على مشارف أفول الإمبراطورية الإمبريالية:
حين تتفكك الهيمنة الأمريكية و تسقط أذرعها تباعا
الحلقة الأولى من سلسلة تغريد خارج السرب
بقلم ذة: نجاة زين الدين
لم تعد الهيمنة الإمبريالية الأمريكية اليوم حقيقة صلبة كما بدت لعقود، بل تحولت إلى بنية متصدعة تدار بالإنكار و تزييف الحقائق و النفاق السياسي أكثر مما تدار بمنطق القوة العسكرية. فما نعيشه اليوم من أحداث متسارعة ليس لحظة إنهيار فجائي، بل مسار تفكك تاريخي بطيء، تستنزف فيه الإمبراطورية من الداخل، بينما تتآكل أذرعها الخارجية واحدة تلو الأخرى: من الدول الوظيفية، إلى الكيانات الإستيطانية، إلى الحركات المسلحة التي صنعت خصيصا لإدامة التحكم و الإستغلال و إطالة أمد الإستنزاف و الإحتلال، لتخرج عن السيطرة في النهاية.
إن أخطر ما تواجهه الإمبراطوريات الكبرى، ليس الهزيمة العسكرية، بل فقدان القدرة على فرض المعنى:
معنى القوة، معنى الردع، معنى “القيادة العالمية” معنى المصداقية و معنى الوجودية الكاملة عكس ما خطط و دبر له في تكتيكات التوسع…
و هذا بالضبط ما يحدث اليوم للولايات المتحدة الأمريكية، التي لا يختلف إثنين حول دورها الطلائعي في إشعال فتيل كل الحروب و التخطيط لها بكل الذهاء الماكر، المتخفي وراء فزاعة التخويف و الترهيب و التركيع للشعوب… فما هو الوضع الآني للعالم تحت هذه الفوضى العارمة؟؟؟ و و ماهي الأفاق المستقبلية لعلاقات أمريكا بالحلف الأطلسي؟؟؟و كيف تدرجت أمريكا في خطوات هذا التحكم؟؟؟ و كيف يتم الآن التخطيط لوضع اليد على كل المواقع الرئيسية للسيطرة على كل الخريطة العالمية لضمان التحكم في خيراتها و ثرواتها الطبيعية؟؟؟ و كيف سينتهي الصراع الظاهر /الخفي بين مجموعة البريكس و إمبريالية التوسع الامريكي/الإسرائيلي؟؟؟
أولا: من ذروة السيطرة إلى فائض القوة: حين تفرط الإمبراطورية في إستخدام أدواتها:
بلغت الهيمنة الأمريكية ذروتها بعد إنهيار الإتحاد السوفياتي، حين بدا العالم و كأنه دخل “نهاية التاريخ”، و تحول الدولار، و الناتو، و البنك الدولي، و صندوق النقد الدولي، إلى أدوات حكم كوني لا تقاوم…غير أن هذه الذروة كانت، تاريخيا، بداية الإنحدار.
فالإمبراطوريات لا تسقط حين تضعف فقط، بل حين تفرط في إستخدام قوتها:
*) حروب بلا نهاية و جبهات مفتوحة لكل العالم: فلسطين، أفغانستان، العراق،
سوريا، اليمن، ليبيا…
*)عسكرة السياسة الخارجية بدل الدبلوماسية.
*)تحويل العقوبات الإقتصادية و مأسسة التجويع و مناورات و حروب الإبادة إلى سلاح يومي، حتى فقدت فعاليتها الأخلاقية و السياسية أمام شعوب العالم خاصة بعد إنكشاف خبايا تكتيكاتها عند القاصي و الداني.
و هكذا، تحولت القوة الأمريكية من عنصر ردع إلى عبء عالمي، و من “قيادة” إلى “وصاية مفروضة و مرفوضة”.
ثانيا: تصدع الحلف الأطلسي:
حين بدأت الإمبريالية الأمريكية في شن خطة التباعد عن حليفها الأوروبي
لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة و أوروبا كما كانت تقدم بوصفها “تحالفا إستراتيجيا متينا”، بل أصبحت علاقة غير متكافئة، تقوم على تحميل القارة العجوز كلفة الخيارات الأمريكية دون إشراكها الحقيقي في القرار.
لقد وجدت أوروبا نفسها، خاصة منذ الحرب الأوكرانية، في موقع التابع المنهك لا الشريك المتكافئ:
*)أزمة طاقة خانقة بعد قطع الإمدادات الروسية، التي فرضتها واشنطن تحت شعار “الأمن الأطلسي”، بينما دفعت الشعوب الأوروبية ثمن الفاتورة.
*)تضخم غير مسبوق أضعف القدرة الشرائية، و هدد الطبقات الوسطى التي شكلت تاريخيا عمود الإستقرار الأوروبي.
*)نزيف صناعي نتيجة إنتقال الرساميل و الشركات الكبرى نحو الولايات المتحدة، مستفيدة من سياسات دعم أمريكية حمائية (قانون خفض التضخم مثالا)، على حساب الإقتصاد الأوروبي.
*)عسكرة الميزانيات بدل الإستثمار في الرعاية الإجتماعية، التعليم، و الصحة.
