الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

غزة الآلام، وأنظمة الخذلان
من أجل ميلاد جديد

 

 

عبد المولى المروري – كندا

 

كل شيء مؤلم في غزة، كل المشاهد تجعل المرء يبكي بدل الدمع دما.. كل شيء حزين ومحزن.. كل ما يقع هناك من مآسي وفظائع وحشية وصلت ذروتها وحدها الأقصى الذي لا شيء بعده ولا فوقه.. القتل العشوائي والمنهجي، بالحرق والقنابل المحرمة والغبية، بالرصاص والصواريخ الموجهة إلى الأطفال والنساء والمرضى، وسرقة الجثث وأعضاء الموتى، واختطاف الأطفال، وقتل الأجنة في بطون أمهاتهم، الإبادة الجماعية، وقصف أحياء وأسر وجماعات ومهجرين.. الدمار الشامل، التدمير الكلي، عمارات ومنازل ومستشفيات ومدارس ومساجد وكنائس، التهجير الجماعي، والتشريد … حرب إبادة وجرائم وحشية ضد الإنسانية لم يشهد العصر الحالي مثيلا لها، تحت مرأى ومسمع العالم، ودعم ورعاية كاملة لحكومات العالم الغربي المنافق بقيادة أمريكا، وخذلان الأنظمة العربية بقيادة الإمارات العربية..

 

أهل غزة يعيشون منذ 7 أكتوبر تحت وطأة جميع الجرائم التي قد تتخيلها، والتي لن تتخيلها أبدًا.. لا توجد جريمة في هذه الدنيا إلا وكان أهل غزة ضحيتها .. والكيان الغاصب استجمع جميع جرائم الكون والبشر ونفذها كلها على أهل غزة.. بوحشية وهمجية استجمعت كل أحقاد وشرور الجن والإنس..

 

لذلك أصبحت غزة عاصمة كل الأحزان الموزعة على الدنيا، ومركز كل الآلام المنتشرة في أصقاع الأرض.. وكأن كل أحزان وآلام الأرض والبشر هاجرت هجرة جماعية لتستوطن في قلوب ونفوس وأجساد أهل غزة.. الذين تقبلوها بعزة الأعزة، وصبر المحتسبين المؤمنين بالنصر القادم على أكفان الشهادة..

 

فرغم كل هذا الآلام والأحزان التي تستوطن غزة وأهلها، هناك ألم خاص، سبب لهم حزنا استثنائيا فظيعا، لا تقوى نفس على تحمله، ولا قلب على تقبله، إنه ألم الخيانة التي تفوح رائحتها النتنة من مواقف بعض الأنظمة العربية، والتي وصل بعضها إلى الاعتراض على قرار فرض عقوبات على الكيان الغاصب من أجل إرغامه على إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة.. والنتيجة المترتبة عن هذا الموقف (البطولي الصهيوني) المغرق في الخيانة والخذلان استمرار الحصار على غزة، ومواصلة القتل والتهجير، والموت الناتج عن المرض أو الجروح التي لم تعالج بسبب غياب الأدوية، النتيجة موت الأطفال والرضع بسبب الجوع والعطش.. لم يستحي ولا نظام عربي واحد من نفسه.. أما الستة الرافضون (أو الروافض) فقد وقَّعوا جميعهم على شهادة الخيانة العظمى التي ستلاحقهم أبد الدهر .. لقد أعطوا للكيان الغاصب إذنا مفتوحا وضمانات مطلقة ليواصل مسلسل جرائمه الفظيعة والوحشية اللامتناهية.. لقد قالها طرف بن العبد في العصر الجاهلي:

 

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند..

 

وهذا ليس ظلم ذوي القربى فحسب، بل هو «ظلم وخيانة وتواطؤ وخذلان وغدر» القربى والقريب، الأخ والشقيق، والجار والحبيب.. فكيف ستكون المرارة القادمة من هؤلاء وهي مجتمعة في هذه الموبقات والخوارم الخمس..

 

ويا ليت المرارة والألم والحزن وقف عند ذلك الحد، فعندما يرى أهل غزة أن الدعم والتضامن القوي والفعال قادم من بعيد، بعيد مسافة وعلاقة، قادم من جنوب الكرة الأرضية، من أهل لا تربطهم معهم لا حدود، لا جوار، لا دين، لا لغة، لا عرق، لا دم، لا مصالح اقتصادية، ولا اتفاقيات عسكرية أو سياسية، فقط العلاقة الإنسانية، والضمير الحي، والقيم الأخلاقية .. دعم رسمي من دولة جنوب إفريقيا التي وضعت شكاية لدى محكمة العدل الدولية، ودعم مدني من طرف 100 محامي من دولة الشيلي الذين وضعوا شكاية لدى المحكمة الجنائية الدولية.. المبادرة الأولى من أقصى جنوب القارة الأفريقية، والمبادرة الثانية من أقصى جنوب القارة الأمريكية.. فإذا كان التعاطف العملي والتضامن الفعلي قادم من بعيد مبعث أمل وفرج قريب، فلا يمكن أن يكون ذلك إلا ممزوجا بحرقة ألم الخذلان ومرارة التآمر التي كان أبطالها الحكام العرب، بل وصل بالرئيس المصري إلى المشاركة في جريمة عدم فتح  معبر رفح في مواجهة قوافل المساعدات المخصصة لأهل غزة، فضيحة فجرها دفاع الكيان الغاصب في المحكمة الدولية في لاهاي.. قرار النظام المصري بإغلاق معبر رفح في مواجهة المساعدات هو جريمة ضد الإنسانية مكتملة الأركان، وجريمة المشاركة في إبادة شعب غزة المحاصر منذ 17 سنة..

