الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مدونة الأسرة

بين النقاش العمومي والقرار الرسمي

 

 

 

عبد المولى المروري – كندا

 

منذ انطلاق ورش إصلاح أو تغيير مدونة الأسرة لم أخف موقفي و رأيي في الموضوع، بأن هذا الورش ما هو في عمقه و حقيقته إلا ورشا وطنيا كبيرا من أجل إلهاء الشعب المغربي عن قضاياه المصيرية وذات الأولوية، ومن أجل تغيير مركز اهتمامه عنها، والتي تتمثل في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، إضافة إلى مواقف المغرب الأخيرة المتخاذلة تجاه ما يعيشه أهل غزة، وإمعانه في مخططاته التطبيعية مع الكيان.. وأن هذا الورش جاء فقط للقفز على كل ذلك خدمة للمشروع الفرنكوصهيوني.. وإبعاد الشعب عن التركيز في مشاكله وأزماته الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تسببت له فيها الحكومة الأوليغارشية..

 

و مع اقتراب انتهاء مهلة النقاش العمومي حول الموضوع، أصبح من الراجح، و مما يتسرب من هنا وهناك، أن الصيغة النهائية لمشروع المدونة الجديد سيكون خارج مخرجات النقاش العمومي الذي ملأ الدنيا و أوقف المغرب على رجل واحدة.. كل هذه المدة، وبدون نتيجة!

 

يبدو أن الجهات الرسمية غير مقتنعة بما يكفي بالنقاش العمومي، ولا سيما من جهة أصحاب الخروج عن المرجعية الإسلامية، مع كل الدعم والمساعدات و الإمكانيات التي وُضعت رهن إشارتهم وتحت تصرفهم، من قنوات وإذاعات ومنصات… و رغم تجييش العشرات من الإعلاميين و الأساتذة من دعاة الالتحاق بالمرجعية الكونية على حساب المرجعية الإسلامية.. بعدما وصلت إلى هذه الجهات استطلاعات للرأي المغربي التي تفيد تشبث أغلبية الشعب بمرجعيته، و لا استعداد لديه للتخلي عنها..

 

والملاحظ أيضا أنه رغم تراجع العلماء والدعاة والمثقفين المغاربة إلا القليل منهم (وأخص بالقليل كل من الدكتور مصطفى بنحمزة والدكتور أحمد الريسوني وياسين العمري وعبد النور بازا)، والاكتفاء بحزب مغربي واحد تمثل في حزب العدالة والتنمية الذي أصر على ضرورة التشبث بالمرجعية الإسلامية، أمام اختفاء حزب وطني عريق عُرف بنشأته السلفية، وهو حزب الاستقلال، عن هذا النقاش العمومي، فإن الشعب المغربي حسب استطلاعات الرأي تلك عبر عن رفضه لأي تغيير يمس قطعيات الدين وثوابته التشريعية التي لها علاقة بالأسرة..

 

نتائج النقاش العمومي كانت مخيبة للتيار المتمرد على المرجعية وكذا الجهات الرسمية الداعمة له، الأمر الذي سيصعب على هذه الأخيرة الخروج بالصيغة النهائية لهذا المشروع، الذي من المنتظر أن يكون صادما لمشاعر المغاربة المتشبثين بمرجعيتهم الإسلامية (حسب كلام منسوب لأحمد عصيد)، فرغم إضعاف حزب العدالة والتنمية (المحافظ) والانقلاب عليه انتخابيا والتضييق عليه إعلاميا وسياسيا، ورغم التضييق على العلماء المتنورين والمثقفين الملتزمين والدعاة الوطنيين، ورغم إغراق الإعلام المغربي والقنوات الرسمية المغربية بمواد فنية وثقافية من أجل تغيير قيم المغاربة واستبدال نظرتهم إلى العلاقات الاجتماعية (الزواج، العلاقات الرضائية، المثلية، الإجهاض، زواج القاصر، الإرث) بأخرى تتماشى مع ما تدعو له القيم الغربية المنسلخة عن الدين والقيم الإنسانية المنسجمة مع الفطرة، فرغم كل ذلك، أبان الشعب المغربي عن رفضه لأي تغيير يمس قطعيات الدين في مجال الأسرة..

 

هذا وضع في غاية الحرج، كيف سيتم تقديم هذا المشروع؟ مشروع لم يخرج من رحم النقاش العمومي، ولم يخرج من صميم اهتمامات المغاربة، بل هو خارج عن إجماع هذه الأمة ذات 12 قرنا في الالتزام بالمرجعية الإسلامية التي لم يتبق منها إلا ذلك الشق المتعلق بالأسرة.. كل هذه السنوات من التدجين، كل هذه الحملات الإعلامية الممسوخة، كل هذه الأنشطة التافهة التي ربما لعبت بعقول ونفسية المغاربة على مستوى الدفاع عن حقوقه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وجعلته عاجزا عن التحرك من أجل المطالبة بها والنضال من أجلها، إلا أن كل تلك الحملات والأنشطة التي أنفقت عليها الدولة أموالا طائلة وخصصت لها كتائب من الإعلاميين التافهين والمثقفين المخادعين والعلماء المزيفين لم تفلح في فك ارتباط الشعب المغربي بحقوقه الثقافية ومرجعيته الدينية..

 

اليوم يخرج بعض دعاة الانسلاخ من المرجعية (أحمد عصيد) بخطاب تأكيدي مغرق في الوثوقية بأن التغيير وفق المنظومة الكونية قادم لا محالة، وعلى من يسميهم بالسلفيين والمحافظين والرجعيين أن يستعدوا نفسيا لذلك حتى لا يسقطوا ضحية الصدمة، وهذا خطاب يؤكد ما ذكرته وأذكره دائما، أن الصيغة النهائية لا ولن تكون لها أي علاقة لا بالنقاش العمومي ولا بمخرجاته ولا بإجماع المغاربة.

 

علما أنه لم يكن هناك أي نقاش عمومي مؤطر فكريا ومنظم مؤسساتنا ومسؤول وطنيا، بل كل ما كان هناك تراشقات وملاسنات واتهامات متبادلة بين المعسكرين والجبهتين.. وكل فصيل يخاطب أنصاره ويحاور أتباعه، وهذا أمر كان مبرمج ومخطط له، ذلك أنه لو أرادت الدولة تأطير النقاش واحتضانه بتنظيم لقاءات علمية جادة لاستدعت لها دوي الاختصاص والمؤهلات العلمية والأكاديمية والفقهية والشرعية والقانونية للخروج بتوصيات واقتراحات علمية وواقعية، ولأذاعت ذلك في قنواتها الرسمية ليتابعها عموم المغاربة الذين يعنيهم الموضوع بالدرجة الأولى، ولهيأت لكل ذلك ظروفه وأسبابه ووسائله، لكنها أرادت إن يكون النقاش عشوائيا ومبعثرا حتى تشتغل داخل تناقضاته واضطراباته وخصوماته براحة وهدوء، اعتقادا منها أن ما هيأته لمن جندتهم كاف للتأثير على عقول وقيم المغاربة، إلا أن كل ذلك باء بفشل ذريع..

 

أخيرا، وحسب أحمد عصيد، يجب أن يستعد المغاربة للصدمة القادمة، ربما ستعمل الدولة على تخفيف هذه الصدمة بنصوص قانونية جديدة مطاطة ومبهمة، وحلول مفتوحة على كل شيء، تدخل الجميع في عالم من التأويل والتأويل المضاد، باستدعاء بعض الاجتهادات الفقهية الشاذة والغريبة من مدارس فقهية أخرى.. ويبقى إعمال تلك النصوص متروكا للقضاء حسب اجتهاده واقتناعه والحالة المعروضة عليه، ورغبةَ من يعنيهم الأمر.. وبهذه الطريقة سترضي الجميع حسب ما تعتقد، ولكن ربما سيكون للواقع رأي آخر..

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات