الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

 

بين رقي التنظيم و سقوط سلوك الأخلاق لا الأقدام

الحلقة الثالثة عشر من شدرات فكرية

 

 

 

بقلم ذة: نجاة زين الدين

 

 

لم تكن نهائيات كأس إفريقيا التي إحتضنها ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط مساء أمس، مجرد مباراة في كرة القدم، و لا مجرد تسعين دقيقة من التنافس الرياضي، بل كانت لحظة كاشفة، إمتحانا أخلاقيا و ثقافيا و سياديا، أبان فيه المغرب دولة و مؤسسات و شعبا عن قدرة تنظيمية رفيعة، و عن كرم ضيافة متجذر في التاريخ، و عن نضج دبلوماسي يحسب له لا عليه، في زمن باتت فيه الرياضة تحمل أكثر مما تحتمل، و تستعمل أحيانا لتغطية عجز السياسة، أو لتفريغ إحتقانات إجتماعية مؤجلة، بإمتصاص غضب الجماهير التي أصبحت توظف مقاعد الفرجة الى لحظات التنفيس عن كرب و أهوال و مآسي الحياة بترديدها لشعارات تعبيرية لما يخالجها من قهر و بؤس و ظلم…
لقد سخر المغرب كل ما يلزم لإنجاح هذه التظاهرة: بنية تنظيمية محكمة، أمن هادئ غير مستفز، إستقبال يليق بضيوف القارة، إحترام صارم للمعايير الدولية، و رسالة ناعمة و واضحة مفادها أن هذا البلد يعرف كيف يستضيف، و كيف يفصل بين التنافس و العداء، و بين الحماس و الإنفلات.
و في هذا، كان المغرب في الموعد… بل فوق المتوقع…
و مع ذلك، و إذ أسجل شخصيا بكل فخر و إعتزاز هذا التفاني الوطني في التنظيم، لا يمكننا لا أخلاقيا و لا فكريا أن نحول كرة القدم إلى بديل عن القضايا الحقيقية، و لا أن نجعل منها “أفيونا رابعا” يضاف إلى قائمة الملهيات الكبرى، تستعمل لإمتصاص غضب الجماهير، أو لتأجيل أسئلة التنمية و العدالة الإجتماعية. فالموقف الواعي يفرض علينا أن نشيد بالمواقف حين يجب الإشادة، و أن ننتقد بكل موضوعية و عقلانية، حين يصبح النقد واجبا وطنيا ملزما.

 

أولا:حين يتحول الضغط إلى إبتزاز

 

إن مباراة الأمس، للأسف، لم تفسدها النتيجة الرياضية، و لا من فاز بالكأس، بل شوهها ما رافقها من ممارسات لا تمت بصلة بتاتا لروح الرياضةو ما صاحبها من ضغوطات معلنة و مبطنة على المنظمين، و محاولات التأثير على هيئة التحكيم، بتوتر مفتعل داخل أرضية الملعب، و سلوك تفاوضي أقرب إلى المساومة الدنيئة منه إلى الإحتجاج المشروع و اللامبرر.
و مما زاد من قتامة المشهد ما صدر عن مدرب الفريق السنغالي من تصرفات لا تليق بمسؤول تقني يفترض فيه ضبط الأعصاب قبل اللاعبين، و لا تليق بتاريخ منتخب إفريقي عريق كان يجب عليه أن يكون نموذجا في الروح الرياضية.
أما ما صدر عن بعض الجماهير، سواء في مدرجات الملاعب أو في الشارع المغربي، أو حتى في شوارع الشانزليزيه بباريس، أو بمواقع أخرى فقد تجاوز حدود التشجيع، و دخل منطقة الإستفزاز و العنف الرمزي و المادي، في مشهد يحرج القارة أكثر مما يخدمها، و يمنح خصومها التاريخيين الذريعة الجاهزة لإعادة إنتاج صورة حكم القيمة الجائر إزاء قارتنا السمراء “إفريقيا المتوحشة”، تلك الصورة التي زرعها الإستعمار في الوعي الجمعي، و لا يزال يغذيها بقيمة الضغينة و التفرقة كلما سنحت له الفرصة لذلك.

 

ثانيا:المغرب… رقي في الرد لا ضعف في الموقف

 

وسط هذا كله، كان رد الفعل المغربي: لاعبين و طاقما تقنيا و جماهير في مستوى أخلاقي عال و مفرح.
فوليد الركراكي، و معه عناصر المنتخب الوطني، أبانوا عن سعة صدر، و رقي تعامل، و طول نفس، إختاروا فيه ضبط الإنفعال بدل الإنجرار، و الإحتكام للقانون بدل الفوضى، و تقديم صورة المنتخب الوطني المتحضر، كفريق يعرف أن القوة الحقيقية لا تقاس بالصراخ و لا بالإحتجاج، بل بالثبات و الإتزان.
و هنا، لا بد من تحية صادقة، غير مشروطة، لكل من حمل القميص الوطني، و لكل من إستمات في الدفاع عن صورة المغرب برقي و بدون إستفزاز، و دون تنازل عن الكرامة و لا عن القناعات و التمثلات الأخلاقية العالية، و هنا بالنسبة لي” المغرب هو من فاز بالكأس بصورة رمزية لأنه كان في الموعد: لاعبين، مدرب، تقنيين و جماهير و فوق هذا و ذاك دولة بتنظيمها الإستثنائي”…

