الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

الغموض ملجأ… و الوضوح مسؤولية

الحلقة السادسة من سلسلة وعي و إرتقاء

 

 

 

 

بقلم ذة: نجاة زين الدين
مدربة، كوتش و مستشارة نفسية 

 

 

كم من حقيقة عبرت أمامنا كل يوم، واضحة كضوء الصباح، و مع ذلك لم نراها؟؟؟
و كم من تعب نحمله في صدورنا منذ سنوات، لا لأن أسبابه غامضة، بل لأن الإعتراف بها مخيف؟؟؟
لماذا نرهق أرواحنا بالحفر العميق في متاهات الماضي، بينما قد تكون أكثر جراحنا وضوحا
معلقة بصمت فوق رف حياتنا اليومية؟؟؟
و لماذا يفتن الإنسان بكل ما هو معقد و مبهم، و كأن الحقيقة كلما إزدادت غموضا إزدادت قيمة و عمقا؟؟؟
أهو بحث صادق عن الفهم… أم هروب أنيق من مواجهة ما نعرفه مسبقا؟؟؟
ثم لماذا يبدو الوضوح، أحيانا، أثقل من الألم نفسه؟؟؟
و لماذا نخاف بعض الحقائق البسيطة أكثر مما نخاف الكوارث الكبرى؟؟؟
أليس لأن الحقيقة حين تصبح واضحة، تسقط معها الأعذار، و يتحول الوعي من فكرة مريحة إلى مسؤولية موجعة؟؟؟
كيف يستطيع الإنسان أن يشرح أوجاعه بدقة مذهلة، ثم يستمر في العيش داخل الأسباب نفسها التي تطفئه؟؟؟
و كيف يتحول التحليل النفسي أحيانا إلى ملاذ راق للتأجيل بدل أن يكون طريقا للتحرر؟؟؟
و هل كل من فهم ذاته إمتلك فعلا شجاعة إنقاذها من عتمة الحيرة المستنزفة و الحارقة؟؟؟
ثم ماذا يحدث للحقائق التي نهرب منها؟؟؟
هل تختفي حقا؟؟؟
أم تعود إلينا متخفية في هيئة أرق طويل، و ضيق مفاجئ، و فراغ لا يملؤه شيء، و إنطفاء داخلي لا نجد له تفسيرا؟؟؟
و هل يمكن للإنسان أن يخدع وعيه إلى الأبد، أم أن الحقيقة تظل قادرة على الوصول إلينا مهما أغلقنا الأبواب؟؟؟
إن أخطر ما قد يواجهه الإنسان في رحلته الحياتية ليس دائما ذلك المجهول المختبئ في الأعماق، بل تلك الحقيقة البسيطة التي يعرفها منذ زمن بعيد، و يستطيب التسويف معها و يواصل تأجيل النظر إليها لأنه برؤيتها سيتغير كل شيء…
فبين الغموض الذي يمنحنا مهلة للهروب، و الوضوح الذي يجردنا من أعذارنا… تقف أرواحنا معلقة بين راحة الإنكار و وجع المواجهة…
و هنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل نحن عاجزون عن رؤية الحقيقة… أم أننا نخشى فقط ما سيتوجب علينا فعله بعد أن نراها؟؟؟

 

1) حين تصبح الحقيقة شديدة الوضوح إلى حد الإختفاء:

ليست كل الحقائق مختبئة في العتمة، و لا كل الرسائل مدفونة في الأعماق السحيقة للنفس البشرية…
بعض الحقائق تقف أمامنا كل يوم في وضح النهار، واضحة إلى درجة نفقد معها قدرتها على إثارة إنتباهنا، فنمر بجانبها كما يمر العابر بجانب المرآة دون أن يرى إنعكاسه الحقيقي فيها…
إن الإنسان، بطبيعته النفسية المعقدة، لا يتجاهل فقط ما يصعب فهمه، بل قد يعجز أيضا عن رؤية ما هو ظاهر أكثر مما ينبغي…
فالوضوح المفرط يفقد الأشياء غرابتها، و ما يفقد غرابته يفقدنا قدرتنا على مساءلته…نعم إنها الحقيقة الساطعة… و هكذا تتحول بعض أكثر الحقائق حضورا في حياتنا إلى غياب نفسي كامل…
قد يكون الإنسان منهكا منذ سنوات لأنه يعيش حياة لا تشبهه، أو لأنه يمنح طاقته لعلاقات تستنزف روحه، أو لأنه يتعايش يوميا مع بيئة تخنق صوته الداخلي و تقمع قناعاته…و يساير الزمن بإذعان غير مبرر و مع ذلك يواصل البحث عن تفسير منطقي، كأن الحقيقة البسيطة الواقفة أمامه أقل إقناعا من المتاهة…
إننا أحيانا لا نضيع الحقيقة لأنها خفية أو غير موجودة أو ليست في المتناول لحظتها، بل لأنها شديدة الوضوح و هنا يتجسد مكمن الألم…

