تحولات النظام الليبرالي في سياق التعددية القطبية
دراسة إبستمولوجية في أطروحة “أفول الغرب” ومقارنة بنيوية مع النموذج الصيني
بقلم محمد السميري ـ المغرب
مقدمة
تُعدّ أطروحة “أفول الغرب” واحدة من أكثر السرديات تداولًا في النقاشات الفكرية والسياسية المعاصرة، حيث تُقدَّم التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة بوصفها علامات على نهاية دورة حضارية كاملة. غير أن هذه المقاربة، رغم جاذبيتها التفسيرية، تثير إشكالًا إبستمولوجيًا عميقًا يتمثل في افتراضها وجود منطق حتمي مغلق يحكم مسار الحضارات. فهل يشهد العالم بالفعل انحدارًا حضاريًا غربيًا؟ أم أننا أمام إعادة توزيع بنيوي للقوة داخل النظام الدولي، مقرونة بأزمة داخلية في النموذج النيوليبرالي، دون أن يعني ذلك نهاية حضارة؟
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن ما يُوصَف بالأفول ليس انهيارًا حضاريًا، بل انتقالًا من هيمنة أحادية إلى تعددية قطبية، مع تعرّض النموذج الليبرالي الغربي لاختبار بنيوي عميق، خاصة في بعده الاقتصادي والاجتماعي.
أولًا: نقد الحتمية التاريخية وأزمة مفهوم “الأفول”
يرتبط تصور الأفول بنموذج دوري للتاريخ كما صاغه المؤرخ الألماني أوزفالد شبنغلر (1880–1936)، الذي رأى في كتابه تدهور الغرب أن الحضارات تمر بمراحل بيولوجية حتمية تنتهي بالانحلال.¹ هذا التصور يفترض أن الغرب بلغ مرحلة الشيخوخة التاريخية، وأن مساره يتجه نحو الانهيار كما انهارت روما من قبل.
غير أن هذا الفهم البيولوجي للتاريخ تعرّض لنقد حاد من الفيلسوف كارل بوبر (1902–1994)، الذي اعتبر في بؤس التاريخانية أن الادعاء بوجود قوانين حتمية تحكم التاريخ يُعدّ مغالطة منهجية، لأن تطور المعرفة والتكنولوجيا يغيّر شروط الفعل الإنساني، مما يجعل المستقبل مفتوحًا وغير قابل للتنبؤ العلمي الصارم.²
بناءً عليه، فإن خطاب الأفول يعاني من خلل إبستمولوجي، لأنه يحوّل مؤشرات ظرفية إلى مسار حتمي نهائي، ويختزل تعقيد التحولات البنيوية في سردية انحدارية مغلقة.
ثانيًا: التحول في ميزان القوى العالمي بالأرقام
تشير بيانات صندوق النقد الدولي لعامي 2023–2024 إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمثل قرابة 25% من الناتج العالمي الاسمي، بينما يشكل الاتحاد الأوروبي حوالي 17%، في حين ارتفعت حصة الصين إلى نحو 18% اسميًا، وأكثر من 30% عند احتساب الناتج وفق تعادل القوة الشرائية.³ هذه الأرقام تكشف عن انتقال نسبي في الثقل الاقتصادي، لكنها لا تعكس انهيارًا غربيًا.
على مستوى الابتكار، تُظهر تقارير المنظمة العالمية للملكية الفكرية لعام 2023 أن سبعًا من أصل عشر جامعات رائدة عالميًا تقع في الولايات المتحدة، وأن شركات التكنولوجيا الكبرى في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ما تزال أمريكية في غالبيتها.⁴ كما يحتفظ الدولار بنسبة تقارب 58% من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، وهو ما يدل على استمرار الهيمنة المالية الغربية.
غير أن الصين حققت تقدمًا ملحوظًا في الصناعات الاستراتيجية، إذ تمثل اليوم أكثر من 28% من الإنتاج الصناعي العالمي، مقارنة بحوالي 16% للولايات المتحدة.⁵ كما أصبحت الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة.
إن هذه المعطيات تشير إلى إعادة توازن بنيوي، لا إلى انقراض حضاري.
ثالثًا: أزمة النيوليبرالية في الغرب
لفهم التحولات الراهنة، لا بد من تحليل البنية الاقتصادية للنظام الليبرالي منذ صعود النيوليبرالية في سبعينيات القرن العشرين. فقد تبنّت الدول الغربية سياسات تحرير الأسواق، وتقليص دور الدولة، وتعظيم القطاع المالي، مما أدى إلى نمو اقتصادي متسارع في بعض الفترات، لكنه ترافق مع تصاعد حاد في اللامساواة.
