الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

نقد أطروحة إيمانويل تود حول أفول الغرب:

تفكيك ثقافي ومراجعة نقدية

 

 

 

بقلم ذ. محمد السميري ـ المغرب

 

مقدمة

أثار كتاب إيمانويل تود «هزيمة الغرب» جدلًا واسعًا داخل الحقول الفكرية والإعلامية، لا بسبب خلاصته التي تعلن أفول الغرب فحسب، بل بسبب الإطار التفسيري الذي اعتمده في تشخيص هذا التحول التاريخي. ينتمي تود، بوصفه مؤرخًا وعالم أنثروبولوجيا فرنسيًا، إلى تقليد يولي البنى الثقافية والأسرية والدينية دورًا حاسمًا في تفسير صعود المجتمعات وانهيارها. ووفق هذا المنظور، يربط تود تراجع الغرب بتفكك الأسرة النووية، وانحسار البروتستانتية، وتآكل منظومة القيم التي اعتبرها أساس التفوق الغربي الحديث. غير أن هذا الطرح، على ما فيه من جاذبية سردية، يثير إشكالات منهجية عميقة تتعلق بطبيعة السببية التاريخية وحدود التفسير الثقافوي.

 

. أطروحة تود وحدود التفسير الثقافي

ينطلق تود من فرضية مفادها أن القوة الغربية لم تكن في جوهرها اقتصادية أو عسكرية، بل أخلاقية–اجتماعية، وأن البروتستانتية بما حملته من قيم العمل والانضباط والادخار والتعليم هي التي مكّنت الغرب من بناء تفوقه التاريخي. ويذهب إلى أن تراجع هذه القيم، نتيجة العلمنة وتفكك الأسرة، أدّى إلى فقدان ما يسميه «الرأسمال الأخلاقي»، ومن ثم إلى أفول الغرب. غير أن هذا التحليل يقوم على اختزال معقّد لمسارات تاريخية متعددة في سبب ثقافي واحد، ويتجاهل التحولات البنيوية التي عرفها النظام الرأسمالي نفسه، خاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، حيث لم تعد الرأسمالية قائمة على أخلاقيات الادخار والعمل الطويل، بل على منطق مالي مضاربي، واقتصاد معولم، وشركات عابرة للقوميات.

 

. الجذور السوسيولوجية لأطروحة تود: ماكس فيبر والخلفية الثقافوية

يُسجَّل أن تحليل إيمانويل تود ليس جديدًا من حيث الجوهر، بل يمثل امتدادًا مباشرًا لأطروحة كلاسيكية صاغها عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في مطلع القرن العشرين، خاصة في كتابه «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» الصادر سنة 1905. فقد ربط فيبر نشأة الرأسمالية الحديثة في أوروبا الغربية خلال القرن التاسع عشر بمنظومة ثقافية–دينية محددة، قوامها أخلاقيات العمل والانضباط والادخار وتحمل المسؤولية الفردية، وهي أخلاقيات غذّتها البروتستانتية، خصوصًا في صيغتها الكالفينية.

غير أن الفارق الجوهري بين فيبر وتود يكمن في أن فيبر تعامل مع العامل الثقافي بوصفه شرطًا تاريخيًا مساعدًا في سياق زمني محدد، لا باعتباره قانونًا عامًا صالحًا لتفسير مسار الرأسمالية عبر العصور. أما تود، فيحوّل هذا التحليل إلى قاعدة تفسيرية شبه حتمية، معكوسة الاتجاه، يرى فيها أن تراجع البروتستانتية يؤدي بالضرورة إلى انهيار الغرب. هذا التحويل المنهجي يفرغ أطروحة فيبر من حذرها العلمي، ويقحمها في قراءة ثقافوية تبسيطية تتجاهل التغيرات العميقة في بنية الاقتصاد العالمي.

 

. الصين وروسيا: تفنيد الادعاء الأخلاقي

يتجلى ضعف أطروحة تود بشكل أوضح عند مقارنته صعود قوى مثل الصين وروسيا بتراجع الغرب، إذ يعزو هذا الصعود إلى تماسك الأسرة والحفاظ على القيم الجماعية. غير أن هذا التفسير يتجاهل حقيقة أن نجاح الصين، على وجه الخصوص، لا يرتبط بأي تفوق أخلاقي أو ديني، بل بنموذج اقتصادي–سياسي يقوم على تدخل الدولة، والتخطيط طويل المدى، وضبط السوق، وربط التنمية بالسيادة الوطنية. إن اختزال هذا الصعود في العامل القيمي لا يعدو أن يكون قراءة إيديولوجية تتقاطع، عن قصد أو غير قصد، مع الخطاب الدعائي الروسي والصيني، أكثر مما يستند إلى تحليل علمي رصين.

