الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

حرب دينية من نوع خاص

عبد المولى المروري – كندا

«(*) رأيي في ورش مراجعة المدونة عبر عليه في العديد من المقالات من بينها حلقات ورش إصلاح المدونة، قراءات وتساؤلات خارج السياق..»

هل يُصدق محمد السادس ملك المغرب خرافات الإمام البخاري؟ ولماذا يخصص لكتابه صحيح البخاري احتفالا سنويا لختمه مع ما يتضمنه من أكاذيب وأحاديث خرافية تصادم العقل والعلم؟ هل يساهم الملك في نشر الخرافة والأساطير والأكاذيب بين المغاربة؟ هذه أسئلة أوجهها إلى «المفكر والمناضل الحقوقي الكبير» أحمد عصيد وإلى «العلامة النابغة الدكتور الأكاديمي» رشيد أيلال.. وأتمنى أن يمتلكا الشجاعة الفكرية والعلمية للجواب.. فالمثقف والعالم شخصان موضوعيان لا يخافان في الحق لومة لائم ولا غضب سلطان!

الكثير من المغاربة لا يدركون وجود حرب دينية خطيرة تدور رحاها بالمغرب، أو بتعبير أدق، لا يدركون وجود حرب شرسة شعواء ممنهجة على الإسلام، حرب متعددة الأبعاد والمجالات، تستعمل أسلحة فتاكة وغير شرعية ومحظورة أخلاقيا وعلميا، وتُنتهك فيها كل الأخلاق الإنسانية، والقواعد العلمية.. محورها الحالي والاستعجالي هو مدونة الأسرة.

قد يقول قائل إنني أبالغ أو أتخيل أشياء غير واقعية.. ولكن كل المعطيات والوقائع تدلل على وجود هذه الحرب، وأخذت شكلها العلني الوقح، بعد أن ظلت لسنوات حربا سرية جبانة لا يقوى أصحابها قبل خمس وعشرين سنة على الظهور للعلن وإعلان حربهم على الإسلام كما يفعلون اليوم…

إن الطعن في الإسلام كشريعة ومصدر للقوانين، والطعن مدونة الأسرة كآخر معقل له، لم تتم مهاجمته مباشرة في بادئ الأمر، بل كان التركيز ابتداءا على بعض رواة الحديث طعنا فيهم وتشكيكا في رواياتهم، ومن أهم من تم الطعن فيه أبي هريرة رضي الله عنه، عندما كتب أحدهم كتابا تحت عنوان «أكثر أبو هريرة»، هذا الكتاب الذي تم الترويج له بطريقة كبيرة، وتم الاحتفاء إعلاميا بصاحبه في مناسبات عديدة حتى يكتسب شهرة واسعة، ويصبح كتابه مرجعا يتهافت عليه بسطاء الفكر ومحدودي العلم والمعرفة..

وظهر بعده شخص يسمى رشيد أيلال، لا علم له ولا معرفة وبلا تكوين أكاديمي معترف به، مطرود من السنة ثانية إعدادي ليكتب كتابا عن شخص يتجاوزه علما وفقها بملايين السنوات الضوئية، سماه «صحيح البخاري، نهاية أسطورة». وكان الهدف من هذا الكتاب هو محاولة – في المرحلة الأولى – إسقاط ثاني مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، وهي السنة النبوية التي تستمد وجود أغلبها من صحيح البخاري..

وبعد ذلك انتقل -وفي المرحلة الثانية – هذا المستخدم صحبة أحمد عصيد إلى التشكيك في بعض آيات القرآن المحكمة وقطعية الدلالة.. هكذا بكل وقاحة وقلة حياء.. تحت مرأى ومسمع من الدولة، حتى لا أقول برعاية بعض مسؤولي الدولة النافذين..

لقد تكشفت – الآن – الحرب على الإسلام، وأصبحت علنية ومباشرة من خلال ما يصرح به هؤلاء اللكعيون عبر قنواتهم وبعض المنابر الإعلامية المغربية المرخص لها والمستفيدة من دعم أموال المغاربة المسلمين.. حرب لم تعد سرية ولا خفية، بل صريحة وواضحة ومباشرة.. إلا لمن أراد أن يبقى مغفلا أو أعمى وأصم.. ويتجاهل وجودها وسُعار أصحابها..

أنا أدرك جيدا أن هاذين الشخصين والقلة المجهرية التي إلى جانبهم مسخرون ومستخدمون من طرف جهات داخلية وخارجية، ومكلفون بمهمة التشكيك في الإسلام وثوابته ومصادره وقرآنه وسنته.. وهم ينفذون هذه المهمة بحماس وشغف.. فما يقومون به يخدم المشروع الفرنكو/صهيوني المكلف بالمغرب، والتيار الأوليغارشي المخزني المسيطر على مفاصيل الدولة..

ولكن هل وقف الأمر عند هذا الحد؟ ما هو الخطير في كل هذا؟

عندما فتح الملك ورش مراجعة المدونة(*)، في خطابه ذاك حدد إطارا واضحا يؤطر كل المشاورات والمشاركات والاقتراحات ذات الصلة، من خلال عبارته «لن أحل ما حرم الله، ولن أحرم ما أحل الله»، وهي عبارة مستوحات من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (تطرقت إلى ذلك في مقال سابق تحت عنوان: المدونة بين التحليل والتحريم)، إلا أن هؤلاء اللكعيين ضربوا بتأطير الملك عرض الحائط، وأخذوا يقحمون قسرا مقترحات تصادم الإسلام في نصوصه المقدسة وتشريعاته المعتبرة.. بل إن هذا التجاوز امتد إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو المؤسسة الدستورية التي كان من الواجب عليها أن تكون أكثر احتراما وانضباطا وامتثالا للتأطير الملكي الشرعي، فما الذي حملها على التمرد على ملك البلاد بصفته أمير المؤمنين؟

هذا السؤال لا يجب تجاهله أو القفز عليه، لأنه من الخطير أن تنحرف مؤسسة دستورية مهمة عن التأطير والتوجيه الذي أمر به الملك، وتأتي هذه المؤسسة بما يناقضه جملة وتفصيلا! وهذا يعيد ذلك التساؤل الذي وضعته سابقا حول سجال أو صراع المؤسسات الدستورية، والذي تسبب لي في حملة واسعة من التشهير والتهجم والتضييق كنت عرضة لها، وفي مشاكل أخرى كثيرة..

وقتها لاحظت أن هناك بعض المؤسسات التابعة لرئيس الحكومة تهاجم المؤسسات الدستورية التابعة للملك، ونبهت خلالها أن رئاسة البرلمان تطاولت على مؤسسة المجلس الأعلى للحسابات، هذه المؤسسة الدستورية التي يكون التعيين فيها ملكيا، ورغم التقارير الخطيرة التي تنجزها حول مالية بعض المؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية، فلا أحد يكترث لما تنجزه من تقارير. ولا حظت أيضا تجاهل رئيس الحكومة لملاحظات بنك المغرب وللمندوبية السامية للتخطيط التي تنبه إلى أخطاء ومشاكل الحكومة تجاهلا مستمرا وممنهجا. والكل تابع كيف تهجمت المندوبية العامة للسجون على القضاء وتحميله مسؤولية اكتظاظ السجون.. وكل هذه الوقائع تؤشر على وجود أزمة غير معلنة بين مختلف مؤسسات الدولة، منها ما هو تابع دستوريا للملك، ومنها ما هو تابع لرئيس الحكومة..

وفي هذا السياق، وفي تحول ملفت للنظر، نجد أن رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان كمؤسسة دستورية يُعين رئيسها مباشرة من طرف الملك تخرج عن تعليمات وتوجيه من عينها.. فهل هذا أمر عادي ولا يثير أي تساؤل أو استغراب؟

هل ما قامت به رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان مبادرة (أو وقاحة) شخصية، أم إن ذلك بإيعاز وتوجيه من جهة ما؟ فمن الصعب تقبل أن هذا الانحراف الخطير الذي سينقلب على منظومة القيم والتشريع المتعلق بالأسرة المغربية هو مباردة (أو مغامرة) شخصية دون أن يكون هناك دعم ما من جهة ما مصحوب بحماية مضمونة وتمويل سخي..

الكثير من المؤشرات الواضحة تشير لوجود حرب بالوكالة على الإسلام بالمغرب، قيادتها وتوجيهها من خارج البلاد، ومرتزقتها يوجدون بالداخل، يعيشون بين المغاربة، ويستعملون منابرهم وقاعاتهم العمومية.. ويأخذون أجورا سخية من ميزانية الشعب المغربي.. وخطرها لا يقف عند الإسلام فحسب، بل يمتد إلى ضرب ثوابت المغرب ووحدته وتماسكه..

فعندما يتعرض هؤلاء بالطعن والتشكيك والتسفيه للقرآن والسنة في دولة تبني وجودها على أسس شرعية مستمدة من القرآن والسنة، فإنهم يستهدفون بالتبعية أسس ومرتكزات هذه الدولة، وأخص بالذكر هنا مؤسسة إمارة المؤمنين وعقد البيعة الذي على أساسه ينتقل الملك..

طبعا لا يخفى على أحد أن مفهوم «أمير المؤمنين» مفهوم شرعي أجمعت عليه الأمة وأقرته بدءا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد عمر بن الخطاب، وهذه المؤسسة تستمد شرعيتها من كتاب الله وسنة رسوله بالأدلة الشرعية الثابتة والمتواترة.. وعندما يأتي شخص ما ويطعن في وجود عمر بن الخطاب وأبي بكر أصلا، ويسفه المراجع التي تستمد منها كل الأحاديث التي تتحدث عن الكثير من الأحكام الشرعية المفصلة للقرآن أو المقيدة له .. ويسب الصحابة الذين أوصلوا لنا الإسلام، ويسخر من العديد من الأحاديث التي جاءت في صحيح البخاري، فإن هذا الشخص ومن سخره، ومن دعمه، ومن يحميه، ومن يوسع له شهرته، فإنما يأتون بالهدم على الأسس الشرعية التي يقف عليها بنيان مؤسسة إمارة المؤمنين.. ورغم ذلك يُرحب بالمسمى رشيد أيلال أحد مرتزقة محاربة الإسلام أمام اللجنة التي عينها الملك للنظر في مقترحات مراجعة المدونة، وهو يحمله في يده كل الأوراق التي تطعن في الأصل الشرعي لإمارة المؤمنين..

وطبعا لا يخفى على أحد مفهوم «البيعة الشرعية»، فهذه ليست طريقة تقليدية لتقلد الحكم كما يتوهم البعض، بل هي نظام حكم متكامل، مرجعيتها منظومة أحكام مستمدة هي الأخرى من القرآن والسنة، وعندما يتم الطعن في المصدرين الرئيسين من طرف أحمد عصيد ورشيد أيلال من خلال تسفيه بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، في الطعن يستهدف المنظومة كلها، فالتشكيك في الجزء ينتقل بالضرورة إلى التشكيك في الكل، فالله يقول في قرآنه الكريم «ما فرطنا في الكتاب من شيء» يعني القرآن وهو القول الراجح، وقوله تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون»، وعندما يتم الطعن في آية واحدة من آيات القرآن فهذا إسقاط لحفظ الله للقرآن، وهكذا يتوالى عمل تسفيه كلام الله، في أفق إلغاءه من حياة الناس كمصدر للتشريع.. وعندما يصبح كذلك سيتم إسقاط كل ما يُستمد من الكتاب والسنة، ومن ضمنها عقد البيعة ومؤسسة إمارة المؤمنين..

فرشيد أيلال الذي خاض فيما لا قبل له به، ضعيف جدا إلى غاية البؤس في اللغة العربية، فمستواها الدراسي فيها توقف عند المستوى الإعدادي، وضعف مستواها واضح وجلي لكل من سمعه يتكلم، لذلك فباب العلوم الشرعية مغلق في وجهه لهذا السبب، إضافة إلى ما أضافه إلى جهله من غرور وتكبر وأسلوب بذيء في حديثة عن الصحابة ومخاطبته للعلماء، واللغة العربية ليست هي الكتابة الأدبية والنثرية والشعر الحر، وليست هي الكتابة الصحفية والإنشائية وإلقاء المحاضرات، وليست في حفظ بضع عشرات من الكلمات المتعلقة بالعلوم الشرعية وترديدها على مسامع البسطاء لإيهامهم بأنه متمكن.. إن علوم العربية علوم دقيقة، وفنونها وفروعها كثيرة ومتعددة، ومعقدة جدا في مستوياتها العليا، وإتقان اللغة العربية على هذا المستوى إتقانا جيدا هو شرط أساسي لولوج العلوم الشرعية، سواء تعلق بعلم المصطلحات أو علوم  الحديث أو علوم القرآن والتفسير أو الأصول أو الفقه أو المقاصد أو القواعد الشرعية وغيرها من العلوم.. ولكل علم من هذه العلوم مناهجه وأصوله وقواعده ومصطلحاته الخاصة التي تشترط إتقان علوم وفنون اللغة العربية كشرط أولي وأساسي قبل الحديث فيها.. فكيف لرجل يخطأ في تكوين جملة عربية بسيطة الدخول في غمار علم الحديث وفروعه ومصطلحاته؟

السؤال المهم، هل يدركون هؤلاء اللكعيين والرويبضة مآلات ما يقومون به؟ هل يعلمون خطورة التشكيك – على جهلهم هذا – في القرآن والسنة؟ وإلى أي حد يمكن أن يصل بهم عملهم من تهديد وتقويض لأركان الدولة وأسسها التي تقف عليها منذ قرون؟

بالطبع هم يدركون ويعلمون ذلك جيدا، وهم يعملون عليه أيضا..

الكتيبة التي تخوض الحرب حاليا على الإسلام وتشريعاته وأصوله تتكون من وطنجية إعلاميين، ولُكَعيين مندسين في أوساط المثقفين والمفكرين، بدعم من بعض الشخصيات النافذة الذين يختفون وراء الكواليس حتى لا ينفضح أمرهم بين الناس، لأن معظمهم قد يكونون مسؤولين في الدولة، ولهم ارتباطات وولاءات وأجندات خارجية، فإذا انكشف أمرهم رماهم الناس بالخيانة والعمالة للخارج..

ومن أبرز المسخرين في هذه الكتيبة كما سبقت الإشارة إلى ذلك، والذين لمع نجمهم مؤخرا في فضاءات التواصل الاجتماعي؛ أحمد عصيد ورشيد أيلال.. حيث فتحت لهم المنابر بالعشرات، والعديد من القاعات العمومية ما لم تفتح للعديد من العلماء والمفكرين الوطنيين.. فهل يعتبر هذا الدعم والإشهار الذي يحظون به أمرًا بريئا رغم خطورة ما يقومونه به على الدولة وأمنها واستقرارها؟ ولا يفوتني هنا التأكيد على أن هاذين النموذجين ما هما إلا أدوات تستعمل بقذارة للضرب في ثوابت وأسس الأمة، مآلهما في نهاية المطاف هو النفايات عندما تنتهي صلاحيتهما كما فُعل بمن سبقهم، وبقي القرآن خالدا، وبقي صحيح البخاري شامخا عبر قرون وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..

بطبيعة الحال، وفي الجهة المقابلة، لا يخفى على الدولة خطورة ما يقوم به هؤلاء المرتزقة واللكعيين، وهي تدرك جيدا أن السماح لهؤلاء ببث سمومهم القاتلة وأفكارهم الإجرامية له مآلات خطيرة على أركانها وأسسها، وفي الوقت نفسه لا يمكنها أن تتهمهم بجريمة التشكيك في عقيدة المغاربة!! وهذا سؤال لمن أجد له جواب، لماذا تفتح الدولة أبواب حرية التعبير في وجههم خاصة، في حين تغلقها في وجه آخرين، علما أنه ما يفعله هؤلاء اللكعيين لا علاقة له لا بحرية التعبير ولا بالعلم ولا بالبحث..

وبطبيعة الحال الدولة تعلم بذلك الكتاب الذي أصدره رشيد أيلال من أجل الطعن في صحيح البخاري، وتلك البهرجة الكبيرة التي خُص بها من أجل نشره وإشهاره والاحتفال به، خاصة في أيام فتح ورش مراجعة مدونة الأسرة.. فما هي الدلالة التي حملتها ليلة السابع والعشرين من رمضان احتفالا بختم صحيح البخاري تحت رئاسة الملك؟ هل هناك رسالة ما وراء ذلك الاحتفال موجهة إلى من يستخدم ويستعمل رشيد أيلال وأحمد عصيد للطعن في صحيح البخاري؟

هل يستطيع رشيد أيلال بصفته مستخدما شغوفا عند من كلفه بمهمة الطعن في صحيح البخاري أن يعلق على ترؤس ملك البلاد لحفل ختم صحيح البخاري؟ أنتظر منه جوابا!

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات