الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

دولة قوية وآمنة أم مجتمع سليم وراقٍ؟
من وحي المعارك السلمية والنبيلة للمحامي (ة) في ظل 20 يونيو.

 

 

 

د. مصطفى المنوزي.

 

في إطار التمسك بالحق في الحياة والحق في جودة العيش الكريم، تدافع الدول عن وجودها واستمرارها، بينما تدافع المجتمعات عن شروط مستقبلها المعيشي والثقافي والأخلاقي. ومن هذا المنطلق، تعيش الدولة باستمرار ما يشبه “عقدة الخلود”؛ فهي تسعى إلى ضمان بقائها في عالم تحكمه المنافسة واللايقين والتحولات المتسارعة، وتحرص على حماية سيادتها تجاه الخارج وتحصين تماسكها تجاه الداخل ، غير أن الدولة، في سعيها إلى الأمن والاستقرار، قد تنزلق أحياناً إلى تمثلات تقوم على الهوية الصلبة أو على استعراض الهيبة بوصفها غاية في ذاتها بينما يظل المجتمع أكثر تعقيداً وجدلية من أن يُختزل في تعريف واحد أو ولاء أحادي. فالمجتمع الذي يستقبل الحكام ويقاوم الاستعمار، ويحتضن التعدد الثقافي والسياسي والاجتماعي، لا ينشغل كثيراً بالشعارات المجردة بقدر ما ينشغل بوجود دولة قوية وآمنة، لا دولة مخيفة وأمنية؛ دولة توفر شروط الحماية دون أن تتحول الحماية نفسها إلى مصدر للقلق. فقد لعبت النخب الوطنية المتنورة، رغم ما يعتريها من تردد أو محدودية أو اختلافات وعياء أحيانا ، دوراً أساسياً في بناء هذا التوازن الدقيق بين مقتضى الدولة وضرورة المجتمع. فقد دافعت عن الوطن باعتباره فضاءً مشتركاً، وعن الدولة باعتبارها إطاراً للاستقرار، وعن النظام حين يكون ضامناً للاستمرارية والوحدة ، مستندة إلى جودة المتخيل السياسي وإلى ما يمكن تسميته بالخيال المعرفي الاستشرافي، الذي لا يكتفي بقراءة الواقع بل يعمل على استباق المخاطر وصناعة البدائل.

 

ولعل تجربة جائحة كوفيد-19 أبرزت أهمية هذا الدور الذي مأسسته وكرسته هيئات حقوقية ومهنية (من بينها المحاميات والمحامين بتبصرهم وتضحياتهم ومواقفهم وتضامنهم النقدي ) . فبعيداً عن منطق المزايدات والسرديات التبسيطية، أظهرت الأزمة أن حماية الحق في الحياة ليست مسؤولية الدولة وحدها، ولا مسؤولية المجتمع وحده، بل هي ثمرة تفاعل بين مؤسسات الدولة وخبرات النخب ووعي المواطنين. وقد ساهم هذا التفاعل في تجنب انهيارات كان من الممكن أن تكون أكثر كلفة على مستوى الأرواح والاقتصاد والكرامة الوطنية.

 

ومن هذه الزاوية، لم تبدُ الجائحة مجرد واقعة صحية عابرة، بل كانت وظلت لحظة كاشفة أعادت طرح سؤال العلاقة بين الدولة والمجتمع خارج ثنائية الهيمنة أو التبعية، وأكدت أن الأمن الإنساني لا يُنتج بقرارات السلطة وحدها، كما لا يتحقق بالمبادرات المجتمعية المعزولة، وإنما يتأسس على تفاوضية مؤسساتية دائمة تجعل من الثقة والتشارك في المسؤولية شرطًا للنجاعة والاستدامة. فكلما نجحت الدولة في الإنصات إلى الخبرات الوسيطة واحتضان النقد المسؤول، وكلما نجح المجتمع في تحويل مطالبه إلى مساهمة مواطنة واعية، أمكن بناء نموذج أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وإدارة اللايقين دون التفريط في الحقوق والحريات.

 

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الدولة والمجتمع، بل في بناء علاقة تعاقدية تجعل قوة الدولة في خدمة سلامة المجتمع، وتجعل حيوية المجتمع سنداً لمناعة الدولة. فالدولة القوية ليست تلك التي تُخيف مواطنيها، بل تلك التي تمنحهم الثقة؛ والمجتمع الراقي ليس ذلك الذي يخاصم الدولة، بل الذي يشارك في ترشيدها ومساءلتها وتقويتها.

 

وعندما يلتقي الحق في الحياة مع الحق في الكرامة، وتلتقي الحماية مع الحرية، يصبح الأمن قيمة مدنية مشتركة لا مجرد وظيفة سلطوية، وتتحول الدولة من هاجس للبقاء إلى أفق لصناعة المعنى المشترك، ويغدو المجتمع شريكاً في إنتاج الأمن لا مجرد موضوع له. وهذا هو الشرط الضروري لقيام دولة قوية وآمنة داخل مجتمع سليم وراقٍ.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!