 

. مقاربات بديلة: من التفسير الثقافوي إلى التحليل البنيوي

تُبرز المقارنة مع عدد من المفكرين المعاصرين الحدود المنهجية العميقة للتحليل الذي يقدمه إيمانويل تود، إذ تكشف أن اختزال أزمة الغرب في العامل الأخلاقي–الديني يغفل مستويات أكثر حسمًا في تفسير التحولات التاريخية. ففرانسيس فوكوياما، المفكر وعالم السياسة الأمريكي، الذي ارتبط اسمه في التسعينيات بأطروحة «نهاية التاريخ»، عاد في أعماله اللاحقة ليقرّ بأن الديمقراطيات الغربية تواجه أزمة حقيقية، غير أنه يعزو هذه الأزمة إلى ضعف المؤسسات السياسية وتآكل قدرتها على الضبط والتنظيم، لا إلى انهيار القيم الدينية أو تفكك الأسرة. يبيّن فوكوياما أن الدولة الحديثة في الغرب فقدت فعاليتها أمام نفوذ الأسواق المالية، ولوبيات المصالح، والاستقطاب الهوياتي، ما أدى إلى تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات، وهي أزمة قابلة للرصد والتحليل عبر المؤشرات السياسية والإدارية، وليست مسألة أخلاقية مجردة كما يفترض تود.

 

أما يورغن هابرماس، الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني، فيقدّم قراءة أكثر عمقًا من خلال تحليله لتحولات الفضاء العمومي في المجتمعات الغربية. فالأزمة، بحسب هابرماس، لا تكمن في فقدان القيم التقليدية، بل في تشوّه شروط النقاش العقلاني نتيجة هيمنة المنطق الاقتصادي والتقني، وتسليع الإعلام، وتحويل السياسة إلى مجال للفرجة والتلاعب بدل التداول الديمقراطي. بهذا المعنى، فإن أزمة الغرب هي أزمة تواصل ومشاركة ديمقراطية، لا أزمة أخلاق أو دين، وهو ما يجعل أطروحة تود تبدو وكأنها حنين إلى نظام قيمي سابق أكثر منها تحليلًا نقديًا لبنية الحداثة المتأخرة.

 

من جهته، يقدّم برانكو ميلانوفيتش، الاقتصادي الصربي المتخصص في قضايا اللامساواة العالمية، تفكيكًا اقتصاديًا مباشرًا للسردية الثقافوية، إذ يربط أزمة الغرب بالبنية العميقة للرأسمالية المعولمة التي أفرزت تفاوتًا حادًا في توزيع الثروة داخل الدول الغربية نفسها، وأضعفت الطبقات الوسطى التي شكّلت تاريخيًا قاعدة الاستقرار السياسي. ويؤكد ميلانوفيتش أن صعود الصين لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة تفوق أخلاقي أو تماسك أسري، بل باعتباره ثمرة نموذج اقتصادي–سياسي خاص، يقوم على تدخل الدولة، والتخطيط الاستراتيجي، وربط السوق بالسيادة الوطنية. وبهذا المعنى، فإن المقارنة التي يقيمها تود بين «أخلاق» الشرق و«انحلال» الغرب لا تصمد أمام التحليل الاقتصادي البنيوي، بل تعيد إنتاج تفسير ثقافوي يعجز عن فهم آليات القوة في النظام العالمي المعاصر.

 

تكشف هذه المقاربات مجتمعة أن أزمة الغرب ليست أزمة قيم بقدر ما هي أزمة مؤسسات، وديمقراطية، ونظام اقتصادي عالمي، وأن محاولة تفسيرها عبر العامل الثقافي وحده، كما يفعل تود، تمثل اختزالًا مفرطًا يفتقر إلى الصرامة التحليلية، ويقود إلى استنتاجات أقرب إلى السرد الإيديولوجي منها إلى البحث العلمي.

 

خاتمة

تُظهر هذه القراءة النقدية أن أطروحة إيمانويل تود، رغم قوتها الخطابية، تعاني من نزعة اختزالية ثقافوية تُحمِّل العامل الأخلاقي والديني مسؤولية تحولات تاريخية معقدة. إن الحديث عن «انهيار الغرب» بوصفه نتيجة حتمية لتراجع القيم لا يصمد أمام التحليل البنيوي والمؤسساتي والاقتصادي، ويبدو أقرب إلى سردية إيديولوجية منه إلى استنتاج علمي. وعليه، فإن فهم أزمة الغرب يقتضي تجاوز التفسيرات الأحادية، واعتماد مقاربة متعددة المستويات تأخذ بعين الاعتبار تفاعل الاقتصاد والمؤسسات والسياسة، بدل الاكتفاء بإحياء أطروحات ثقافية تعود إلى بدايات القرن العشرين.

 

المراجع
1. يورغن هابرماس (ألمانيا)، الأبعاد النقدية للديمقراطية، ترجمة
2. عربية، بيروت: دار النهار، 2001.
3. فرانسيس فوكوياما (الولايات المتحدة)، الهوية والأزمة الغربية، ترجمة عربية، القاهرة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018.
4. برانكو ميلانوفيتش (صربيا)، اقتصاد اللامساواة العالمي، ترجمة عربية، عمّان: دار الفكر العربي، 2019.
5. إيمانويل تود (فرنسا)، هزيمة الغرب، باريس، 2024.
6. ماكس فيبر (ألمانيا)، الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية، ترجمة عربية، بيروت: دار الكتاب العربي.

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!