أحداث سبتة: بين الرواية الرسمية والتفسيرات الجيوسياسية
محمد غريب/ باحث أكاديمي
في عام 1964، في ذروة الحرب الباردة، رد فيدل كاسترو على الإجراءات الانتقامية الأمريكية والاتهامات التي وصفت نظامه بالديكتاتوري الذي ينتهك حقوق الإنسان، بـ«فتح أبواب الهجرة».. وكان هذا القرار جزءًا من استراتيجية سياسية «تهدف في آن واحد إلى التخلص من المعارضين وإلى فك الحصار الأمريكي على الجزيرة ”
تُظهر هذه الحادثة التاريخية بوضوح أن الاستغلال السياسي للهجرة لخدمة المصالح الجيوستراتيجية ليس أمراً حديث العهد، فهي تُبيّن أن تدفقات المهاجرين يمكن توظيفها كأداة للضغط الدبلوماسي أو كوسيلة لتغيير ميزان القوى بين الدول. واليوم، مع ظهور العولمة، أصبح هذا الاستغلال لتدفقات المهاجرين ممارسة متكررة في العلاقات الدولية. ومن الأمثلة على ذلك تركيا التي، سعيًا منها إلى الحصول على حرية التصرف وممارسة نفوذها السياسي على جبهات مختلفة، وخدمة مصالحها الجيوستراتيجية، جعلت من قضية الهجرة أداة للضغط على الاتحاد الأوروبي، حيث هددت بفتح حدودها للحصول على تنازلات سياسية ودبلوماسية واقتصادية. وقد تجلت هذه الاستراتيجية في فبراير 2020 عندما قرر الرئيس أردوغان فتح أبواب الهجرة على الحدود التركية اليونانية. وأثار هذا القرار رد فعل حاد من رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس الذي قال: «لم يعد الأمر يتعلق باللاجئين، بل هو محاولة واضحة من تركيا لاستغلال الفقراء من أجل تعزيز أجندتها السياسية الخاصة”.
في هذا السياق، وإن كان في إطار جيوسياسي مختلف، تندرج الأحداث الأخيرة التي وقعت في سبتة، والتي — على الرغم من التفسيرات الواردة في بيان وزارة الداخلية ودون التشكيك في العوامل التي تم تسليط الضوء عليها فيه — يبدو من الصعب استبعاد الفرضية القائلة بأن السلطات المغربية أبدت بعض التساهل تجاه الراغبين في الهجرة، بهدف الضغط على الحكومة الإسبانية..
ومع ذلك، من الصعب في الوضع الراهن الاكتفاء برواية واحدة. ورغم أن المغرب وإسبانيا يبدوان متفقين على رواية للأحداث، يعزون فيها اندلاعها إلى «الاستغلال الخبيث للفضاء الرقمي، ونشر المعلومات المضللة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، فضلاً عن التفسيرات الخاطئة للبيانات القانونية والإدارية»، فإن هذا التفسير لا يزال غير مقنع. فهي لا تفسر حجم هذه الأحداث وسرعتها، ولا السياق الجيوسياسي والدبلوماسي الذي وقعت فيه. وبعيدًا عن الاكتفاء بهذا التفسير الرسمي، يمكن تفسير هذه الأحداث من خلال الفرضيات التالية التي، دون أن تكون حصرية بعضها بالنسبة لبعض، تقدم إطارًا معقولًا لفهمها
- يُشكل السياق الدبلوماسي عنصراً تحليلياً أساسياً. فمن المحتمل أن تنظر الرباط إلى التقارب الإسباني-الجزائري الذي حدث عقب زيارة رئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر على أنه عامل يهدد المصالح الاستراتيجية للمغرب، لا سيما فيما يتعلق بقضية الصحراء. وبالتالي، تظل فرضية استخدام قضية الهجرة كأداة للضغط الدبلوماسي فرضية معقولة.
- في سياق جيوسياسي تتسم فيه التوترات المتزايدة في الشرق الأوسط، ولا سيما الصراع الإيراني-الأمريكي، تتأكد الأهمية الاستراتيجية للمضائق البحرية بشكل متزايد في العلاقات الدولية. ومن هذا المنظور، لا يُستبعد أن يضطر المغرب، بسبب هذه الأحداث، إلى المطالبة بقوة أكبر بمدينتي سبتة ومليلية الواقعتين على سواحله الشمالية، إذ يمنح الموقع الجغرافي لسبتة، الواقعة بالقرب من مضيق جبل طارق، قيمة جيوستراتيجية خاصة في التوازنات الإقليمية. ولذلك، فليس من المستبعد أن يلجأ المغرب إلى استغلال قضية الهجرة كوسيلة للضغط الدبلوماسي على إسبانيا.
- هناك منظور آخر لتفسير الأحداث الأخيرة في سبتة يكمن في لعبة التحالفات الجيوسياسية. ففي الواقع، قد يكون لحلفاء المغرب الرئيسيين، ولا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل — اللتين تدهورت علاقاتهما مع رئيس الحكومة الإسبانية بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية — بالإضافة إلى بعض التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا، مصلحة في إضعاف الحكومة الإسبانية أو عزلها دبلوماسياً. ويمكن تبرير هذه الفرضية بالحملة الإعلامية الشرسة التي تعرضت لها إسبانيا فور وقوع هذه الأحداث. ومع ذلك، تظل هذه الفرضية قابلة للنقاش بقدر ما تستند ضمناً إلى فكرة أن المغرب يفتقر إلى استقلالية استراتيجية حقيقية، وأنه يمكن بسهولة استغلاله من قبل حلفائه لخدمة أهداف تتعارض مع مصالحه الجيوستراتيجية الخاصة. ففي الواقع، ليس من مصلحة المغرب تشجيع صعود اليمين المتطرف في إسبانيا، ولا المساس بصورته ومصداقيته على الساحة الدولية لخدمة مصالح دول أخرى.
إذن في ختام هذا التحليل، تُظهر أحداث سبتة مدى تحول الهجرة إلى رافعة تأثير حقيقية في العلاقات الدولية. فقد سلطت هذه الأحداث الضوء على حقائق يمكن استخلاص دروس مهمة منها لتحليل العلاقات الدولية.
أولاً، هناك الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث فضلت بعض الحكومات، بدلاً من تشكيل جبهة موحدة، الدخول في سباق سياسي ضد إسبانيا بهدف كسب تأييد جزء من الرأي العام الذي تشغل باله كثيراً مسألة الهجرة. ويعكس هذا الانقسام الصعوبات المستمرة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي في ترسيخ مكانته كلاعب جيوسياسي ذي مصداقية.
ثانياً، لم تؤدِ هذه الأحداث إلى إضعاف رئيس الحكومة الإسبانية، بل عززت مكانته. فبدلاً من توجيه الاتهامات إلى المغرب، اتخذ موقفاً يليق برجل دولة حقيقي يفضل نهجاً قائماً على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الرباط ومدريد، اللتين ستضطران إلى مواجهة التحدي المتمثل في تنظيم كأس العالم لكرة القدم عام 2030. أما الدرس الثالث فيتعلق باستخدام قضية الهجرة كوسيلة للتأثير في السياسة العالمية. وتُظهر أحداث سبتة أن هذه القضية سلاح ذو حدين. فإلى جانب آثارها الدبلوماسية، فإنها تنطوي على خطر تشويه صورة المغرب على الساحة الدولية. ففي الوقت الذي تسعى فيه المملكة إلى الظهور بمظهر القوة الصاعدة، فإن صور شبابها الذين يخاطرون بحياتهم للوصول إلى الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط تعكس صورة بلد تبدو جبهته الداخلية هشة، ولا تتوفر فيه آفاق اقتصادية واجتماعية كفيلة بالحفاظ على الطاقات الشابة واقناعها بعدم الهجرة.

























