على ضوء النقاش الذي عرفه البرلمان المغربي خلال هذا الأسبوع،
التعليم العمومي بالمغرب:
حين يتحول الحق الدستوري إلى معضلة وطنية تهدد مستقبل الأجيال
الحلقة السادسة من سلسلة تغريدة خارج السرب
بقلم الكوتش و المدربة و الأخصائية النفسية: نجاة زين الدين
لم يعد الحديث عن أزمة التعليم العمومي بالمغرب مجرد ترف فكري أو مادة للنقاش الأكاديمي و السياسي، بل أصبح حديثا يوميا يتردد على ألسنة الأسر و التلاميذ و المدرسين و الفاعلين الإقتصاديين و الإجتماعيين.
لقد تحولت المدرسة العمومية، التي كانت لعقود طويلة مصنع النخب الوطنية و رافعة للحراك الإجتماعي و مشتل للكفاءات التي بنت الدولة المغربية الحديثة، إلى فضاء مثقل بالأعطاب البنيوية و الإختلالات المتراكمة، حتى بات كثير من المغاربة يتساءلون بقلق مشروع: إلى أين يسير تعليمنا الوطني؟؟؟ و هل ما زالت المدرسة العمومية قادرة على أداء رسالتها التاريخية في صناعة الإنسان/المواطن؟؟؟
إن المتأمل في واقع المنظومة التعليمية المغربية يكتشف بسرعة أن الأزمة لم تعد أزمة نتائج فقط، بل أصبحت أزمة رؤية و إختيارات و سياسات عمومية تراكمت عبر عقود طويلة من التدبير المرتبك و الإصلاحات المتعاقبة التي إستهلكت الزمن و المال و الجهد دون أن تحقق الأهداف المعلنة أو بالأحرى تلك التي خطط لها و لم تنفذ لأسباب متباينة و متقاطعة…
من مدرسة لصناعة النخب إلى مدرسة لإنتاج الهدر:
لقد كانت المدرسة العمومية المغربية، خلال مراحل سابقة، فضاء لتكافؤ الفرص بين أبناء الفقراء و الأغنياء، و معبرا حقيقيا نحو الترقي الإجتماعي… فمن بين جدرانها تخرج الأطباء و المهندسون و القضاة و الأساتذة و الباحثون الذين ساهموا في بناء مؤسسات الدولة و تطوير المجتمع…
أما اليوم، فقد أصبحت المدرسة العمومية تعاني من إكتظاظ خانق داخل الأقسام، و من نقص مهول في الموارد البشرية، و من ضعف في البنيات التحتية، و من تفاوتات مجالية صارخة بين المدن و القرى، فضلا عن تراجع جودة التعلمات الأساسية في القراءة و الكتابة و الرياضيات و اللغات…
و تكشف مختلف التقارير الوطنية و الدولية أن نسبا مقلقة من المتعلمين يغادرون المدرسة دون إمتلاك الحد الأدنى من الكفايات الضرورية للحياة المهنية أو الجامعية، الأمر الذي يجعل المنظومة عاجزة عن تزويد البلاد بالرأسمال البشري المؤهل لمواجهة تحديات التنمية و التنافسية العالمية…
إصلاحات متعاقبة… و نتائج مخيبة للأمال:
من الميثاق الوطني للتربية و التكوين، إلى البرنامج الإستعجالي، وصولا إلى الرؤية الإستراتيجية و القانون الإطار، تعاقبت الخطط و الإصلاحات و الشعارات الكبرى، لكن الواقع ظل أكثر عنادا من الوعود…
لقد أنفقت الدولة مليارات الدراهم على مشاريع إصلاحية متتالية، غير أن المواطن البسيط لا يزال يلمس يوميا إتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي و الواقع الميداني. فكل حكومة كانت تأتي بخطتها الخاصة و شعاراتها الطنانة الجديدة، دون إستكمال ما بدأته الحكومات السابقة، مما جعل التعليم المغربي يعيش حالة دائمة من عدم الإستقرار و الإرتجال.
إن إصلاح التعليم لا يمكن أن يكون رهينة الحسابات السياسية الضيقة أو رهين مدة إنتداب حكومة أو وزير، بل يحتاج إلى رؤية وطنية مستقرة تمتد لعقود و تخضع للتقييم العلمي المستمر…
مسؤولية الحكومات المتعاقبة و التقصير الممنهج:
لا يمكن الحديث بموضوعية عن أزمة التعليم دون تحميل المسؤولية السياسية للحكومات المتعاقبة التي دبرت هذا القطاع الحيوي خلال العقود الأخيرة.
فالأزمة الحالية ليست نتاج سنة أو سنتين، بل هي حصيلة تراكمات طويلة من القرارات المتسرعة، و ضعف الحكامة، و غياب المحاسبة، و عدم جعل التعليم أولوية وطنية حقيقية في توزيع الموارد و الميزانيات…
لقد تعاملت بعض الحكومات مع التعليم باعتباره ملفا تقنيا يمكن تدبيره بمنطق الأرقام و الإحصائيات، بينما هو في جوهره مشروع حضاري لبناء الإنسان و المجتمع. كما أدى ضعف التخطيط الإستراتيجي إلى تفاقم مشاكل التكوين و التوظيف و البنيات التحتية و المناهج الدراسية، و هو ما إنعكس سلبا على جودة التعلمات و على صورة المدرسة العمومية لدى المغاربة…
صعود التعليم الخاص و تراجع الدولة:
و من بين أخطر التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، ذلك التوسع المتسارع للتعليم الخاص مقابل التراجع التدريجي لدور المدرسة العمومية.
فقد وجدت آلاف الأسر نفسها مضطرة، لا مختارة، إلى اللجوء إلى التعليم الخاص هربا من إختلالات المدرسة العمومية… و تحول بذلك التعليم بالنسبة لكثير من الأسر إلى عبء مالي ثقيل يستنزف مداخيلها الشهرية و يعمق الفوارق الإجتماعية بين المواطنين.
و هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه بإلحاح: كيف يعقل أن تتراجع الدولة عن تحمل مسؤولياتها الكاملة في قطاع إستراتيجي يشكل أساس بناء الأمم؟؟؟ و كيف يمكن القبول بأن يصبح الحق في تعليم جيد مرتبطا بالقدرة الشرائية للأسر بدل أن يكون حقا مكفولا لجميع المواطنين على قدم المساواة و بدون تمييز طبقي؟؟؟
إن التعليم ليس سلعة تجارية تخضع فقط لمنطق العرض و الطلب أو الربح و الخسارة، بل هو حق دستوري و إستثمار سيادي في مستقبل الوطن… و عندما تضعف المدرسة العمومية، فإن الدولة بأكملها تصبح معرضة لإعادة إنتاج الفوارق الإجتماعية و الإقتصادية و الثقافية بين أبنائها…
أزمة القيم قبل أزمة المناهج:
إن إختزال أزمة التعليم في المناهج و البرامج فقط يمثل قراءة ناقصة للمشهد:
فالأزمة الحقيقية تمتد أيضا إلى تراجع المنظومة القيمية داخل المدرسة، و ضعف التأطير النفسي و الإجتماعي للتلاميذ، و غياب المواكبة التربوية اللازمة لمواجهة تحديات العصر الرقمي، و إنتشار بعض السلوكيات السلبية التي أصبحت تؤثر على المناخ التربوي داخل المؤسسات التعليمية.
إن المدرسة ليست فضاءا لتلقين المعارف فحسب، بل هي مؤسسة لصناعة المواطن المسؤول و المتوازن و القادر على ممارسة حقوقه و واجباته داخل المجتمع بوعي تام بتلازميتهما بكل مسار الحياة.
أي مستقبل ينتظر المغرب إذا إستمر الوضع؟؟؟
إن إستمرار الوضع الحالي يحمل مخاطر حقيقية على مستقبل البلاد.
فالتعليم الضعيف ينتج إقتصادا ضعيفا، و سوقا هشا للشغل، و مواطنة ناقصة، و مؤسسات أقل قدرة على الإبتكار و الإبداع، كما يؤدي إلى تعميق الفوارق الإجتماعية و إضعاف فرص التنمية المستدامة.
إن الأمم لا تنهض بثرواتها الطبيعية فقط، بل تنهض أساسا بعقول أبنائها. و كل تراجع في جودة التعليم هو في الحقيقة تراجع في القدرة المستقبلية للدولة على تحقيق التنمية و العدالة الإجتماعية و السيادة المعرفية.
من أجل إنقاذ المدرسة العمومية:
حلول عملية ومستعجلة:
إن إنقاذ التعليم العمومي المغربي ليس مهمة مستحيلة إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية و الرؤية الإستراتيجية الواضحة.
و من بين أهم الإجراءات الضرورية:
- الرفع من الإستثمار العمومي في التعليم العمومي بإعتباره أولوية وطنية لا مجال للتردد بشأنها.
- تحسين الوضعية المادية و الإعتبارية لرجال و نساء التعليم و إعادة الإعتبار لمهنة التدريس و للمدرسة العمومية بإعتبارها الحاضنة الأولى و الأخيرة لمجتمع قيمي متزن يكفل العدالة الإجتماعية داخل وطننا العزيز.
- تقليص الإكتظاظ داخل الأقسام عبر توسيع البنيات التحتية و توظيف أعداد كافية من الأطر التربوية.
- مراجعة المناهج الدراسية لتصبح أكثر إرتباطا بحاجيات المجتمع و سوق الشغل و متطلبات العصر الرقمي.
- تعميم التعليم الأولي الجيد و ضمان تكافؤ الفرص بين جميع الأطفال.
- إرساء نظام فعال للتوجيه المدرسي و المهني.
- تعزيز حضور الأخصائيين النفسيين و الكوتش المدرسي داخل المؤسسات التعليمية لمواكبة التلاميذ نفسيا و سلوكيا و تربويا.
- ربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير القطاع و تقييم السياسات التعليمية بإنتظام وفق مؤشرات موضوعية و شفافة.
- إخضاع التعليم الخاص لمراقبة صارمة تضمن الجودة و تحمي الأسر من الإستغلال التجاري النماق.
- إطلاق حوار وطني حقيقي تشارك فيه الدولة و الأسرة و المدرسة و المجتمع المدني و الخبراء لبناء تعاقد جديد حول مستقبل التعليم المغربي.
إن المدرسة العمومية ليست مجرد بناية تضم أقساما و مقاعد دراسية، بل هي روح الدولة و مصنع المستقبل و مرآة إختياراتها الحضارية. و عندما تضعف المدرسة العمومية، يضعف معها الأمل في تحقيق العدالة الإجتماعية و تكافؤ الفرص و بناء مجتمع المعرفة كما يتم بهذا الضعف إعتماد مبدأ الإقصائية و تتعزز الإنتقائية الطبقية مع كامل الأسف…
لقد آن الأوان للإنتقال من منطق الإصلاحات الظرفية و الترقيعية إلى مشروع وطني كبير يعيد للتعليم مكانته كقضية سيادية لا تقبل التأجيل و لا المساومة، فالأمم التي تبني مدارس قوية تبني أوطانا قوية، أما الأمم التي تترك تعليمها يتآكل تحت وطأة الإهمال و التردد، فإنها تضع مستقبل أجيالها على حافة المجهول…
و إذا كان لكل دولة خط أحمر لا يجوز تجاوزه، فإن التعليم العمومي ينبغي أن يكون الخط الأحمر الأول، لأنه الحصن الأخير الذي يحمي الوطن من الجهل و التهميش و الآلية الوحيدة التي تقضي على التفاوتات الطبقية اللاعادلة، لتصنع مواطني الغد: مواطنين قادرين على حمل مشعل التنمية و النهضة و التقدم الحقيقي و المفعل داخل الوطن..



























