الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

تطور مفهوم الخيانة

من وجهة نظر إلى واجب وطني مقدس 

 

 

 

عبد المولى المروري – كندا

 

 

في الحقيقة خيانة اليوم تختلف كثيرا عن خيانة الأمس، فبالأمس كان الخونة يستترون ويتحرجون، ويخجلون، ويتخفون حتى لا ينكشفوا أو ينفضح أمرهم.. فيصبحوا موضوع تهكم وسخرية من طرف الجميع .. وأخص بالذكر هنا خونة القضية الفلسطينية.. فقد كانت بالأمس القريب تعد عند الرأي العام أقذر الخيانات وأدنسها وأفظعها وأخطرها ..

 

 

اليوم بظهور حكام جدد، وزعماء جدد، ومثقفون جدد، وإعلاميون جدد، وسياسيون جدد، أخذت الخيانة معنى آخر، ومفهوما جديدا، حيث أضحت أخطر من كونها وجهة نظر على حد تعبير الشهيد ناجي العلي.. فقد كان هذا الأخير ثاقب النظر حد التشاؤم في وصفها ذاك، وقد صدقت نبوءته المتشائمة..

 

 

خيانة اليوم للقضية الفلسطينية، ولأهل غزة، لا تكتمل في معناها ودلالتها إلا بعد أن امتزاجها بالوقاحة في أقذر أشكالها.. هذا النوع من الخيانة هو الذي يجتهد الحكام العرب في التعبير عنه في كل المناسبات.. خيانة بمنتهى الوقاحة.. وبدون هذا التمازج لن يكتب التاريخ عنها بمداد الدم الفلسطيني المحشو في قلم الذل والخزي النظام العربي.. وتخطه أصابع الحكام العرب المرتعشة بسبب رعبهم من الكيان الغاصب، أو تحالفهم معه، أو وجود مصالح مشتركة بينهم لا يعلمها إلا هم..

 

 

خيانة اليوم طورت مفهومها، وتجاوزت المعنى الذي تنبأ به ناجي العلي، لم تعد وجهة نظر فحسب، بل ارتقت خيانة اليوم إلى مرتبة الواجب الوطني عند بعض الأنظمة العربية.. وكل من اعترض عن ذلك أو رفضه أو احتج عليه يعتبر في نظر هذه الأنظمة خائنا وضد مصالح وطنه، ومتعاونا مع قوى خارجية معادية..

 

 

هذا هو المفهوم الجديد للخيانة: لقد أصبحت واجبا وطنيا مقدسا، وعلى الشعب أن ينصاع إلى المفهوم الجديد تحت طائلة التشكيك في وطنية من أراد إرجاع الأمور إلى أصلها وطبيعتها..

 

 

لذلك أصبحت تنظم لهذه الخيانة بكل وقاحة، وبهذا المعنى الاحتفالات الرسمية، واللقاءات العامة، وندوات ومقابلات إعلامية واسعة احتفاء بها على أساس أنها واجب وطني مقدس، ومبادرات شجاعة تعبر عن الرؤية السديدة والتفوق الدبلوماسي والنجاح السياسي على المستوى الدولي..

 

 

ففي الوقت الذي كان خونة القضية الفلسطينية يمارسون خيانتهم في جنح الظلام، وخلف الستائر وتحت الموائد، وفي الوقت الذي كان الممانعون للتطبيع والمقاومون للاحتلال يرفعون رؤوسهم اعتزازا بمواقفهم وافتخارا بشجاعتهم.. أصبح خونة اليوم يتبجحون بالخيانة، ويجاهرون بها، ويسوقون لها، ويهرولون إليها بصدور منتفخة، وعيون جاحظة، وألسن طويلة لاهثة.. أما الممانعون فقد أصبحوا مطاردين، محتقرين، مهمشين، لأنهم ضد مصلحة الوطن، وبمعنى أدق هم ضد مصلحة النظام المطبع..

 

 

يكفي النظر إلى المقاومة على أرض غزة، كيف تم التآمر عليها، وخذلانها من طرف الأنظمة العربية، وكيف يتم التواطؤ ضدها وضد أهل غزة حتى تنهزم المقاومة ويباد الشعب عن بكرة أبيه، وتضيع كل حقوق الشعب الفلسطيني لفائدة الكيان الغاصب..

 

 

ويكفي النظر إلى حال الممانعين في أوطانهم، كيف يعيشون التشهير الممنهج، والملاحقات الأمنية، والمتابعات القضائية، والتضييق والإرهاب الذي يمارس عليهم من طرف أنظمتهم المطبعة والإعلام الموالي لها..

 

 

هكذا أصبحت الخيانة الوقحة، انتقلت من وجهة نظر إلى واجب وطني مقدس.. ولا أدري ماذا ستصبح غدا؟

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات