الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

 

حوار مع المفكر المغربي إدريس هاني

حول قضية الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين و علاقتها بالمقاومة

 

 

 

اجرى الحوار خالد بوخش – المغرب

 

بعد القصف العشوائي المرعب لمستشفى المعمداني بفلسطين يوم الثلاثاء 17 أكتوبر 2023؛ و الذي اهتزت له مشاعر العالم أجمع، اجرى موقع الفينيق ميديا حوارا مع إدريس هاني ؛ و هو باحث ومفكر و مؤلف مغربي غني عن التعريف في مجال الفكر و الفلسفة، تنصب اهتماماته المعرفية في بحث قضايا الفكر العربي، أسئلة النهضة والإصلاح الديني، حركات الإسلام السياسي، والتحليل الجيوستراتيجي. استطاع، ادريس هاني، من خلال الحوار، أن يحلل بوضوح تام قضية الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين و علاقتها بالمقاومة، مع استشراف دقيق لرهاناتها و مآلاتها في القادم من الأيام، وإليكم نص الحوار كاملا:

 

 

س _ ما رأيك في أن حماس هي الأولى التي هاجمت و قتلت مدنيين داخل إسرائيل؟و كما يقال: البادئ أظلم؟

ج_ لا أريد أن أدخل في دوامة هذه المغالطة المركبة. فهي من جهة مغالطة الاختزال، اختزال قضية شعب يرزح تحت الاحتلال في فصيل، يقدم نفسه كمنظمة شعبية مقاومة. وهي قوة أفرزها المجتمع الفلسطيني. الأمر نفسه حدث لما كانت فتح والجبهة الشعبية وفصائل أخرى، كانت تنعت بالإرهاب، كما هو حال كل حركات التحرر الوطني. لا بد أن نسأل الشعب الفلسطيني نفسه عن أولئك الذين يقاومون الاحتلال. الشعب وحده من يمنح الشرعية لحركة التحرر. المغالطة الثانية تتعلق بتحويل الأنظار إلى المدنيين في المستوطنات، بينما المدنيين الفلسطينيين يتعرضون للإبادة في مشهد مرعب، وهو ما فجر احتجاجات في كل بلدان العالم. هناك استيطان وتسليح للمستوطنين تحت ذرائع شتى. فالاحتلال لم يحترم كل الاتفاقات ولا القرارات الدولية، وهو يتقدم كما يفعل اليوم في اتجاه الإبادة الجماعية والتهجير . ما حصل يوم الاربعاء من استهداف مستشفى المعمداني، كان أكبر دليل على أن ما يحدث هو حرب إبادة ضد شعب يقع عليه الاحتلال. وعليه، حينما يكون شعب ما رازحا تحت نير الاحتلال، فالعرف الدولي يمنحه الحق في المقاومة. ولا يمكن لأحد أن يحدد للمقاومة ماذا ستفعل ومتى ستفعل وكيف ستفعل. وكل ما نراه في طوفان الأقصى أنه حتى الآن أكثر من 3700 قتيل من الفلسطينيين، فضلا عن مئات الجرحى. أنا من يسأل الآن: ماذا سنسمي هذا الذي يقوم به الاحتلال في غزة؟ ما المطلوب من شعب احتلت أرضه وانسدت الآفاق أمامه، وليست لديه سوى ورقة أن يقاوم كل محاولات محق الذاكرة ومخطط الاستيطان الممنهج، ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية بقوة الإخضاع والصفقات والمناورات والأمر الواقع.

