيران وكسر قدرتها على امتلاك عناصر القوة الاستراتيجية، سواء تعلق الأمر ببرنامجها النووي أو بقدراتها الصاروخية أو بعلاقاتها الإقليمية. إنه تعريف للنصر يقوم على منطق الهيمنة: إضعاف دولة مستقلة لأنها ترفض الانخراط في النظام الإقليمي الذي صاغته القوة العسكرية الأميركية منذ عقود.
لكن هذا التعريف يصطدم بحقيقة تاريخية بسيطة: الشعوب لا تُهزم بسهولة عندما تتحول المعركة إلى معركة سيادة وكرامة وطنية.
إيران، التي توضع اليوم في مرمى العدوان الأميركي-الصهيوني، لا تواجه مجرد حملة عسكرية محدودة، بل مشروعاً سياسياً يسعى منذ سنوات إلى تغيير موازين القوى في المنطقة عبر إسقاط كل قوة إقليمية ترفض الخضوع. لذلك فإن الهدف الحقيقي للحرب ليس فقط ضرب منشآت أو قواعد، بل محاولة فرض نموذج سياسي جديد في الشرق الأوسط قائم على الإخضاع والتبعية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقدّم المواجهة باعتبارها دليلاً على نجاح سياسة “القوة تفرض السلام”. غير أن هذه العبارة، التي تبدو جذابة في الخطاب السياسي الترامبي ، تخفي حقيقة مختلفة تماماً: ما يجري ليس سعياً إلى السلام، بل محاولة لإعادة إنتاج نظام دولي قائم على القوة المجردة، حيث تقرر واشنطن من يملك الحق في امتلاك التكنولوجيا أو الدفاع عن نفسه.
ومع ذلك، تكشف تطورات المواجهة أن هذا المشروع يواجه عقبات واضحة. فإيران، رغم الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية والحرب الإعلامية، ما تزال دولة متماسكة سياسياً ومؤسساتياً، وقادرة على إدارة المواجهة دون أن تنهار بنيتها الداخلية. بل إن كثيراً من التقديرات الغربية نفسها تعترف بأن إسقاط النظام في طهران ليس سيناريو واقعياً بسهولة، لأن الدولة الإيرانية تمتلك شبكة معقدة من المؤسسات السياسية والأمنية والدينية التي تجعلها أكثر صلابة مما يتخيله صناع القرار في واشنطن.
لكن المسألة لا تتعلق بإيران وحدها. فهذه المواجهة تكشف أيضاً أزمة أعمق في النظام الدولي. إذ لم يعد الصراع مجرد خلاف إقليمي، بل جزء من صراع عالمي على موازين القوة، حيث تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على هيمنتها في مواجهة صعود قوى دولية أخرى مثل الصين ، وعلى رأس الملفات الاستراتيجية: طرق الطاقة والنفوذ الجيوسياسي في الخليج.
غير أن المفارقة الكبرى أن الحرب قد تتحول إلى سلاح يرتد على من أشعلها. فارتفاع أسعار النفط واضطراب تدفق الطاقة عبر مضيق هرمز يضع الاقتصاد العالمي أمام ضغوط متزايدة، ويهدد بخلق أزمة سياسية داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث يتزايد القلق الشعبي من حروب مكلفة بلا أفق واضح.
وفي الداخل الأميركي، بدأت مؤشرات التململ تظهر بوضوح. فجزء كبير من الرأي العام الأميركي بات يتساءل عن جدوى الحروب البعيدة التي تُخاض باسم الأمن القومي بينما يدفع المواطن الأميركي ثمنها في شكل تضخم اقتصادي وارتفاع في أسعار الطاقة.
لهذا السبب، فإن الرهان الحقيقي لواشنطن ليس فقط تحقيق إنجاز عسكري سريع، بل القدرة على تسويق “نصر سياسي” قبل أن يبدأ الزمن بالعمل ضدها. أما إذا استمرت الحرب دون أن تنكسر إيران، فإن الرواية التي ستفرض نفسها لن تكون رواية الهيمنة، بل رواية الصمود. صمود بطولي ل ايران و محور المقاومة .
وهنا يكمن جوهر المعركة. فالنصر، في مثل هذه الحروب، لا يُقاس دائماً بحجم الدمار الذي يُلحقه الأقوياء بخصومهم، بل بقدرة الشعوب على إفشال مشاريع الإخضاع والحفاظ على استقلالها السياسي.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد صراع بين دول، بل اختبار لإرادة الشعوب في مواجهة منطق القوة الذي حكم النظام الدولي لعقود. وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن الإمبراطوريات قد تربح معارك كثيرة، لكنها كثيراً ما تخسر الحروب عندما تعجز عن كسر إرادة الشعوب.
وفي هذه اللحظة المفصلية، تبدو الحقيقة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى:
قد تستطيع القوة العسكرية أن تدمر مدناً، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تهزم فكرة المقاومة أو إرادة الاستقلال.
من منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان، فإن أي هجوم عسكري يستهدف دولة ذات سيادة خارج إطار الدفاع الشرعي المحدد في ميثاق الأمم المتحدة
، أو دون تفويض صريح من ، مجلس الامن الدولي
يثير إشكالات قانونية خطيرة تتعلق بحظر استعمال القوة في العلاقات الدولية. كما أن استهداف البنيات التحتية المدنية أو تعريض السكان المدنيين للخطر يتعارض مع قواعد قانون الدولي الانساني و مبادئ التمييز و التناسب التي تشكل أساس اتفاقية جنيف فإن ما يجري لا ينبغي أن يُناقش فقط بمنطق موازين القوة، بل أيضاً بمنطق الشرعية الدولية وحقوق الشعوب في السيادة والأمن وعدم التعرض للعدوان.
الرباط في 12 مارس 2026
محمد الغفري
*منسق الشبكة الديمقراطية المغربية للتضامن مع الشعوب
*المنسق السابق للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع
*عضو سكرتارية التنسيقية الشعبية العربية لمناهضة التطبيع
*عضو اللجنة المركزية للحملة الأكاديمية الدولية لمناهضة الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي (IACA)



