يوضح المفكر والجغرافي الماركسي البريطاني الأصل ديفيد هارفي الذي مارس جزءًا كبيرًا من مسيرته الأكاديمية في الولايات المتحدة
(مواليد 1935) في كتابه تاريخ موجز للنيوليبرالية أن هذه السياسات أعادت توزيع الثروة لصالح النخب المالية، وأضعفت البنية الاجتماعية للدولة الرفاهية.⁶ ويبيّن الفرنسي توماس بيكيتي (متخصص في اقتصاد اللامساواة) (مواليد 1971) في رأس المال في القرن الحادي والعشرين أن معدل عائد رأس المال في الاقتصادات الغربية تجاوز معدل النمو الاقتصادي لعقود، مما أدى إلى تركز الثروة في يد أقل من 1% من السكان.⁷
تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الفجوة بين أعلى 10% وأدنى 10% من حيث الدخل تضاعفت تقريبًا منذ ثمانينيات القرن الماضي في عدد من الدول الغربية.⁸ هذا الخلل البنيوي ساهم في صعود الشعبوية وتآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية.
إذن، الأزمة ليست حضارية بالمعنى الشامل، بل أزمة نموذج اقتصادي داخل النظام الليبرالي نفسه.
رابعًا: الرأسمالية الغربية والرأسمالية الدولتية الصينية — مقارنة بنيوية
يتميز النموذج الرأسمالي الغربي، خاصة في نسخته النيوليبرالية، بسيادة السوق الحرة، واستقلالية نسبية للمؤسسات الاقتصادية عن الدولة، وهيمنة القطاع المالي، وارتباط شرعية النظام السياسي بآليات التمثيل الديمقراطي والتعددية الحزبية.
في المقابل، تطور في الصين نموذج يمكن وصفه بـ”الرأسمالية الدولتية” أو “الرأسمالية ذات التوجيه الحزبي”، حيث يجمع بين اقتصاد السوق والانفتاح على الاستثمار الأجنبي من جهة، وسيطرة الدولة والحزب الحاكم على القطاعات الاستراتيجية من جهة أخرى. تحتفظ الدولة الصينية بملكية أو سيطرة مباشرة على البنوك الكبرى وقطاعات الطاقة والاتصالات والبنية التحتية، كما توجه الاستثمارات عبر خطط خمسية طويلة المدى.
بلغ معدل النمو الاقتصادي في الصين خلال العقود الثلاثة الماضية متوسطًا يقارب 9% سنويًا، مما مكّنها من انتشال مئات الملايين من الفقر، وفق بيانات البنك الدولي. غير أن النمو تباطأ إلى نحو 5% في السنوات الأخيرة، مع تصاعد أزمات المديونية في قطاع العقارات.⁹
على مستوى القوة، يتميز النموذج الصيني بقدرة عالية على التخطيط المركزي وتوجيه الموارد بسرعة نحو القطاعات الاستراتيجية، كما ظهر في مشاريع البنية التحتية والذكاء الاصطناعي. غير أن هذا النموذج يعاني من نقاط ضعف بنيوية، أبرزها محدودية الحريات السياسية، وضعف الشفافية، والاعتماد الكبير على التصدير، إضافة إلى أزمة ديموغرافية متفاقمة حيث انخفض معدل الخصوبة إلى نحو 1.2 طفل لكل امرأة.
أما النموذج الغربي، فرغم أزماته الاجتماعية، يتمتع بمرونة مؤسساتية أعلى، وببيئة ابتكار أكثر انفتاحًا، وبقدرة على تصحيح المسار عبر التداول الديمقراطي للسلطة.
وعليه، فإن الصراع بين النموذجين ليس صراع حضارات، بل تنافس بين نمطين مختلفين في إدارة الرأسمالية داخل النظام العالمي نفسه.
خامسًا: إعادة التوازن بدل الأفول
إن القراءة التركيبية للمعطيات الاقتصادية والديموغرافية والمؤسساتية تكشف أن النظام الدولي يشهد انتقالًا من هيمنة غربية شبه مطلقة إلى توازن متعدد الأقطاب، تتقاسم فيه القوة الاقتصادية والتكنولوجية عدة مراكز. غير أن هذا التحول لا يستند إلى قانون حتمي للأفول، بل إلى ديناميات تاريخية مفتوحة.
الأزمة الحقيقية التي تواجه الغرب تكمن في إعادة بناء عقده الاجتماعي، وتصحيح اختلالات النيوليبرالية، واستعادة الثقة في مؤسساته الديمقراطية. أما الصين، فهي تواجه تحديات تتعلق بالشفافية والشيخوخة السكانية وقيود الابتكار السياسي.
بالتالي، فإن أطروحة الأفول تغفل التعقيد البنيوي، وتستبدل التحليل المقارن بسردية انحدارية مريحة.
خاتمة
يتبيّن من مجمل التحليل الفلسفي والإحصائي المقارن أن أطروحة “أفول الغرب” لا تصمد أمام الفحص الإبستمولوجي الصارم ولا أمام القراءة الكمية للمعطيات البنيوية. فالخطاب الانهياري يقوم على افتراض حتمية تاريخية مغلقة، مستلهمة من تصورات دورية للحضارات، بينما تكشف الوقائع الاقتصادية والمؤسساتية عن دينامية انتقال نسبي في ميزان القوى داخل النظام الدولي، لا عن انقراض حضاري شامل. إن استمرار الوزن الاقتصادي للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وهيمنة الدولار على الاحتياطات العالمية، ومركزية المؤسسات العلمية والتكنولوجية الغربية، كلها مؤشرات تُضعف فرضية السقوط الكلي، حتى وإن أكدت وجود تراجع نسبي في موقع الاحتكار.
في المقابل، يوضح صعود الصين أن ما نشهده هو إعادة توزيع للقوة في إطار الرأسمالية العالمية ذاتها، لا خروجًا عنها. فالنموذج الصيني، رغم خصوصيته السياسية وتكثيفه لدور الدولة، يظل متموضعًا داخل منطق السوق العالمي، ويواجه بدوره اختلالات ديموغرافية ومالية وهيكلية. وعليه، فإن التنافس القائم لا يمكن تأويله بوصفه صراع حضارات، بل باعتباره تنافسًا بين أنماط مختلفة في إدارة الرأسمالية وتنظيم العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع.
أما الأزمة الأكثر عمقًا، فتتجلى داخل النظام الليبرالي نفسه، لا في أطرافه الخارجية. إن تفاقم اللامساواة، وتآكل الطبقة الوسطى، وصعود الشعبويات، كلها أعراض لا تشير إلى نهاية حضارة، بل إلى حدود نموذج نيوليبرالي بلغ درجة من التشبع تتطلب إعادة مراجعة للعقد الاجتماعي. وهنا تتحدد الإشكالية المركزية: قدرة الليبرالية على تجديد ذاتها من الداخل، وإعادة التوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وبين منطق السوق وشرعية الدولة الديمقراطية.
إن القراءة التركيبية التي تجمع بين النقد الفلسفي والتحليل الرقمي تقود إلى نتيجة واضحة: لا يوجد قانون تاريخي يحكم بسقوط الغرب، بل توجد تحولات بنيوية مفتوحة الاحتمالات. التاريخ، كما بيّن النقد الإبستمولوجي الحديث، ليس مسارًا عضويًا ينتهي بالموت، بل مجالًا للصراع والتكيّف وإعادة البناء. ومن ثمّ، فإن الحديث عن “أفول” يبدو أقرب إلى استعارة خطابية منه إلى تشخيص علمي.
وبذلك، فإن اللحظة الراهنة لا تمثل نهاية حضارة، بل مفترق طرق تاريخيًا يختبر قدرة النماذج السياسية والاقتصادية على التكيّف في عالم متعدد الأقطاب. والنتيجة النهائية ليست مقررة سلفًا؛ إنها رهينة بالسياسات، وبالخيارات الجماعية، وبمدى استعداد المجتمعات لإعادة صياغة شروط توازنها الداخلي في سياق عالمي متحوّل.
الهوامش
1. أوزفالد شبنغلر، تدهور الغرب، ترجمة فؤاد كامل (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998).
2. كارل بوبر، بؤس التاريخانية، ترجمة عبد الحميد صبرة (القاهرة: دار التنوير، 1982).
3. صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي، تقرير 2023–2024.
4. المنظمة العالمية للملكية الفكرية، مؤشر الابتكار العالمي 2023.
5. البنك الدولي، بيانات الإنتاج الصناعي العالمي، 2023.
6. ديفيد هارفي، تاريخ موجز للنيوليبرالية، ترجمة فالح عبد الجبار (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007).
7. توماس بيكيتي، رأس المال في القرن الحادي والعشرين، ترجمة دار التنوير (بيروت، 2016).
8. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تقارير توزيع الدخل، 2022.
9. البنك الدولي، بيانات النمو الاقتصادي الصيني،



