 

س _ هل حماس منظمة إرهابية كداعش كما يروج؟

ج_ للإرهاب تعريف محدد في القانون الدولي، وهو ممارسة العنف ضد المدنيين لتحقيق اغراض سياسية. وهناك شيء يجب أخذه بعين الاعتبار، ألا وهو أن هذا الأمر لا يتعلق بمدنيين يتم تسليحهم وفرض استيطانهم. ومع ذلك، رأينا مشاهد وشهادات لأسرى تم التعامل معهم بطريقة سلمية، بينما الاحتلال لا زال يقصف المدنيين ليل نهار، في الوقت الذي يدعي فيه كما يدعي من يشاطره من حلفائه، أن أهل غزة محتجزون من قبل حماس، فإذن، لماذا استهداف المدنيين؟ فالاحتلال يختبيء في شعارات مضللة، وذلك لأنه يسعى لجلب التأييد الأممي لتمكينه من مواصلة حرب التطهير. الاحتلال وفي مفارقة عجيبة، يطلب الحماية، احتلال محمي، وهي مفارقة استثنائية مختلفة عن كل أشكال الاستعمار. فالمعركة لم تعد في الميدان ، بل هي معركة وعي، يتم فيها تغيير وتزييف المفاهيم، وتقديم الاحتلال باعتباره مظلوما وأن الشعب الفلسطيني هو الظالم.

 

س_ كيف تفسر أن بعض العرب العلمانيين يساندون إسرائيل و فيهم من يبرر و يفسر هجوم إسرائيل على غزة، في حين أن إسرائيل قائمة على أساس ديني أو لنقل طائفي حتى؟

ج- في سياق التضليل وتزييف الوعي الأممي حول جرائم محتل من طراز مختلف، سنسمع الكثير من التعسف الذي يخرق قواعد علم السياسة والقانون الدولي. المعركة باتت اليوم كما وصفها ذات مرة رجيس دوبريه بالمطلقة، أي معركة دينية. و أعتقد أن هناك قصورا في تحليل طبيعة هذا الاحتلال، والتحولات التي يشهدها مجتمع الاحتلال الذي بات منقسما على نفسه، بل ديمغرافيا، حدث نمو في التيارات والجماعات الدينية، وهي اليوم أصبحت ورقة في العملية الانتخابية. كان من الواضح أن علمانية المؤسسين لن تكون مطلقة ودائمة. فالدين حاضر من حيث هو المرجعية الضامنة للسردية المؤسسة للاحتلال. ولكن لا أهمية لكل هذا، فالمعادلة هي أن هناك احتلالا، فوجب أن تكون هناك مقاومة. والعالم يتحاشى أن يسمي الأشياء بأسمائها. وهذا هو التحدي الذي يواجه النظام الدولي ومصداقية الأمم المتحدة، التي أظهرت عجزا كبيرا في حل هذه القضية. وفي عجزها ذلك، تصبح طرفا موضوعيا في المشكلة. حين لا يكون هناك أمل يحمله الموقف الأممي، يزداد الشعب الفلسطيني احتقانا ورغبة في تصعيد مقاومته المشروعة. من سميتهم بالعلمانيين، ليس كلهم مساندا للاحتلال، الهيئات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية من شتى بقاع العالم والتي تتضامن مع الفلسطينيين، كثير منهم علمانيون. هل العلمانية تشرعن الاحتلال؟ إذن كان لا بد أن لا يتحرر أي شعب من الاستعمار من وجهة نظرهم. أما الذين يدافعون عن الاحتلال ويجرمون المقاومة في الإقليم العربي، فهم حالة نادرة ولا ينطلقون من موقف فكري أو مبدئي، وليسوا مقنعين إلا للاحتلال، الذي يعلم أنه لا نفوذ لهم في المجتمع. في مثل هذه الظروف، يجب أن نصطف مبدئيا إلى جانب المعذبين في الأرض.

 

س_ كيف تفسر، حضرتك، هذا الهجوم الذي وصفه البعض ب” الوحشي “؛ حيث وصل الأمر تقريبا إلى درجة إبادة جماعية ؟ شيء غريب ؟

ج- التفسير الوحيد هو أن الاحتلال بات في مأزق تاريخي، وهو الآن لا يحارب المقاومة، بل يستهدف المدنيين، وهو شيء تجرمه الأعراف والقانون الدولي. ما يحصل اليوم هو أكبر من كونه فعل وحشي، إنه الانهيار الرسمي للضمير العالمي، حيث تنشط آلة حرب تطهيرية ضد شعب أعزل. لا يوجد تناسب هنا. حتى بمقاييس ردود الفعل، لا يوجد تناسب. إنها محرقة الشعب الفلسطيني. لا وحشية هنا إلا وحشية الاحتلال.