 

الألم يتضاعف ويتنامى ويشتد عندما يرى أهل غزة 22 دولة عربية تجمعهم معهم رابطة الدم واللغة والدين والجوار، لا ينقصهم لا مال ولا سلاح ولا جنود، ولكنهم عبارة عن وبالٍ وهمٍ وغمٍ وعبء ثقيل عليهم، ووصمة عار في جبين الأخوة العربية والدينية، والستة الخونة الكبار هم عار على الدين والعروبة أكثر من غيرهم، وشنار على الأخوة والجوار.. وخزي على الضمير والإنسانية.. لأن الستة الخونة كانوا دعما للكيان ضد قرار العقوبات التي كان من الضروري أن تفرض عليه، وكانوا سندا له في مواجهة المقاومة.. فالنظام المصري كما سبق ذكره يغلق معبر رفح في وجه المساعدات، ونظام الأردن يدخل الخضر والمؤونة للكيان الغاصب، ونظام الإمارات العربية يدعم بالمال حكومة الكيان الغاصب وأنظمة الدول العربية المتآمرة، ونظام المغرب يدعم سياسيا.. وهكذا ..

 

كيف سيكون وجع أهل غزة وهم ينظرون إلى هذه المواقف المتآمرة عليه؟ وكيف سيكون ألمه؟ وجع على وجع، وألم يتلوه ألم، وحزن فوق حزن.. ومع ذلك تجد هذا الشعب صابرا محتسبا، صامدا مقاوما، متشبثا بأرضه، مفتخرا بمقاومته.. يقدم كل يوم مواكب الشهداء المتوجين بتيجان العزة والكرامة التي تنازلت عنها الأنظمة العربية، وجردت منها شعوبها العربية..

 

ذلك الوجع والصبر الغزاوي مع ذلك الخذلان والتآمر الرسمي العربي لن يستمرا هكذا إلى الأبد، فقد اقتضت سنة الله وحكمه وقضاؤه أن يعلو الحق على الباطل، «بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق»، فتحرير الأرض حق وواجب، والتطبيع مع المحتل خيانة وباطل، «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين»، لقد اختار حكام الأنظمة العربية أن يوالوا ويتحالفوا مع اليهود والنصارى ضد إخوانهم المسلمين المستضعفين، ففيهم قال الله تعالى (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ)، وحكم الله واضح صريح بمقتضى القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. وعلى هؤلاء الخونة وأسيادهم من اليهود والنصارى أن يعلموا أن وعد الله حق، وهو القائل سبحانه وتعالى:

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ).. (سَیُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَیُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ، بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ)..

 

لذلك فهو واهم من يعتقد أن شعب غزة سينكسر أو يستسلم، واهم من يعتقد أن العدوان سينتصر على المقاومة وحاضنتها الشعبية.. واهم من يعتقد أن الحال سيبقى هو الحال، وأن الوعي سيبقى هو الوعي، والتوازنات ستبقى هي التوازنات.. فتلك البقعة المجهرية على الكرة الأرضية جذبت أنظار العالم، وذلك الشعب الذي لا يساوي من حيث العدد شيئا بين ستة مليار نسمة حرك كل شعوب الأرض تضامنا معه، القضية اجتاحت القارات الخمس، وفرضت على العالم شعوبا وأنظمة النظر إلى وجهة واحدة، ومكان واحد، وشعب واحد.. حازت احترام الشعوب الحرة، وفضحت نفاق الغرب، وعرت سوءات الأنظمة العربية الخائنة، وكشفت عن قبح وجوهها وقذارة مواقفها..

 

لذلك فالسابع من أكتوبر هو نقطة انعطاف في تاريخ البشرية، نقطة انعطاف في الوعي والفهم لدى الشعوب العربية التي عاشت عقودا تحت برامج التجهيل ومشاريع التدجين، وبسبب أحداث 7 أكتوبر سيعرف العالم تحولات جذرية، سيبدأ بتحرر العديد من الشعوب المستضعفة، وعلى رأسها الشعوب العربية بعد أن تحرر وعيها من استبداد أنظمتها، تحرر بموجة ثانية قوية للربيع العربي، وقد تسقط أنظمة عربية كأوراق الخريف، وتتحول موازين القوى، وتتبدل التقاطبات والأقطاب، وتتغير السياسات.. 7 أكتوبر ميلاد جديد للعالم.. أو ميلاد عالم جديد، بقوانين جديدة، وقوى جديدة، وتوازنات جديدة، قد يأخذ ذلك وقتا ليس بالقصير، ولكنه ميلاد جديد، قادم لا محالة..

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات