من برلين 1884 إلى غطرسة القوى الإمبريالية و النيوليبرالية في العالم الجديد في 2026:
حين تغير شكل التقسيم… و لم يتغير جوهره
الحلقة السادسة عشر من سلسلة شذرات فكرية
بقلم ذة نجاة زين الدين – المغرب
لم يكن العالم يوما بريئا كما يراد له أن يبدو، و لا كانت الصراعات الكبرى في عمقها، مجرد إختلافات أخلاقيةاو تباين في الرؤى و التصورات بين دول و حسب، بل كانت، في كثير من الأحيان، صراعا على من يملك الحق في السيطرة… لا على أحقية الحياة و الوجود بكرامة و في إحترام تام لمبدأ الإنسانية و الإختلاف و دون تمييز عرقي أو لوني أو ديني …
ففي نهاية القرن التاسع عشر، إجتمعت القوى الأوروبية في قاعة واحدة خلال
مؤتمر برلين سنة 1884، لا لتناقش مستقبل الإنسانية أو الإرتقاء بمكوناتها كما أسلفت، بل لتقتسم قارة بالكامل كما تقتسم الغنائم أو الكعكة لمرافقة كؤوس الشاي…
لم تدع إفريقيا…
و لم يستشر أهلها…
و مع ذلك، رسمت حدودها، و حددت مصائر شعوبها، و قرر مستقبلها المظلم، و تم الإتفاق بهدوء بارد على من سينهب ثرواتها و من سيستغل حياتها و من سيستعيد ساكنتها و على من كان عليه أن يكون مجرد وقود لتلك المطامع و ذلك الإستغلال…!!!كان ذلك مشهدا فاضحا لإستعمار مباشر و دنيء…سالت فيه الحريات و طنين فيه الحضارات…
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل إنتهى ذلك المنطق؟؟؟
أم أنه فقط… غير شكله و تسمياته و مبرراته؟؟؟؟
من الإستعمار الصريح إلى الهيمنة الذكية:
لم تعد القوى الكبرى اليوم بحاجة إلى عقد مؤتمر علني و حضوري لتقسيم العالم ببرلين أو بأي موقع آخر، لأن أدوات السيطرة في وقتنا الراهن أصبحت أكثر تعقيدا…و أكثر نعومة في نفس الآن، فمنذ أن أصبحت الإجتماعات لا تستدعي لقاءات مباشرة، بفضل البرامج الذكية، التي كفت و وفت بالغرض، لعقد إجتماع سريع و إتخاد القرار بشكل أسرع، قرار تديره إنتهازية المصالح لا تنميق الشعارات و لا مكر التصريحات.
نعم لم تعد الخرائط ترسم بالقلم الأحمر،
بل أصبحت ترسم عبر:
*)الإتفاقيات التجارية
*)القروض الدولية
*)النفوذ العسكري الغير المباشر
*)التحكم في التكنولوجيا و الطاقة
إنها نفس اللعبة…
لكن بقواعد و تقنيات جديدة…تقنيات VIP، و بقرار مكالمة بسيطة، يا للغرابة…
القوى الكبرى: صراع ظاهر… و تقاطع مصالح خفي:
اليوم، تبدو العلاقات بين القوى الكبرى كأنها صراع محتدم:
فالولايات المتحدة تدافع عن “النظام العالمي الوحيد” و الصين تطرح نفسها كقوة إقتصادية بديلة يعني كمصنع وحيد، و روسيا تسعى لإعادة تشكيل موازين القوة و أمجاد الإتحاد السوفياتي الآفلة لتوحيد صفه بالدول المستقلة أو المتمردة حسب زعمه، أما إسرائيل فإنها تتحرك ضمن شبكة التحالفات الإستراتيجية المعقدة و بتطبيعاتها المشؤومة، لتحقيق “إسرئليتها الكبرى” بكل أراضي المعمور لتوحد شتات شعبها الموزع بكل الخريطة العالمية، و الذي لم تكن له يوما أرضا أبدا…
لكن خلف هذا الصراع الظاهر، توجد حقيقة أكثر هدوءا… و أكثر إرباكا: فهذه القوى، رغم تنافسها، تتحرك داخل دائرة نفس المنطق: منطق المصالح، لا المبادئ كما تدعي و منطق أناها المغرور و الإنتهازي لا بالمنطق الإنساني الذي يتغنون به صباح مساء…التغليف الحقيقة بشكولاتة الكذب و النفاق السياسي…
فحين يتعلق الأمر بـ:
الطاقة، الموارد، الممرات البحرية و الأسواق فإن الخطاب الإيديولوجي يتراجع…
و تتقدمه البراغماتية الباردة و حصيلة أرقام المعاملات بالبورصات الدولية، التي لن تتحقق بدون سقوط ضحايا و شهداء هنا و هناك بسبب حروب مفتعلة و مبررات مزيفة…و إلا فأين ستباع تلك الأسلحة التي تنتج بإستثمار ملايير الدولارات؟؟؟ و هل من المعقول ترك بضاعتهم تبور، لذلك لابد من خلق أسواق لها و رصد ضحاياها بذهاء المارق/الساحق…
الرأسمالية المتوحشة… بأقنعة متعددة:
قد تختلف الشعارات:رأسمالية ليبرالية، إشتراكية بخصائص وطنية أو حتى بخطابات العدالة العالمية، لكن في العمق، نجد أن المنطق السائد واحد: تعظيم النفوذ…و تعظيم الربح و تحويل الإنسان إلى وقود لكل تلك الحروب البائسة…المهم أن يتم كل ذلك بأقل تكلفة ممكنة، و لا يهم من مات؟؟؟ و لا من شرد؟؟؟ و لا من جوع؟؟؟ و لا من ظلم؟؟؟ فحتى الأنظمة التي ترفع شعارات مغايرة،
تجد نفسها منخرطة في نفس السباق المحموم بصمتها اللامبرر و تواطئها اللامفهوم:
*)السيطرة على الموارد…
*)التوسع الإقتصادي…
*)تأمين النفوذ الجيوسياسي…
و هنا تسقط الثنائية السطحية الزائفة:
هذا رأسمالي… و ذاك شيوعي…
لأن الواقع يكشف أن:
النظام العالمي اليوم تحكمه شبكة مصالح، لا إيديولوجيات نقية و لا نوايا بريئة…و ليس في القنافذ أملس…
العالم النامي: من مستعمر إلى ساحة تنافس لنهب خيراته:
فكما كانت إفريقيا ضحية تقسيم خارجي في القرن التاسع عشر،
فإن كثيرا من دول العالم اليوم في إفريقيا، الشرق الأوسط، و أمريكا الجنوبية، تجد نفسها في موقع مشابه، لكن بصيغة مختلفة:
مشاريع بنيات تحتية مقابل نفوذ، و قروض مقابل شروط و دعم سياسي مقابل إصطفاف متستر أو ملحوظ: فالدول تحتل…بل تستدرج بذهاء الثعلب المتخفي بصوف الغنم…و الخطير أن الجميع يباع أو يبيع قميص إنتمائه و الإبتسامة تعتبر وجهه بكل سذاجة و يا أسفاه…
أخطر ما في المرحلة: وعي معلق أو مخدر:
المشكلة لم تعد فقط في القوى الكبرى،
بل في كيفية تفاعل شعوب الدول المستهدفة مع هذا الواقع. فحين يتحول العالم إلى: معسكرات متقابلة و إصطفاف أعمى، و تبني السرديات و الروايات الجاهزة بكل بلادة فإن أخطر ما يفقد هو:
القدرة على التفكير المستقل، و هنا تصبح الشعوب دون أن تدري، جزءا من تركيبة اللعبة، لا خارجها، و هنا مكمن الخطر و المصيدة…
فالعالم لم يتغير…بل تغيرت أدواته و آلياته، فلم يعد هناك مؤتمر برلين أكيد…
لكن هناك ما هو أخطر من ذلك: نظام عالمي جديد يعيد توزيع النفوذ بغطرسة و عنف و إستبداد و بإستمرار، دون إعلان، و دون ضجيج…
كما لم تعد الخرائط تقسم بالقوة فقط،
بل يعاد صياغة الهيمنة عليها عبر الإقتصاد، و التكنولوجيا، و التحالفات…و ذلك القروض و إملاءاتها…
فالعالم لا يحتاج إلى من يختار له معسكرا…بل يحتاج إلى من يراه كما هو بواقعية…
ليس المطلوب أن تنحاز أعمى، و لا أن ترفض كل شيء،
بل:
أن تفهم… قبل أن تصطف
أن تحلل… قبل أن تصدق
أن تفكر… قبل أن تكرر كالببغاء، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث، ليس أن تستغل الشعوب…بل أن تقنع نفسها بأنها تختار ما فرض عليها…أو على أنها صائبة في إختيارها…
وعي الشعوب: من الهشاشة إلى الفعل: كيف يتحول الإدراك إلى قوة تحرر:
لم تكن السيطرة يوما قائمة على قوة السلاح و العتاد وحدها…
بل إنها تدار من خلال تبليذ الوعي و تأخيره بشتى الوسائل…
فالدولة التي تقيد بديونها يمكن أن تتحرر منها في يوم ما…
و العملة التي تفرض يمكن أن تستبدل بأخرى…
لكن العقل الذي تعود التبعية و برمج عليها، هو أخطر ما يبقي سلاسل الإستعباد قائمة دون أن ترى…
إن أخطر ما أنتجه النظام العالمي الحديث، ليس الفقر فقط…بل التطبيع معه و الإستئناس به و إعتباره قدرا إلهيا و حتمية قارة بذريعة: أو ليس الله هو من فرق الأرزاق متناسين أن رب العباد حث على السعي و المثابرة و التوكل عليه و الأخد بالأسباب بالعمل و الإجتهاد…كما جعل التبعية إبتلاءا مسلما به لا وضعا وجب الثورة ضده و الإنتفاضة عليه…
كيف يعاد تشكيل وعي الشعوب داخل منظومة الإستعباد؟؟؟
لا يتم ذلك عبر خطاب واحد،
بل عبر منظومة متكاملة:
*)إعلام يصنع روايات جاهزة: يقدم العالم كمعسكرين، و يختزل الحقيقة في ثنائيات مبسطة…
*)تعليم منفصل عن الواقع: يخرج حافظين لا محللين إقتصاد ليزرع القلق الدائم و ليبقى الإنسان بذلك منشغلا بالبقاء لا بالتفكير…
*)ثقافة إستهلاكية تافهة: تقنع الإنسان أن قيمته فيما يملك لا فيما يفهم و هكذا، لا تقمع الشعوب فقط بل تبلد…و يعاد برمجتها لتتكيف مع القيد و تستجيب للقدر بكل خنوع و إنكسار…
متى يبدأ الوعي الحقيقي؟؟؟
يبدأ الوعي حين يتوقف الإنسان عن طرح السؤال السهل:
مع من أنا؟؟؟
ليبدأ بطرح السؤال الأصعب: من المستفيد مما يحدث؟؟؟ و لماذا؟؟؟ و كيف؟؟؟
فالوعي ليس موقفا مؤقتا…بل منهاجا تفكيريا متطورا و عقلانيا و ناضجا و مسؤولا…
كما أنه ليس شعارا…
بل قدرة على التفكيك و التحليل و التشريح بالعقل الذي فضلنا رب العباد على باقي الكائنات الحية…
من الوعي إلى الفعل: ما السبل الواقعية للتحرر؟؟؟
التحرر لا يتحقق بالخطابات و لا بالشعارات وحدها،
بل عبر آليات عملية قابلة للتنفيذ ب:
*)بناء عقل نقدي جماعي…
*)إدماج التفكير النقدي في التعليم و الإعلام، بعد فك الرقابة على هذا الأخير…
*)تعلم التحقق من المعلومات و مصادرها…
*)تدريب الأفراد على قراءة الأرقام و الإتفاقيات لا الإكتفاء بالشعارات و إستهلاك الصورة… و الإرتباك *)بالقراءة و معالجة
الإشكاليات بالحرف لا بالصورة فقط…
*)من تحويل المواطن من مستقبل سلبي و مستهلك مسلوب الإرادة إلى محلل واعي و مدرك لما يحدث حوله…
*)تحرير الوعي الإقتصادي ب:
-فهم كيف تعمل الديون المفروضة و أين تستثمر؟؟؟ و متى سلمت؟؟؟ و ماهي الإملاءات المرافقة لها؟؟؟ و لما لا نتخلص منها بصفة نهائية؟؟؟ و كذلك كيف تستخلص الضرائب؟؟؟ و أين تصرف و توظف؟؟؟مع التدقيق في أسباب التضخم؟؟؟…الخ
-ربط القرارات الحكومية بحياة الناس اليومية…
-نشر الثقافة المالية المبسطة…ليتم إستيعابها…
لأنه من لا يفهم الإقتصاد السياسي…
يستغل و يختزل في رقم في إحصائيات لوائحها فقط.
*)إعلام بديل و مسؤول ب:
-دعم المنصات المستقلة…
-إنتاج محتوى تحليلي عميق، لا ذاك الذي يبحث عن الإثارة و المناسبات لتحقيق البوز…
-كشف تضارب المصالح بدل إعادة تدوير الخطاب بسذاجة…
فالإعلام ليس مرآة فقط…بل أداة مهمة في تشكيل وعي الشعوب و سلطة رابعة…
*)إعادة ربط التعليم بالواقع ب:
-تعليم مهارات التفكير لا الحفظ البليذ…
-ربط المناهج بقضايا المجتمع الحقيقية و بتاريخ الشعوب النضالية لا التشبث الدائم بسردية أن الغرب هو نموذج النجاح و أن الشعوب المستعمرة ستبقى دائما فاشلة و ضحية…
-تشجيع البحث العلمي و التجريب للإرتقاء بالمستوى المعرفي لهذه الشعوب…
فالمدرسة إما أن تكون مصنع تبعية… أو ورشة وعي و تحرر.
*)إقتصاد مجتمعي، وطني مقاوم ب:
-دعم المنتوج الوطني
-تشجيع التعاونيات و المبادرات الصغيرة
-تقليل الإعتماد على الخارج تدريجيا
فالإستقلال يبدأ من القدرة على الإنتاج لا على الإستهلاك الأعمى للمنتوجات الأجنبية و تقديسها(المنتوج التركي بالنسبة للمغرب).
*)وعي رقمي و إستقلال معلوماتي ب:
-فهم كيف تعمل الخوارزميات للتصدي للتضليل المرافق لعملها….
-حماية البيانات و الخصوصية الوطنية…
-عدم الإنجرار وراء “الترند” دون تمحيص و تدقيق في التفكير و المعلومة نفسها…
لأن المعركة اليوم… رقمية بإمتياز.
*)مساءلة النخب و
المطالبة بالشفافية في عملها و تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة…
-رفض تبرير الفشل بإسم الظروف الدولية…فلا تحرر بدون مساءلة داخلية و ديمقراطية واقعية.
من الوعي الفردي إلى الوعي الجمعي:
الوعي الحقيقي لا يبقى أبدا فرديا…
بل يجب أن يتحول إلى:
*)نقاش عمومي ناضج و مسؤول و واضح…
*)ضغط مجتمعي…
*)تغيير تدريجي في السياسات العمومية و داخل تدبير الأحزاب السياسية نفسها…
و هنا فقط، يتحول الوعي من فكرة… إلى قوة إقتراحية تاريخية ثم إلى ضغط جماهيري ثم إلى حضور شعبي ثم إقليمي ثم قاري…
فالمعركة في وقتنا الراهن لا تدار رحاها بين الدول فقط…بل بين: وعي يحرر… و وعي يقيد، و من هنا نستنتج بأن أخطر أشكال الإستعمار اليوم ليس في من ينهب الأرض فقط…
بل الذي:
في من يقنعك أن ما يحدث طبيعي و يعلمك كيف تتكيف بكل خضوع و إستسلام مع الظلم، بل أكثر من هذا و ذاك يجعلك تدافع عما يقيدك بكل إذعان و إستيلاب للإرادة…كما يحدث الآن في إيران و فلسطين كما حدث في العراق و ليبيا و سوريا و اليمن و السودان و الصومال و مالي و النيجر…
لن يتغير العالم لأن القوى الكبرى قررت ذلك…بل سيتغير حين ترفض كل شعوب العالم أن تدار كأرقام…و حين تفهم و تستوعب ما يكتنف مصير وجودها…و حين تبدأ في تحليل ما يحيط بها ببصيرة و تبصر…و حين ترفض الإصطفاف الأعمى…
فحينها فقط، لن تحتاج إلى كسر السلاسل…لأن هاته الأخيرة ستسقط من تلقاء نفسها…
إذا الشعب يوما أراد الحياه فلا بد أن يستجيب القدر و لابد لليل أن ينجلي و لا بد للقيد أن ينكسر…


