 

س_ هناك من يقول أن المقاومة هي التي قتلت المدنيين بالمستشفى هل هذا صحيح؟

ج- هذا تضليل يستغبي الرأي العام. الاحتلال يقتل المدنيين بل حتى بعضا من أسراه شملهم القصف. وهناك وقفات احتجاجية في الداخل، تطالب باسترجاع الأسرى. القصف عشوائي، وهو يعرض أسرى الاحتلال لاحتمالات كثيرة.

 

س _ و هناك من يفسر الموقف أعلاه، أن المقاومة ” مثال حماس” تتاجر بالمدنيين بغزة، خصوصا أنها، أي المقاومة، استهدفت مدنيين بإسرائيل، إلى أي مدى هذا صحيح؟

ج- وماذا يفعل الاحتلال بالمدنيين، حيث لا زالت المجازر في فلسطين وجنوب لبنان وبلاد عربية أخرى شاهدة على ذلك؟ الاحتلال هو من يستعمل المدنيين وسيلة ضغط على المقاومة.

 

_س: متى ستتوقف هذه الحرب بالنسبة لك، و كيف ستكون المفاوضات بعد إيقاف هذه الحرب المرعبة ؟

ج- ما يقوم به الاحتلال من مجازر في حق المدنيين، هدفه الرفع من أسهمه في أي مفاوضات قادمة، وهذا مؤشر على أنه ماضي في سياسة فرض الأمر الواقع. بطبيعة الحال، إن الاحتلال عاجز عن الاستمرار في هذه المشهدية الدموية، لأن حملته التطهيرية تؤكد عجزه عن إنهاء المقاومة. المقاومة تطور أداءها والاحتلال جامد في سياساته، وقد بلغ ذروة العنف المفرط الذي ينقلب عليه. نظام الابرتهايد سقط في بريتوريا حينما بلغ ذروة العنف.

 

س_ يقول البعض: لماذا إيران لا تدخل على الخط مباشرة أم أنها تكتفي بالمساندة الخفية، و يبدو أن لها مصالح في هذا كما يقال ؟ لا ؟

ج- كثيرون يتعاملون مع المقاومة في الميدان تعامل الجمهور في مباريات كرة القدم، الكل يهتف ويعطي دروسا لمن هم أمام فوهة البركان. أقول كما قلت دائما مستعيرا بيتا من شعر لمظفر النواب:
النار هنا لا تمزح يا قردة.الاحتلال يدرك تماما أن هناك قواعد اشتباك لا يمكن أن يتجاوزها، لأنها ستؤدي حتما إلى توسيع مجال الحرب. وهذا لن تحمد عقباه. بالنسبة إلى الايرانيين، فهم عنصر أساسي في هذه المعادلة الجديدة. تقدير الدخول في الحرب، هو مرتهن لشروط يقدرها الموقف الاستراتيجي، هنا لا أحد يمكنه التكهن، لأن السياق مثقل بكل الاحتمالات. لا توجد مساندة خفية بالنسبة للايرانيين، لأن مساندتهم هنا معلنة، بل هناك رسائل متبادلة، وتهديد بأن التدخل المباشر مطروح. أما المصلحة، فلو كان الأمر كذلك، فإن الموقف سيكون سهلا، لأن المطلوب من إيران اليوم هو التخلي عن هذه القضية، لتنتهي مشكلتها مع الغرب.

 

س_ ما رأيك في الموقف الذي يقول بحل الدولتين ؟ أظن أنه حل براغماتي، ليست له خلفيات دينية يؤجج الصراع، و ذلك من أجل السلام في المنطقة؟

– ج: الاحتلال في ورطة حقيقية، لأنه تجاوز حتى هذا الحل، لأنه يدرك أنه سيفرض تفكيك المستوطنات والإقرار بحق العودة. الاحتلال لم يلتزم حتى بالشروط المزرية لأوسلو، وهو بات عبئا ثقيلا على المجتمع الدولي وعلى المنطقة بل عبئا ثقيلا حتى على مجتمعه، حيث شهد العالم كيف تم منع هروب عدد هائل من شعب الاحتلال خارج البلاد، وغلق المطارات.
حل الدولتين بات صعبا، وحل الدولة الواحدة المدمجة أيضا بات صعبا، لأن مسلسل الإبادة ترك جروحا يصعب تجاوزها بسهولة. لا يوجد تقدم حقيقي على طريق الحلين، وهذا ما يجعل المقاومة مفتوحة، طالما الاحتلال جامد ومصر على تنفيذ برامجه الاستيطانية.

 

_س: و لكن أظن أن حل دولة واحدة ديمقراطية علمانية في المنطقة تجمع الفلسطينيين و الإسرائيليين معا؛ أظنه حل واقعي بالمنطقة يمكن تحقيقه؛ أليس كذلك ؟

-ج: كما ذكرت سابقا، أن حل الدولة الواحدة مرفوض حتى من قبل الاحتلال العلماني. هل ستكون هي دولة الاحتلال التي سيندمج فيها الشعب الفلسطيني ام هي فلسطين بهويتها العربية، حيث يندمج فيها شعب الاحتلال؟ حل الدولة الواحدة، يعني ضمان حق العودة. ولا أهمية الآن لأي مقترح مطروح في ظل هذا العدوان وحرب الإبادة ، المطلوب من النظام الدولي التدخل فورا، المفروض للعرب أن يبادروا إلى إنقاذ الشعب الفلسطيني من الإبادة ، كما من المفروض أن تدافع المقاومة عن شعبها.

 

سؤال أخير أستاذ؛ أ لا تلاحظ؛ كما يرى أغلب المحللين؛ أن موقف حماس و الفصائل الأخرى بعدم الإعتراف بدولة اسمها إسرائيل موقف متطرف و سيجعل حل السلام بالمنطقة من سابع المستحيلات؟

ج: من كان يظن يوما أن نظام الابرتهايد سيتفكك نتيجة بنيته وانسداداته؟ إن الاحتلال نفسه اليوم يسعى لتهجير ساكنة غزة، وهو من لا يعترف بوجود شعب اسمه فلسطين. كل حروب الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني تتميز بكونها حرب إبادة وعدم اعتراف بإنسانية الشعب الفلسطيني. حين يكون شعبا تحت الاحتلال، وجب أن نحترم مطالبه التاريخية وانتظاراته. وجب التذكير بأن العنف الذي مارسه الاحتلال ضد المدنيين في القدس واليوم في غزة وكذا سائر فلسطين المحتلة، مؤشر على أن الاحتلال ينكر الاعتراف بأقل الحقوق للشعب الفلسطيني. اليوم تقول السلام مستحيل، ويمكن القول أيضا بأن الحرب تتطور بوتيرة سريعة، ستجعل حتى الحرب مستحيلة. فحين لم تعد الحرب تنتج مكاسب سياسية، تصبح عنفا وجريمة مجانية. لقد فشل الاحتلال في نزع الاعتراف به من الشعب الفلسطيني، والحرب القائمة تغذي هذا الموقف أكثر. إن الشيء المستحيل تاريخيا، هو استمرار الاحتلال أكثر مما تتيحه المنفعة الحدية لذهان القوة.

لا أنظر إلى أن نهاية التاريخ ستقف هنا، قد تكون هذه بداية التاريخ. لكن حين تبلغ حرب الإبادة ذروتها، يصبح الأفق أكثر انسدادا. إن ما يحدث اليوم في غزة، تهديد سافر للسلم العالمي وليس فقط السلام في الشرق الأوسط. وإن حجم التضليل الإعلامي اليوم يؤكد على النوايا المسبقة في تدمير شعب أعزل. التحليلات التي تتحدثون عنها، عاجزة عن استيعاب تعقيد الواقع الذي يعيشها الشعب الفلسطيني، وتعقيد العلاقة بين احتلال مفرط في وحشيته مع شعب غير قابل للتخلي عن انتمائه التاريخي والجغرافي.

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات