الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

النضال الحقوقي 

بين سرطان الإيديولوجية وبؤس السياسة

عبد المولى المروري – المغرب

 

جاء في المادة الثانية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان: لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين، أو الرأي سياسيًّا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أيِّ وضع آخر. وفضلاً عن ذلك

لا يجوز التمييزُ علي أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكانمستقلاًّ  أو موضوعًا تحت الوصاية أو غير متمتِّع بالحكم الذاتي أم خاضعًا لأيِّ قيد آخر على سيادته.

 

فهذا الإعلان تحدث بوضوح كبير عن عدم التمييز في التمتع بالحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية على أسس كثيرة،ومن ضمنها التمييز بسبب الدين (الإيديولوجيا) أو بسبب الرأي السياسي… ذلك لأن الحقوق، سواء من جهة التمتع بها، أو الدفاع عنها، هي منظومة واحدة لا تتجزأ، قد نختلف في طبيعة بعض الحقوق وحقيقتها، ولكن في الحقوق الطبيعية المشتركة، التي هي خارج نطاق الخلاف، يجب أن تبقى أيضا خارج التناول الانتقائي بسبب إيديولوجي أو سياسي..

 

1/ سرطان الإيديولوجيا في مواجهة النضال الحقوقي الشريف:

 

إلا أن تنزيل بعض مضامين هذا الإعلان على الممارسة الحقوقية الواقعية يبدو بعيدا بعد المشرق عن المغرب، مما يؤكد أن هذه الممارسة لم تتشبع بعد بالقيم الحقيقية للنضال الحقوقي، عندما ارتضى البعض ممن ينتسبون للحركة الحقوقية والسياسية تغليب الجانب الإيديولوجي والسياسي في معاركهم ونضالاتهم على الجانب الحقوقي كما ينادي بذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان..

 

إن من أخطر آفات النضال الحقوقي أن يخضع هذا النضال لاعتبارات إيديولوجية، هذه الاعتبارات التي تصبح هي المحدد الأساسي، أو ربما الوحيد، في تبني ملف معين، والدفاع والترافع عن أصحابه حقوقيا وإعلاميات أمام الجهات المعنية. ففضلا عن كون هذا الأسلوب يضع أصحابه في تناقض تام مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يَدِينون به، ويجعلون منه مرجعيتهم الوحيدة في الدفاع عن حقوق الإنسان، فإنه في الوقتنفسه يسائل ضمائرهم وأخلاقهم عنهذا التوجه الغريب، الذي يقصي آخرين من حق الدفاع عنهم بسبب الاختلاف الإيديولوجي..

 

فالنضال الحقوقي في بعده الكوني ومضمونه الأخلاقي يتجاوز الاختلافات التي هي من هذا النوع، ولا يعترف بها، ولايدخلها في حساباته واعتباراته، وتركيزه يكون منصبا – حصرا وتحديدا – على الحق الذي حُرم منه الشخص، والانتهاك الذي تعرض له، وسبل الترافع من أجله دون النظر إلى لونه أو جنسه أو معتقداته أو انتماءه السياسي.. وهذا ما خلده عمر بن الخطاب في قولته الشهيرة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، خطاب وجهه إلى مسؤول مسلم انتهك حق مواطن مسيحي قبطي.. وأكده الفاروق أيضا عندما مر بسوق المدينة المنورة و رأى  شيخا كبيرا يسأل الناس حاجته مادًّا يده  طلبا للمساعدة، وعندما اقترب منه سأله  :

 

من أنت يا شيخ ؟ فقال الشيخ الكبير : أنا يهودى عجوز أسال الناس الصدقة لأفي  لكم  بالجزية .. و لأنفق الباقى على عيالي.. فقال عمر الخليفة  متألما :  ما أنصفناك يا شيخ  .. أخذنا منك الجزية شابا ثم ضيعناك  شيخا .. و أمسك الخليفة عمر بيد ذلك اليهودى إلى بيته و أطعمه مما يأكل .. وأرسل إلى خازن بيت المال وقال له : افرض لهذا و أمثاله ما يغنيه و يغنى عياله ..  فخصص له راتبا شهريا يكفيه و يكفى عياله من  بيت مال المسلمين و أوقف عنه الجزية إلى الأبد ..

 

إن هذين الموقفين العظيمين يعطيان المثل الأعلى في إعطاء الأسبقية والأحقية للحقوق الطبيعية المشتركة والأساسية، مع إلغاء الانتماء الديني والإعراض عن ذلك انتصارا للمشترك الإنساني، وليس العكس، فالموقف الأول في علاقته بالحقوق المدنية، والثاني في علاقته بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية.. يؤكد أن المشترك

الإنساني على مستوى الحقوق الطبيعيةوالأساسية أمر مقدس ومقدم عن أي اعتبار آخر، وهذا هو المعنىالإنساني لحقوق الإنسان..

 

وكما سبق الذكر، إن العوالق الإيديولوجية التي تتسرب إلى العمل الحقوقي، تفرغه من محتواه الأخلاقي ومضمونه الإنساني وبعده النضالي الحق، وتزرع في أحشائه وأوصله سرطان الإيديولوجية، الذي تلوث العمل بكل أوساخه الظاهرة والخفية، فتصيب أصحابه بعمى البصر والبصيرة، وقساوة القلب، ولا مانع حينئذ أن يتحالف هؤلاء«المناضلون» مع الجلادين ضد أحد ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان من ذوي التوجه الديني أو الإيديولوجي المخالف،لينتهي بهم

كل ذلك إلى سقوط أخلاقي مريع بعد سيطرة هذا السرطان على أدمغتهم، واستقراره في ضمائرهم،ليسقطوا – أخيرا – صرعا بعد الموت الكامل لضمائرهم.. وهذه هي النهاية المأساوية لمثل هذا العمل الذي أضحى مصادما

ومخاصما للنضال الحقوقي الشريف والنزيه، ومعاديا للقيم الإنسانية النبيلة والمشتركة ..

 

2/ بؤس السياسة في مواجهة النضال الحقوقي النزيه:

 

فإذا كان هذا هو حال النضال الحقوقي مع سرطان الإيديولوجيا، فإنه ليس بأحسن حال مع بؤس السياسة وحساباتها الهشة.. ذلك أن السياسي، والحزبي على وجه الخصوص، يضع في الاعتبارات والحسابات السياسية

توازنات وقراءاتلها ارتباط مباشر بوضع الحزب ومكانته في المشهد السياسي.. فيدخل عنصر الربح والخسارة في سوق النخاسة السياسية.. ويستحضر موازين القوى والمواقع في علاقته بالدولة، كل ذلك يجعل القضية الحقوقية في عمل السياسيبين الإهمال والاهتمام، بحسب ما سيجنيه ذلك السياسي أو حزبه من أرباح، أو يصيبه من خسائر، وبتعبير أدق، أن القيمة الحقيقية لسعر أسهم القضية الحقوقية تُعرف في بورصة السياسة ومزاداتها العلنية والسرية.. فتارة تعرض هذه الأسهم للبيع، وتارة تعرض للمزايدة.. وتارة أخرى، وهذا هو الأخطر، لا يلتفت إليها أحد.. مهما بلغت جسامة انتهاكات حقوق الإنسان.. لأن قيمة «السهم الحقوقي» في فترة الكساد السياسي والتضخم السلطوي لا تساوي شيئا في بورصة السياسة ..

 

فالأكيد، والمؤسف في الوقت نفسه، أن العمل السياسي في التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان يغلب عليه البعد البراغماتي أحيانا، والانتماء الحزبي غالبا.. والقرب من القيادة تأكيدًا.. الأمر الذي يجعل هذا العمل بلا نبل يؤطره، ولانزاهة يعتصم بها، ولا أخلاق يفتخر بها..

 

إن خضوع النضال الحقوقي لحسابات السياسة والانتماء الحزبي يسقط أقنعة العديد من الأحزاب والزعماءالسياسيين، ويكشف عن وجوههم الحقيقية، عندما يصمتون عن كل الانتهاكات التي يعاني منها مواطنون أو مناضلون أو صحافيون من عامة الناس الذين لا لون سياسي يميزهم، ولا انتماء حزبي يحصنهم، ويبتلع كل هؤلاء ألسنتهم أمام السلطوية والتضخم الأمني، ولا تطول وتتمدد إلا على من لا حول ولهم ولا قوة من السياسيين أو المثقفين أو الإعلاميين…،ويقتصر دفاعهم على من يقاسمهم التوجه السياسي، أو يظهرون شراستهم النضالية وبلاغتهم الكلامية لفائدة منيشاركهم الانتماء الحزبي،  فتَظْهَر هذه الوجوه أحيانا قاتمة بلون الخيانة، و أحيانا أخرى تظهر شاحبة بلون الجبن..

 

فالسياسة عندما تكشف عن عورتها فرارا من الدفاع عن حقوق الإنسان المنتَهَكة، وعندما تسفر عن بؤسها في إدارة ظهرها لمناضلين قدموا حريتهم وسمعتهم فداء للوطن ودفاعا عن الحرية والكرامة، فلا يملك أصحاب هذه السياسة إلا أحد الوجهين، إما وجها قاتما بلون الخيانة، أو وجها شاحبا بلون الجبن، ولا أجد لهم إلا ما ذكرت ..ولن يمسح وجوههم عار الخيانة أو شنار الجبن إلا تناول قضية حقوق الإنسان بما يقتضيه ذلك من نبل ونزاهة و موضوعية وشجاعة، دون خضوع لحسابات هشة، أو توافقات بئيسة، أو حزبية ضيقة، وإني لأستغرب كيف أن الظلم يهتز له عرش الرحمان، ولايحرك ضمير إنسان..

 

إن السكوت عن الظلم مشاركة فيه، وعدم إنكاره مساهمة فيه، وتجاهله تمكين له، والمساومة فيه إعلاء من شأنه ورفع منقيمته.. فهل يقبل السياسي النزيه أن يكون هذا حاله، وذلك مبلغه من العمل؟

 

لا شيء يقضي على النضال الحقوقي أكثر من سرطان الأيديولوجية وبؤس السياسة، فرغم اختلاف مجالاتهما، فإنهما شركاء في تدنيس العمل الحقوقي والإجهاز عليه، ولن يسلما من هذه التهمة القذرة إلا بالعودة إلى الصواب، ويتخلص كل جانب مما علق به من معيقات النضال الحقوقي الشريف والنزيه..

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات