الدولة المغربية ومخاطر الانهيار
يطرح صافي الدين البدالي في مقاله “الدولة المغربية ومخاطر الانهيار” رؤية نقدية للواقع السياسي والاجتماعي بالمغرب، منطلقًا من مقارنة بين مقومات الاستقرار في الأنظمة الديمقراطية وبين ما يعتبره اختلالات بنيوية تعيق تطور الدولة المغربية وتحد من قدرتها على تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة.
ويستهل الكاتب طرحه بالتأكيد على أن الدول الديمقراطية الراسخة تستند إلى مؤسسات تحترم مبدأ فصل السلطات وتوازنها، وتحرص على إشراك المواطنين في القضايا الكبرى ذات الطابع الاستراتيجي والأمني، كما تجعل من المحاسبة وربط المسؤولية بالجزاء ركيزة أساسية للحكامة الجيدة. ويرى أن نجاح هذه الدول في محاصرة الفساد وحماية القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها التعليم والصحة، هو ما يضمن لها الاستقرار ويحصنها من مخاطر الانهيار أو الاضطراب.
في المقابل، يعتبر البدالي أن المغرب لا يزال يعاني أزمة ثقة بين المواطنين والمؤسسات الدستورية، كما يشير إلى ضعف الثقة في الأحزاب السياسية التي يرى أنها لم تنجح في القيام بدورها التمثيلي بالشكل المطلوب. ووفق قراءته، فإن غياب الشفافية والمحاسبة، واستمرار الفساد وتغليب مصالح فئات نافذة على المصالح العامة، عوامل تحول دون تحقيق إقلاع تنموي حقيقي.
ويولي الكاتب اهتمامًا خاصًا للسياسات الاجتماعية، معتبرًا أن تراجع الدولة عن أدوارها في مجالي التعليم والصحة لصالح القطاع الخاص أفرز واقعًا يهدد الحقوق الاجتماعية الأساسية للمواطنين. ويذهب إلى أن هذا التوجه ساهم في إضعاف الطبقة الوسطى التي شكلت تاريخيًا عنصر توازن اقتصادي واجتماعي، وجعلها أكثر عرضة للضغوط المعيشية التي تعاني منها الفئات الفقيرة أصلًا.
كما يتوقف المقال عند عدد من الملفات التي أثارت جدلًا في الساحة السياسية، من بينها ملف المحروقات والأرباح التي تحققها الشركات العاملة في القطاع، والأموال المرصودة لدعم استيراد الأغنام خلال موسمي عيد الأضحى لسنتي 2023 و2024، فضلًا عن النقاش المرتبط بمقترحات تسقيف أسعار المحروقات ومستقبل شركة “لاسامير”. ويرى الكاتب أن طريقة التعاطي مع هذه الملفات تعكس، في نظره، محدودية آليات الرقابة والمحاسبة.
وفي السياق ذاته، ينتقد البدالي ما يعتبره تضييقًا على أدوار بعض مكونات المجتمع المدني في متابعة ملفات الفساد، متوقفًا عند مستجدات تشريعية أثارت نقاشًا سياسيًا وحقوقيًا واسعًا، إلى جانب قانون الإضراب وغيره من النصوص التي يرى أنها لا تستجيب لانتظارات شرائح واسعة من المجتمع.
ويخلص الكاتب إلى أن الرهان على المشاريع العمرانية الكبرى والمنشآت الحديثة، مهما بلغت أهميتها، لا يكفي وحده لضمان الاستقرار والتنمية. فالتوازن الاجتماعي، وتوسيع المشاركة السياسية، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، تبقى في نظره عناصر حاسمة لتجنب الاحتقان الاجتماعي ولضمان استمرارية أي مشروع تنموي على المدى البعيد.
ومن خلال هذا الطرح، يقدم صافي الدين البدالي قراءة نقدية للواقع المغربي، محذرًا من التداعيات التي قد تترتب على استمرار الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ومؤكدًا أن الاستقرار الحقيقي يظل رهينًا بقدرة الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية وترسيخ مبادئ الحكامة والمحاسبة.