 

ثالثا:كرة القدم…لعبة شعبية لا ساحة لتصفية الحسابات

 

إن كرة القدم، في جوهرها: لعبة شعبية، مساحة للفرح، للتنافس النزيه، للتلاقي بين الشعوب، للتلاقح الفكري، لتبادل الخبرات و التجارب لا ساحة لتفريغ العنف المكبوت، و لا منصة لتصفية الحسابات السياسية أو الإثنية المرضية و العريقة التي رسخت في أذهان الجماهير الغير الواعية بضرورة التغيير و حتمية المصير…
و المؤلم أن بعض السلوكيات التي شهدناها بالأمس ليست معزولة، بل تجد جذورها في تاريخ طويل من تشويه الوعي الإفريقي، حيث جرى تحويل الصراع الحقيقي: من صراع التحرر و التنمية إلى صراعات وهمية بين الجيران، بين الأعراق، بين الدول الإفريقية نفسها، لتبحث عن الإفتراس الداخلي، حتى يصبح “الجار” هو عدو الدار، لينسى الناس أن المستعمر، بأدواته القديمة/الجديدة، لم يغادر فعليا القارة بل لا لازال جاثما عليها بإعلامه المضلل الحقود و ببيادقته المأجورين المدسوسين…

 

رابعا: تصحيح البوصلة: من الملاعب إلى الحياة

 

من هنا، يصبح واجب اللحظة هو تصحيح بوصلة الإهتمام، لا إنكار أهمية الرياضة، بل وضعها في حجمها الطبيعي داخل مشروع مجتمعي أشمل…
نعم، من حق المغرب أن يفتخر بتنظيمه المثقن و المتميز لكأس إفريقيا، و بإستعداده الواثق لإحتضان كأس العالم…
لكن من حق المغاربة أيضا أن يتساءلوا:
لماذا لا يوازي هذا الإستثمار الرياضي إستثمار شامل في البنية التحتية بكل جهات الوطن، لا في مدن المركز فقط، إستثمار يعنى و يشمل 1504 جماعة ترابية بالكامل؟؟؟
لماذا لا تترجم هذه الإرادة التنظيمية إلى تعميم تعليم عمومي مجاني ذي جدوى و جودة، ينقذ أجيالا كاملة من الهشاشة المعرفية و من التيه و الإحباط النفسي و الذاتي اللامفسر؟؟؟
لماذا لا تكون الصحة أولوية سيادية، تغطي كل الخريطة الوطنية، من الجبل إلى الصحراء، ومن الهامش إلى المركز بدون تمييز و لا إقصاء؟؟؟
فما أحوجنا إلى كأس إفريقية في ترتيب الأولويات الحقيقية: من عدالة إجتماعية و مجالية تصان فيها كرامة المواطن المغربي و الإنسان الإفريقي أينما وجد، لكي لا تبقى القارة حبيسة توجيهات و إملاءات خارجية… نريد تنظيم كؤوسا إفريقية في: إختبار درجات وعي شعوبنا و مستوى تنمية دولنا بغياب الهشاشة الإجتماعية و الإقتصادية التي يئن تحت ويلاتها الملايين من المغيبين/ الحاضرين بتفاهة الإعلام المضلل و تناقض البرامج المدرسية الجامدة و بسفاهة النقاشات البعيدة عن واقع الحال و المآل…

 

خامسا: مقترحات عملية… من أجل رياضة تهذب لا تحرض من خلال

 

1)إدماج التربية الرياضية في مشروع تربوي شامل، يربط الرياضة بالقيم، لا بالنتائج فقط.
2)فرض عقوبات قارية صارمة على كل سلوك عنيف أو ضاغط خارج القواعد، سواء من لاعبين أو أطر تقنية أو جماهير.
3)تعزيز الدبلوماسية الرياضية الإفريقية كجسر للتقارب لا كأداة للصراع و التطاحن.
4)توجيه جزء من إستثمارات التظاهرات الكبرى نحو مشاريع تنموية مستدامة في التعليم و الصحة و النقل بعموم الخريطة الوطنية.
5)إطلاق نقاش عمومي صريح حول حدود توظيف الرياضة سياسيا، حتى لا تتحول إلى أداة تخدير جماعية
إن ما حدث في الرباط ليلة أمس، لم يكن مجرد مباراة، بل مرآة عاكسة لواقع مغرب جديد و وطن متحدث و ملتحم حول راية حمراء تتوسطها نجمة خضراء…
مرآة أظهرت معدن المغرب حين يستفز… و أظهرت، في المقابل، كم لا تزال القارة في حاجة إلى وعي جماعي يدرك أن كرامتها لا تحمى بالصراخ، و لا بالعنف، و لا بالصراعات الإثنية و لا بالإنحلال الأخلاقي بل بالتحضر، و بالإشتغال على جوهر المعركة: معركة الإنسان، لا معركة المدرجات…
و هنا، يبقى الرهان الحقيقي…خارج الملعب…متى يتمكن من الإرتقاء بمكانتنا في التعليم و الصحة و الكرامة الإنسانية لكل المواطنين في مراتب متقدمة على غرار ما حققناه في لعبة كرة القدم؟؟؟

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!