 

2) لماذا يفتن الإنسان بالغموض؟؟؟

للغموض سحر خاص على النفس البشرية، فهو يمنح للإنسان شعورا خفيا بالعمق، و يجعله يعتقد أن الحقيقة كلما إزدادت تعقيدا إزدادت قيمة و أهمية، لذلك ينجذب الكثير من البشر إلى التحليلات المتشابكة، و التفسيرات الثقيلة، ببحثهم الدائم عن “الجذور الخفية” لكل ألم يتعرضون له، لدرجة الوله النفسي بهذا التعقيد…
فالإنسان لا يحب دائما الحلول البسيطة و السهلة، لأن البساطة تشعره بأن ما يؤلمه كان قابلا للمواجهة منذ البداية، و أن كل هذه السنوات من المماطلة و الدوران، لم تكن كلها ضرورية و غير مجدية…
و من هنا يبدأ العقل في صناعة الضباب حول الأشياء الواضحة…
ليس حبا في الضياع، بل خوفا من الحسم…نعم خوفا من المواجهة الصارمة و الجازمة الآنية…
إن الغموض يمنح للنفس مساحة آمنة للتأجيل، و يؤجل لحظة الإصطدام بالحقيقة… أما الوضوح، فهو كاشف صارم لا يسمح للإنسان بالإختباء طويلا خلف التفسيرات المزخرفة و المزيفة…

 

3) الغموض كآلية راقية للدفاع النفسي:

ليست كل أشكال الهروب صاخبة أو بدائية، فبعضها يرتدي ثياب الثقافة و الوعي و التحليل النفسي العميق…
و هنا تكمن خطورة الإشكالية…
فالإنسان قد يغرق نفسه في قراءة ذاته و تحليل طفولته و تفكيك عقده النفسية، ليس دائما رغبة في الشفاء، بل أحيانا هروبا راقيا من الإعتراف بما يعرفه مسبقا…
حين يقول الإنسان لنفسه: “مشكلتي معقدة جدا و تحتاج إلى سنوات طويلة لتفهم”، فإنه يمنح ذاته مساحة مريحة لتعليق القرار… لأن ما يحتاج سنوات لا يفرض مواجهة فورية، أما الحقيقة البسيطة فتفعل في حينها…
أن تعترف مثلا بأنك تتألم لأنك تخون ذاتك كل يوم…
أن تدرك أن تعبك الحقيقي سببه بيئة تستنزف إنسانيتك…
أن تواجه حقيقة أنك تعيش لإرضاء الجميع إلا نفسك…
فهنا لا يعود أمامك ترف التأجيل…
و لهذا يصبح الغموض، أحيانا، أكثر من مجرد حالة فكرية، يصبح ملجأً نفسيا أنيقا للهروب من المسؤولية…

 

4) الوضوح ليس راحة… بل عبء وجودي:

قد يظن البعض أن الوصول إلى الحقيقة يحرر الإنسان فورا، لكن الحقيقة أن الوضوح قد يكون من أثقل الأعباء التي يحملها المرء في حياته…
فالإنسان قبل الوعي يعيش داخل الأعذار، أما بعد الوضوح فيصبح مسؤولا عن نفسه و قراراته…
و حين تسقط الأعذار، يبدأ العبء الحقيقي…لأن الإعتراف بالحقيقة لا يؤلم فقط لأنه يكشف الجرح، بل لأنه يفرض على الإنسان إتخاذ موقف حاسم منه…
فمن يدرك أن علاقة ما تحطمه نفسيا، لن يعود قادرا على التظاهر بالجهل…
و من يعترف أن طريقه الحالي يقتله ببطء، لن يستطيع النوم بنفس الطمأنينة القديمة…
لهذا يخاف كثيرون من الوضوح أكثر مما يخافون من الألم ذاته…
لأن الألم المجهول يمكن إحتماله، أما الألم المفهوم فيطالبك بالتغيير في الحين و بإلحاحية قصوى…
و هنا تتجلى العبارة بكل ثقلها الإنساني:
الغموض ملجأ… و الوضوح مسؤولية…

 

5) الحقيقة المؤجلة لا تموت:

الحقائق التي نتجاهلها لا تختفي، بل تغير شكل ظهورها فقط…
فالروح البشرية لا تنسى ما يحاول العقل دفنه، و الوعي المؤجل لا يموت بالتقادم…
قد تعود الحقيقة التي تجاهلتها في هيئة أرق طويل لا تعرف سببه، أو إنقباض مفاجئ في صدرك وسط يوم عادي، أو شعور غامض بالفراغ رغم إزدحام حياتك بكل شيء…
إن الجسد أحيانا يصرخ بما عجز اللسان عن الإعتراف به…و النفس حين تمنع من قول الحقيقة مباشرة، تبدأ في إرسال أنينها عبر الألم و التعب و الإنطفاء التدريجي…
لهذا لا يمكن للإنسان أن يهرب من ذاته إلى الأبد…فكل حقيقة مؤجلة تتحول مع الزمن إلى عبء داخلي يتسرب بصمت إلى تفاصيل حياتنا بالكامل…

 

6) بين الوعي النظري و الصدق الحقيقي مع الذات:

لقد أصبح الإنسان المعاصر يملك لغة نفسية واسعة، يتحدث عن الصدمات، و اللاوعي، و الأنماط السامة، و التشافي، و الحدود النفسية… لكن إمتلاك اللغة لا يعني دائما إمتلاك الشجاعة…
فهناك فرق هائل و شاسع بين أن تفهم ألمك، و بين أن تتوقف عن التعايش معه…
و بين أن تحلل جرحك، و بين أن تمنع إستمرار نزيفه…
بعض الناس يتحولون إلى محللين بارعين لأنفسهم، لكنهم يظلون عاجزين عن إتخاذ قرار واحد ينقذ أرواحهم…
يشرحون مأساتهم بدقة مذهلة، ثم يعودون إليها كل يوم و كأن شيئا لم يفهم…
إن الوعي الحقيقي لا يقاس بعدد المصطلحات التي نحفظها، بل بقدرتنا على الصدق مع أنفسنا حين تصبح الحقيقة غير مريحة…

 

7) الشجاعة الهادئة: بداية التشافي الحقيقي:

إن التشافي الحقيقي لا يبدأ دائما من الغوص في دهاليز الماضي، و لا من مطاردة كل ذكرى مؤلمة في أرشيف العمر…
أحيانا يبدأ من لحظة هادئة جدا… لحظة يتوقف فيها الإنسان عن الكذب على نفسه،
لحظة يقول فيها بصدق: “هذا يؤلمني.” “هذه الحياة لا تشبهني.” “هذا الصمت يطفئني.” “و هذا الطريق لم يعد طريقي…
قد تبدو هذه الجمل بسيطة، لكنها في الحقيقة لحظات ولادة داخلية جديدة…
لأن أصعب أنواع الشجاعة ليست مواجهة العالم، بل مواجهة الذات دون أقنعة…
و حين يمتلك الإنسان هذه الشجاعة الهادئة، يبدأ أخيرا في إستعادة نفسه من كل ما بعثرها.

 

في النهاية، قد ينجح الإنسان في تأجيل الحقيقة، لكنه لن ينجح في إلغائها.
فالرسائل التي نعلقها على رفوف التجاهل لا تضيع، بل تبقى هناك بصبر غامض، تنتظر اللحظة التي نملك فيها ما يكفي من الصدق و الجرأة للنظر إليها مباشرة…
إن الحياة لا ترهقنا دائما بسبب تعقيدها، بل أحيانا بسبب وضوحها الذي نحاول الهروب منه…
و لهذا قد تكون أكثر الأسئلة إيلاما ليست تلك التي لا نعرف جوابها، بل تلك التي نعرف جوابها منذ زمن بعيد و نواصل التظاهر بجهلها…
فالإنسان لا ينضج حين يكتشف كل أسرار نفسه، بل حين يتوقف أخيرا عن الهروب من أبسط حقائقه…
و ما بين الغموض الذي يحمينا مؤقتا، و الوضوح الذي يربكنا دائما ، و إن كان هو الشيء الوحيد الذي يحررنا من قثامة اليقين و أرق التفكير…و هو المسؤول عن بداية الرحلة الحقيقية نحو الذات بتباث…

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!