شهداء الكوميرا.. حين سال الدم من أجل الخبز، فهل تعلمنا شيئا؟؟
الحلقة السابعة من سلسلة تغريدة خارج السرب
بقلم الكوتش و المدربة و الأخصائية النفسية: نجاة زين الدين
لم يكن العشرون من يونيو سنة 1981 مجرد تاريخ عابر في ذاكرة المغرب المعاصر، بل كان يوما إنشق فيه الصمت بصرخة مدوية أطلقتها بطون خاوية و أجساد أنهكها الفقر و أحلام أثقلتها وطأة الحرمان…كان يوما إمتزج فيه الخبز بالدم، و تحولت فيه المطالب الإجتماعية البسيطة إلى مأساة إنسانية ما تزال أصداؤها تتردد في الذاكرة الجماعية للمغاربة، مأساة: شاهدة على أن الأوطان لا تهتز بسبب كثرة المطالب، و إنما بسبب تأخر الإصغاء إليها و تسييد العنف و القمع…
و بعد خمسة و أربعين عاما، يعود السؤال القديم بثوب جديد: هل تعلم المغرب من جراح الماضي؟؟؟ أم أن الزمن قد تغير بينما بقيت الأسباب العميقة للأزمات على حالها، و إن إختلفت أشكالها و تجلياتها؟؟؟
20 يونيو 1981… حين إنفجر غضب الجوع:
لم تأت إنتفاضة يونيو من فراغ، و لم تكن مؤامرة عابرة كما حاول البعض تصويرها آنذاك، بل كانت نتيجة طبيعية لتراكم الإختلالات الإقتصادية و الإجتماعية، بعدما أثقلت الزيادات المتتالية في أسعار المواد الأساسية كاهل الفئات الشعبية التي كانت بالكاد تكابد أعباء الحياة اليومية…
و حين إرتفعت أسعار الدقيق و السكر و الزيت و الحليب بنسبه تراوحت ما بين 35٪ إلى 50٪، لم يكن الأمر مجرد أرقام في نشرات حكومية، بل كان إعلانا عمليا عن تضييق جديد على القدرة الشرائية للمواطن البسيط… و حين دعت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى الإضراب العام، خرجت الجماهير إلى الشوارع لا بحثا عن الفوضى كما صرح به أنذاك، بل بحثا عن الكرامة الإنسانية المفقودة و العدالة الإجتماعية المقبور…
غير أن لغة المطالب الإجتماعية إصطدمت بلغة الرصاص، و تحول الٱحتجاج إلى حمام دم، لتسقط عشرات الأرواح وفق الأرقام الرسمية، بينما تحدثت المعارضة و المنظمات الحقوقية آنذاك عن مئات الضحايا و آلاف الجرحى و المعتقلين و المختفين…
لقد كان ذلك اليوم إعلانا صارخا عن فشل السياسة حينما عجزت عن الإنصات المسؤول، و عن خطورة تحويل المطالب الإجتماعية المشروعة إلى ملفات أمنية، لأن الأمن الحقيقي للأوطان لا يبدأ من الشارع، بل يبدأ من العدالة الإجتماعية و الكرامة الإنسانية و الإنصاف الكامل…
الدم و الرصاص و المختفون… الجراح التي لم تندمل:
كانت الأرقام الرسمية تتحدث عن ستة و ستين قتيلا، قبل أن تكشف هيئة الإنصاف وةالمصالحة عن سقوط مائة و أربعة عشر ضحية، بينما ذهبت تقديرات أخرى إلى أعداد أكبر بكثبييير من ذلك…
لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، تبقى عاجزة عن قياس حجم الفواجع التي عاشتها الأسر المغربية التي فقدت أبناءها، أو التي إنتظرت سنوات طويلة لمعرفة مصير المفقودين…
لقد مرت السنوات، و تعاقبت الحكومات، غير أن بعض الجراح لا تشيخ، و بعض الدموع لا تجف، ووبعض الأسئلة تبقى معلقة بين الأرض و السماء دون جواب، لأن الكرامة الإنسانية لا تقبل التقادم، و لأن الذاكرة ليست ترفا فكريا، بل شرطا أساسيا للمصالحة الحقيقية مع الماضي.
ماذا تغير بعد خمسة و أربعين عاما؟؟؟
من المؤكد أن المغرب تغير كثيرا:
إرتفعت الجسور، و إمتدت الطرق السيارة، و تطورت الموانئ، و برزت مشاريع كبرى جعلت المملكة تحظى بمكانة إقليمية مهمة، و إكتسح حضور أفارقة الصحراء كل المدن المغربية…غير أن التنمية الحقيقية لا تقاس بالإسمنت وحده، بل تقاس أيضا بمدى شعور المواطن بالأمن الإجتماعي و الإنصاف و الكرامة…
فالفوارق الإجتماعية ما تزال تتسع، و الطبقة الوسطى يتواصل تآكلها، و البطالة تنخر أحلام الشباب، بينما تستمر معاناة العالم القروي و الهوامش المنسية مع الفقر و الهشاشة، و و زراعاتنا الأساسية عوضت بأشجار الافوكادو و الباباي…
لقد تغيرت مظاهر الحياة، لكن الكثير من الأسئلة الإجتماعية القديمة ما زالت تنتظر الأجوبة المفيدة و الشافية لغليل لم يخبو…
من الفقر المادي إلى الفقر القيمي:
فإذا كان مغرب الثمانينيات قد عانى أساسا من ضيق العيش، فإن مغرب اليوم يواجه أزمة أكثر تعقيدا، لأنها أزمة قيم و معنى و إنتماء…
لقد تسللت المخدرات إلى الأحياء و المؤسسات التعليمية، و ٱنتشرت الجريمة بأشكال مقلقة، و تراجع دور الأسرة و المدرسة، و أصبحت التفاهة في كثير من الأحيان أكثر حضورا من الفكر، و أكثر تأثيرا من الثقافة الفعلية…
و لعل أخطر ما أصاب المجتمع المغربي ليس فقط إرتفاع تكاليف الحياة، بل ذلك التراجع المؤلم في منظومة القيم، حيث أصبح العنف لغة مألوفة، و الأنانية سلوكا متناميا، و الإستهلاك المفرط معيارا للنجاح، بينما تراجعت قيم التضامن و الحياء و المسؤولية.
فالأمم لا تنهار فقط بسبب الفقر الإقتصادي، بل تنهار أيضا حين يصيب التآكل ضميرها الأخلاقي.
الأحزاب بين الأمس و اليوم… من التأطير إلى الحضور الموسمي الإنتخابي:
في زمن سابق، كانت الأحزاب و النقابات مدارس للنضال و التأطير السياسي و الفكري، و كانت تنتج النخب، و تؤطر الشباب، و تناقش القضايا الكبرى للأمة..
أما اليوم، فقد أصبح كثير من الأحزاب أسيرا لمنطق المواسم الإنتخابية، حيث يعلو الضجيج كلما إقترب موعد الإقتراع، ثم يخفت الحضور بمجرد إنتهاء المنافسة…
فغابت السياسة بمعناها النبيل، و إتسعت هوة الثقة بين المواطن و المؤسسات الوسيطة، و إنتشر العزوف السياسي، حتى أصبح جزء من المجتمع ينظر إلى العمل الحزبي بإعتباره وسيلة للمصالح لا فضاء لخدمة الصالح العام.
و حين تفقد السياسة بعدها الأخلاقي، تصبح الديمقراطية مجرد كلمة و إجراءات فارغة من روحها…
في ظل علاء المعيشة: هل نحن أمام أشكال جديدة من «إنتفاضة الكوميرا»؟؟؟
لقد تغيرت طبيعة الجوع…
فإذا كان جوع الأمس متعلقا بالخبز، فإن جوع اليوم أكثر تعقيدا…نعم إنه جوع إلى الشغل الكريم، جوع إلى تعليم جيد، و جوع إلى خدمات صحية تحفظ كرامة الإنسان، و جوع إلى سكن لائق، و جوع إلى عدالة إجتماعية حقيقية،و جوع إلى الأمل…
و الأخطر من كل أنواع و أشكال هذا الجوع: جوع المواطن إلى الثقة في المستقبل و إستشرافه دون إحباط…
فحين يتسلل اليأس إلى النفوس، يصبح المجتمع بأسره مهددا بفقدان توازنه، لأن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يعيش أيضا بالأمل و الطموح الذي يغذي الإصرار و عظيمة التحدي..
كيف نصحح المسار قبل أن يكتب التاريخ فصلا جديدا من الألم؟؟؟؟
إن الأوطان لا تنقذ بالخطب الرنانة، و لا بالشعارات الموسمية الطنانة، و إنما بالإصلاحات العميقة و الجريئة و الشجاعة التي تضع الإنسان في قلب التنمية كمشارك فعلي في قراراتها لا كضيف مغبون في حق الإدلاء برأيه…
فالمغرب بحاجة إلى حياة سياسية جديدة تعيد الإعتبار للأحزاب السياسية و النقابات، و تعزز جديتها و إستقامة منهاجها بربط المسؤولية بالمحاسبة، و بفسح المجال أمام الكفاءات الحقيقية لا بإقصائها..
كما أن هذا المغرب هو نفسه الذي بحاجة إلى إقتصاد وطني منتج يخلق الثروة و يوزعها بعدالة، و يحد من إقتصاد الريع و الإحتكار و المضاربات، و يجعل من التشغيل اللائق أولوية وطنية…
كما أن إصلاح التعليم و الثقافة لم يعد خيارا قابلا للتأجيل، بل أصبح قضية مصيرية، لأن المدرسة ليست مجرد فضاء لتلقين المعارف، و إنما هي مصنع للمواطن و حصن للهوية الوطنية الصلبة…إلا أن المدرسة و الأسرة لم تعودا وحدهما المسؤولتان عن تشكيل وعي الأجيال، بل أصبح الإعلام، بمختلف وسائطه التقليدية و الرقمية، شريكا أساسيا في صناعة العقول و توجيه الذوق العام و ترسيخ القيم أو تقويضها.
و من هنا، فإن إصلاح الإعلام لم يعد ترفا فكريا، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة، لأن معركة الأمم ليست معركة إقتصادية صرفة و إنما هي أيضا معركة وعي و معنى و قيم…
فالإعلام الذي كان يفترض أن يكون مدرسة للتنوير و منبرا للثقافة و المعرفة، تحول في كثير من الأحيان، تحت ضغط منطق الربح و اللهاث وراء نسب المشاهدة، إلى فضاءات لتسويق التفاهة و الإبتذال وإعادة إنتاج الرداءة، و التطبيع مع العنف و الٱنحلال القيمي، حتى أصبحت الشهرة تمنح لمن يثير الضجيج، بينما يدفع بأصحاب الفكر و العلم و الإبداع الحقيقي إلى هامش الإهتمام…
إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس فقط خراب الإقتصاد، و إنما أيضا خراب الوعي، لأن الإعلام القادر على صناعة العقول، قادر كذلك على هدم ما تبنيه الأسرة و المدرسة، حين يتحول إلى أداة لإفساد الذوق العام، و تبخيس قيمة العلم و العمل، وتشويه معايير النجاح، و تدنيس المعاني النبيلة للحياة.
و لذلك، فإن المغرب في حاجة إلى إعلام وطني مسؤول، يجمع بين حرية التعبير و الإلتزام الأخلاقي، و يعيد الإعتبار للثقافة و الفكر و الفنون الراقية، و يجعل من المعرفة و العلم و قضايا المجتمع مادة جاذبة، و يمنح النخب العلمية و الفكرية المكانة التي تستحقها، لأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الطرق و الموانئ و المشاريع الكبرى، بل يبقى أهمها…
كما لا يمكن الحديث عن الأمن الإجتماعي دون حماية الأسرة المغربية من إستنزاف قيمها، و إعادة الإعتبار للطبقة الوسطى، و دعم الشباب، و التصدي لآفتي المخدرات و الجريمة.
أما في المجال الفلاحي، فإن التحديات المناخية و الإجهاد المائي يفرضان مراجعة شجاعة للسياسات الفلاحية بما يحقق الأمن الغذائي و السيادة المائية، و يعيد الإعتبار للفلاح الصغير والعالم القروي.
حتى لا يكرر التاريخ مآسيه: ففي يونيو 1981 لم يخرج شهداء الكوميرا طلبا للمستحيل، و لم يكونوا يبحثون عن إمتيازات إستثنائية، بل خرجوا من أجل الخبز و العيش الكريم…
و اليوم، و بعد خمسة وأربعين عاما، يبدو السؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: فهل إستوعبنا دروس التاريخ؟؟؟ أم أننا ما زلنا نؤجل مواجهة الأسئلة الكبرى؟؟؟ و نسوف في إتخاد القرار الحاسم في بناء الإنسان و الإستثمار فيه…
إن الأمم التي تنسى آلامها معرضة لتكرارها، وةالأوطان التي تؤجل الإصلاح تدفع لاحقا أثمانا مضاعفة و تكون بذلك فاتورة الأداء مكلفة…
و لعل الوفاء الحقيقي لشهداء العشرين من يونيو لا يكون بإحياء الذكرى فحسب، و إنما ببناء مغرب تتصالح فيه السياسة مع الأخلاق، و الإقتصاد مع العدالة، وةالتنمية مع الإنسان، حتى يبقى الدم الذي سال من أجل الخبز و الكرامة شاهدا على الماضي، لا نذيرا بمآس مستقبلية مؤجلة فقط..
فالتاريخ لا يرحم من لا يتعلم، و الأوطان لا يحفظها النسيان، وإنما يحفظها العدل، و تصونها الكرامة، و يصنع مستقبلها إنسان حر، واع، و متشبث بقيمه، و مؤمن بأن حب الوطن ليس شعارا يردد، بل مسؤولية تحمل، و رسالة تؤدى، و أمانة تصان و شعب يكون…



























