هل نحن نعيش الحقيقة… أم نعيش تفسيرنا لها فقط؟
الحلقة الأولى من سلسلة وعي و إرتقاء
بقلم ذة نجاة زين الدين
مدربة، كوتش و مستشارة نفسية
أيها الإنسان، قبل أن تشتكي من قسوة الواقع، توقف لحظة و بادر بسؤال نفسك: هل ما تراه هو الحقيقة؟؟؟ أم أنه مجرد صورة رسمتها ذاكرتك و ترجمتها لك لغتك الداخلية الصامتة؟؟؟ كم مرة صدقت فكرة فقيدتك؟؟؟ و إعتنقت شعورا فأضعفك؟؟؟ و رددت عبارات مغلوطة فصاغت مصيرك و جعلت منه قدرك دون أن تدري؟؟؟ إن أخطر ما قد يعيشه الإنسان ليس الجهل بالواقع، بل غفلته عن الكيفية التي يعيد بها تشكيل هذا الواقع من داخله. و هنا، بالضبط، تنفتح أبواب البرمجة اللغوية العصبية، لا كعلم جامد، بل كيقظة حادة تعيدك إلى مركز التحكم في ذاتك، لتهمس في داخلك: أنت لست ضحية لما حدث لك، كما تظن … بل أنت صانع لمعنى هذه الحياة… بمواقفك المخطئة و بقراراتك المتسرعة و بأحكامك الغير المتأنية و بتضحياتك اللامتوقفة و بعدم قدرتك على قول “لا”…و بمطاردتك سراب وهم خريطتك الذهنية المزيفة…و الأهم من كل هذا و ذاك بما تقدمه: عندما تظن أنه الأنجع و الأحسن و لكنه في حقيقة الأمر، عكس ذلك…
أولا: خريطتك الذهنية ليست هي الواقع… فإحذر أن تقدس وهمك
إن أولى لحظات التحرر الإنساني، هو حين تدرك أن ما تحمله في ذهنك من تصورات و أفكار عن هذا العالم الذي يحيط بك ليس هو العالم الحقيقي، بل حين تستوعب أن كل ذلك مجرد نسخة مصغرة عنه…فنحن لا نرى الأشياء كما هي، بل كما ندركها بوعينا الآني، بعدما نفلتر معطياتها، و نعيد تأويلها، حسب قراءاتنا الخاصة… فلكل واحد منا منظوره الخاص في سبر أغوار إكتشاف الآخر و الذات من مختلف الزوايا و المنطلقات… قراءات تتأثر بما راكمه كل واحد منا من معتقدات و معلومات و ما عاشه من ظروف و إكراهات… لهذا فإن فلكل واحد منا خريطته الذهنية الخاصة به، التي تشكلت من تجاربه، و ثقافته، و قناعاته، و مخاوفه أيضا، نعم مخاوفه المفتعلة أو الوهمية، هاته الأخيرة التي تأجلت أحيانا كثيرة بسببها قراراتك الحاسمة في الكثير من المواقف… لذلك، فحين تختلف مع الآخر، فأنت لا تصطدم بالحقيقة، بخريطته الذهنية المختلفة عن منظور تصورك و عن معطيات محيطك الخاصة فقط، لهذا فلن يجعلك وعيك بهذا المبدأ أكثر تسامحا و تفهما للآخر فقط بل سيمنحك القدرة على إعادة رسم خريطتك بصورة صحيحة، بدل أن تظل سجين خطوط تفسيرات لم تخترها بل برمجت عليها بالخطأ و سيجعلك هذا الإدراك تؤمن بنسبية معطياتك و بأن حكمك على الأشياء قد تم بناءا على رؤيتك للأمور من زاويتك الخاصة… زاوية قد تخطيء و قد تصيب، عندها فقط لن تجعل من الإختلاف مع ذلك الأخر بؤرة خلاف، بقدر ما ستدرك أن في ذلك الإختلاف رحمة و تكامل، و عندها لن تنسج دائرة من الهموم المغلوطة، بل ستبدأ في تفسير كل المعطيات التي تكتنف يومياتك بمنطق و عقلانية، و بحكمة و روية… متحملا مسؤولية قراراتك بعيدا عن كل صيغ التسويف و المماطلة، و مدركا أن وعي الساعة قابل للتجديد وفق معايير التغيير الوجودية و القواعد الكونية…و بأن المطلق غير مدرك و بأن الإيمان بتجديد الذات هو مستهل التغيير الحقيقي… قبل التشبت بتغيير الأخر…
ثانيا: وراء كل سلوك سلبي نية إيجابية… فإبحث عن الجذور لا عن الظلال
كم من سلوك أدناه لأن ظاهره مربك ؟؟؟و كم من إنسان حكمنا عليه ظلما لأننا لم نر دوافعه العميقة…؟؟؟ ففي منطق البرمجة اللغوية العصبية، لا يختزل الإنسان في أفعاله، بل يفهم من خلال نواياه الداخلية. فكل سلوك، مهما بدا سلبيا، يحمل في جوهره محاولة لتحقيق منفعة أو تجنب ألم أو تصور خير من زاوية ما…
فالخطأ ليس في النية، بل في الوسيلة… و من هنا، يصبح التغيير الحقيقي ليس في قمع السلوك، بل في إعادة توجيه النية الإيجابية نحو طرق أكثر وعيا و أكثر إتزانا…
ثالثا: لا وجود للفشل… بل رسائل تنتظر أن تفهم
ما الذي يحدث حين لا تسير الأمور كما أردت؟؟؟ هل تعلن الهزيمة، أم تحسن قراءة الرسالة؟؟؟ إن ما نسميه “فشلا اليوم” ليس سوى تغذية راجعة لما تلقيته من قواعد تربوية داخل الأسرة، و ما جبلت عليه من قمع أو تحفيز في الصغر، و ما تأثرت به داخل المدرسة و المجتمع و ما تلقيته من الإعلام السمعي و البصري و من كل الأخبار التي تتناقلها أمامك وسائل التواصل الإجتماعي، كل هذا لتنبهك إلى أن هناك خللا ما في الطريق، لا إلى عجز فيك: أبدا… فالفرق بين من يتقدم و من يتراجع، ليس في عدد التعثرات و مواقع السقوط، بل في طريقة تأويلها و تفسيرها… فإما أن تراها نهاية المسير فتحبط بذلك عزيمتك، أو تعتبرها معلما صامتا يقودك إلى تصحيح المسار، لتعيد كرة المحاولة من جديد بكل عزم و يقين لتنتصر على كل تلك المخاوف الوهمية التي تسكنك و تعيق تطور حياتك…فالثقة بالنفس و الإيمان بمخططاتك و أهدافك هو سبيلك الوحيد إلى النجاح، فدعي المخاوف جانبا و توكل على الله بكل جرأة و شجاعة، فالإقدام في اللحظة الحاسمة قد يغير حياتك إلى الأبد…
رابعا: كل ما تحتاجه يسكنك… لكن هل تعرف كيف تستدعيه لتخرج أفضل ما عندك؟
في أعماق كل واحد منا مخزون هائل من القدرات التي لم تستثمر بعد: القوة، الصبر، الإبداع، الحسم… كلها موارد كامنة، لا تحتاج إلى خلقها بقدر ما تحتاج إلى إستحضارها و توظيفها و تفعيلها… فالإنسان ليس كائنا ناقصا يبحث عن الإكتمال في الخارج، بل طاقة مكتملة تنتظر وعيا يحررها و مبادرة تجسدها و تفعلها… فحين تؤمن أن لديك ما يكفي لتتغير، تبدأ رحلة التغيير فعلا بكل إصرار و إرادة، لأنك حينها ستفعل دور عزيمتك الفاثرة…و ستستدعي وهج طموحك المتكاسل…
خامسا: المرونة سر التأثير… و من يتصلب ينكسر
الحياة لا تكافئ الأكثر عنادا، بل الأكثر قدرة على التكيف مع الواقع… فالمرونة ليست تنازلا، بل ذكاء في الإستجابة… فالشخص القادر على تغيير أسلوبه، و تعديل مقارباته، و التأقلم مع المتغيرات، هو الأقدر على التأثير في ذاته و في الآخرين…لأن الجمود وهم قوة، و نشوة غرور كاذبة…أما المرونة فهي قوة واعية تعرف متى تثبت وجودها و متى تنحني لعراقيل الحياة لتتجاوزها بقوة و صلابة دون تأثر سلبي بها و دون إستسلام لها…
سادسا: التواصل ليس ما تقوله… بل ما يصل منك إلى الآخر
كم من كلمات خرجت بنية حسنة، لكنها خلفت أثرا عكسيا!!! إن معيار التواصل الحقيقي ليس ما تقصده من قولك و فعلك، بل ما يفهمه الآخر من كل ذلك: فاللغة ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومة بل أداة لتشكيل وعي و فهم… فكلماتك قد تبني أو تهدم، تقرب أو تبعد، تلهم أو تحبط… لذلك، فإن إتقان التواصل يبدأ من وعيك بلغتك الداخلية أولا، ثم بقدرتك على ملامسة عوالم الآخرين بلطف و ذكاء دون نفث سموم الإحباط و لا عرقلة مسيرة أي كان، لذلك كن مشعل نور و تحفيزا للأمل لك و لكل محيطك، و إزرع الخير مهما إستصغرت شأنه، فالأثر يقاس بالنتيجة، لهذا فلا تتردد في الحسم… فرب قرار صارم الآن قد يصلح مستقبلك برمته، هذا القرار الذي أجلت البث فيه بتسويفات باطلة و أوهام زائفة…
سابعا: غير داخلك… يتغير عالمك
ليست المعجزات في الخارج، بل في تلك اللحظة التي تقرر فيها أن تعيد ترتيب ما بداخلك… فكرة واحدة قد تصحح، شعورا يعاد تأطيره، و معنى يتم إستبداله… و كل هذه الأمور كفيلة بأن تحدث سلسلة من التغييرات، قد تمتد إلى سلوكك اليومي، إلى قراراتك المعطلة، و إلى نتائج عملك المؤجلة… فالعالم الخارجي مجرد مرآة، و ما تراه فيها هو مجرد صدى لما تحمله في داخلك من مشاعر و دبدبات إيحاء…فتمسك بخيط النور و إن بدا لك باهثا، فإنه أكيد سيكون نبراس طريق التغيير، فقط لا تضيع الوقت في سؤال العجز المرير، فمكامن قدرتك على التغيير هي بداخلك لا في لوم الأخر و المحيط بدون تبرير…
فهل تملك الجرأة الآن لتعيد كتابة مسار حياتك بنفسك؟؟؟
بعد كل هذا، لم يعد السؤال: هل يمكنك التغيير؟؟؟ بل: هل تجرؤ عليه؟؟؟
هل تجرؤ على التشكيك في أفكار إعتبرتها إلى غاية الدقائق القليلة السابقة حقائق مطلقة؟؟؟
هل تجرؤ على تحمل مسؤولية قرارات حياتك بدل من لعب دور الضحية و إلقاء اللوم على الأخر و على الظروف؟؟؟
هل تجرؤ أن تعيد كتابة قصتك بوعي جديد لا بذاك التصور الرديء؟؟؟
إن البرمجة اللغوية العصبية ليست وعدا سحريا، بل مرآة صادقة تضعك أمام نفسك… فإما أن تختار البقاء كما أنت، أسيرا لخرائط موروثة خاطئة، أو أن تستجمع قوتك بكل حزم لترسم خريطتك بيدك، و تعلن بداية ميلادك الواعي الآن الآن و ليس غدا…
فالتحرر لا يمنح… بل ينتزع من داخل الذات…فهل ستكون في الموعد…؟


