المقال الاصلي بقلم ذ. صافي الدين البدالي:
في الدول الديمقراطية يعيش الشعب في مناخ سياسي يتمثل في المؤسسات التشريعية و التنفيذية التي تقدر وتحترم سلطة بعضها البعض ، و هي مؤسسات تحترم سلطة الشعب و تستشيره و تستفتيه في القضايا ذات البعد الأمني أو الاستراتيجي.
هي دول تحرص على ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، دول لا تقبل سيادة الفساد و لا هيمنة المفسدين ،دول تحمي القطاعات الاقتصادية و الاجتماعية من الإفلاس، خاصة قطاعي التعليم و الصحة .
هذه دول تحافظ على التوازن الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و تحرص على تخليق الحياة العامة ،هي دول لا خوف عليها من أي انهيار ، لأن الشعب و الدولة في تفاعل دائم في القضايا الوطنية المصيرية .
لكن بالنسبة للدولة المغربية حيث تنعدم الشروط الديمقراطية و تنعدم الشفافية و تنعدم الثقة بين الشعب والمؤسسات الدستورية، بل حتى بين الشعب و الأحزاب التي كان وراء وجودها النظام المخزني ليشكل بها جدار أمن لمحاصرة اليسار لن تحقق أي نمو حقيقي يخرجها من دائرة التخلف.
إن انعدام هذه الثقة و انعدام الوضوح و المحاسبة و سيادة الكذب و التحايل على الشعب و الميوعة السياسية و الخدمة العمياء للأوليغارشية على حساب المصالح الحيوية للشعب المغربي، تجعل من الدولة المغربية عرضة لكل المخاطر المحتملة ، لأنه أمام انسحاب الدولة من كل الخدمات الاجتماعية و خاصة التعليم و الصحة لصالح القطاع الخاص في إطار سياسة الريع التعليمي و الصحي يتم إجهاض حقوق الشعب المغربي، حقوقه المشروعة ، التي هي الحق في الصحة والتعليم ، حقوق تضمنها المواثيق الدولية قبل أن يقر بها الدستور المغربي (دستور 2011 ) .
إن هذا الوضع جعل الطبقة الوسطى ،التي ظلت تشكل الرافعة الأساسية لاقتصاد البلاد و صمام الأمان من أي تصادم اجتماعي، تزداد تأزما و بؤسا و تراجعا من أي دور يساعد على التوازن الاجتماعي، لأنها ستلحق بالطبقة الشعبية الفقيرة و التي تحترق بنار الأسعار التي تفرضها الحكومة بفعل سياساتها اللاشعبية وبفعل تضارب المصالح و الإثراء غير المشروع و اقتصاد الريع و هيمنة المفسدين على المنافذ الاقتصادية.
إن هذا الوضع الذي تعيشه البلاد من تغول الفساد و المفسدون في تدبير الشأن العام المحلي والوطني ، و من معارضة تحالف الأغلبية البرلمانية و حلفائها من الأحزاب الإدارية لمشاريع قوانين من أجل المحاسبة وتقصي الحقائق في مصير أموال الشعب منها :
ملف المحروقات و الأرباح غير المشروعة التي تحققها شركات المحروقات بالمغرب، مصير الأموال التي تم رصدها لدعم استيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى برسم سنتي 2023 و 2024 نحو 437 مليون درهم ، مشروع قانون تسقيف المحروقات و تأميم شركة لاسامير .
و بالمقابل صادق هذا التحالف على قانون المسطرة الجنائية التي تقضي بمنع جمعيات المجتمع المدني و جمعيات حماية المال العام من الترافع في ملفات الفساد، وقانون الإضراب إلى غير ذلك من القوانين الضارة بمصالح الشعب ، مما ينذر بانفجار اجتماعي يضرب في العمق أي مسلسل استثماري، لأن إنزال بنايات عصرية من أبراج و منشآت عملاقة على النمط الأوربي أو الأمريكي في غياب توازن اجتماعي و تشارك ديمقراطي للشعب لن يحمي الدولة من ردود فعل المتضررين من سياسة الإقصاء و التهميش من شباب عاطل و من محرومين من حقهم في العيش الكريم، هي ردود فعل شعبية قد تكون واسعة لن تؤدي إلا إلى انكسار شوكة الدولة وذهاب هيبتها، لأنها لم تعتبر هيبة الشعب و لم تقدره حق قدره.



