فأوروبا اليوم ليست فقط في أزمة إقتصادية، بل في أزمة هوية و دور:
قارة عاجزة عن صياغة سياسة خارجية مستقلة، و محبوسة داخل المظلة الأمنية الأمريكية، التي لم تعد تحميها بقدر ما تستنزفها، وهنا يتأكد قانون التاريخ: حين تبدأ الإمبراطورية في التضحية بحلفائها، فهي تعلن، دون أن تدري، أن بداية أفولها قد نيفت…
ثالثا: إنهيار الأذرع… لا المركز فقط: حين تسقط الأدوات قبل سقوط الرأس:
1)الدول الوظيفية: من الطاعة إلى التململ:
لم تعد الدول التي شيدت لتكون حراسا للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، و أمريكا اللاتينية، و إفريقيا، قادرة على لعب دورها القديم أمام:
*)شعوب منهكة إقتصاديا.
*)شرعيات سياسية متآكلة.
*)جيوش تستنزف في صراعات داخلية أو أجنبية، بدل حماية السيادة.
لقد تحولت هذه الدول من أدوات إستقرار للهيمنة إلى مصادر قلق دائم لها.
2)الحركات الإرهابية سلاح إنقلب على صانعه:
إن الحركات المسلحة التي أستخدمت لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية خرجت عن التحكم، و فضحت:
زيف خطاب “محاربة الإرهاب” و تواطؤ أجهزة الإستخبارات الكبرى في خلق الفوضى، و الأخطر: نزع القناع الأخلاقي عن المشروع
الإمبريالي برمته.
3) الكيان الإستيطاني من قاعدة متقدمة إلى عبء إستراتيجي:
لم تعد “إسرائيل” كما أريد لها:
*)إنقسام داخلي حاد.
*)أزمة هوية و شرعية.
*)إعتماد كامل على الدعم الخارجي عسكريا و سياسيا.
إننا نشهد اليوم بلقنة إسرائيلية داخلية و تفككا ما إنفكت مؤشراته تتراءى من بعيد:
*)تصدع سياسي
*)صراع مؤسساتي *)فقدان الثقة
بحيث تحول الكيان من رأس حربة للهيمنة إلى نقطة إستنزاف مفتوحة لها.
رابعا: أمريكا في محيطها القريب
من الهيمنة الناعمة إلى النزعة الضمية الفجة:
لم تكتف الإمبريالية الأمريكية بإدارة العالم من بعيد، بل عادت اليوم إلى إعادة ترتيب مجالها الحيوي القريب، خاصة في أمريكا الجنوبية و كندا، بعقلية لا تخلو من غطرسة إستعمارية قديمة بثوب جديد.
في أمريكا الجنوبية، يتجلى التوجه الأمريكي عبر:
*)دعم أنظمة موالية و لو كانت فاقدة للشرعية الشعبية.
*)محاصرة الحكومات التحررية اقتصاديا و إعلاميا.
إستخدام المؤسسات المالية الدولية لإخضاع القرار السيادي.
إعادة إحياء عقيدة “مونرو” بصيغ حديثة، ترى القارة اللاتينية حديقة خلفية لا فضاء مستقلا.
أما كندا، و رغم كونها حليفا تاريخيا، فهي تعيش بدورها ضغوطات داخلية و خارجية متزايدة:
*)تبعية إقتصادية عميقة للسوق الأمريكية.
*)إستنزاف الموارد الطبيعية لصالح الشركات العابرة للحدود.
*)تآكل القرار المستقل في قضايا التجارة و الطاقة و الأمن.
إن ما يحدث ليس شراكة، بل تمدد ضمي ناعم، يفرغ السيادة من مضمونها، و يحول الجوار إلى ملحق إقتصادي و إستراتيجي.
خامسا: الإقتصاد… ساحة الانكسار الكبرى: حين يفقد الدولار قدسيته:
لم يعد الدولار “عملة محايدة”، بل وثيقة إبتزاز سياسي معلنة.
و مع الإفراط في إستخدام العقوبات، بدأت الدول حتى الحليفة منها، تبحث عن:
*)بدائل تجارية.
*)تسويات بالعملات المحلية.
*)تكتلات مالية خارج المنظومة الأمريكية.
ما يحدث ليس سقوطا فوريا للدولار، بل تآكل الثقة به، و الثقة هي العمود الفقري لأي نظام مالي.
و حين تهتز الثقة، لا ينقذها حجم الطباعة و لا سطوة البنوك.
سادسا: العالم لا يتحرر تلقائيا:
خطر إعادة إنتاج الهيمنة:
التحول نحو عالم متعدد الأقطاب لا يعني بالضرورة عالما أكثر عدلا.
فالخطر الحقيقي هو إستبدال هيمنة واحدة بهيمنات متعددة، تشترك في:
*)منطق النهب.
*)تجاهل إرادة الشعوب.
*)تقديس السوق على حساب الإنسان.
و التاريخ هنا واضح:
لا تحرر دون مشروع شعبي مستقل،
و لا سيادة دون إقتصاد إنتاجي،
و لا كرامة دون ديمقراطية إجتماعية حقيقية.
سابعا:البريكس… كسر للهيمنة أم إعادة تدويرها بخطاب جديد؟؟؟:
رغم ما يقدم عن دول البريكس بوصفها نواة لنظام عالمي بديل، فإن القراءة النقدية تفرض الحذر من الوقوع في وهم الخلاص السريع. فهذه التكتلات، و إن كانت تسهم في كسر الإحتكار الأمريكي للدولار و المؤسسات المالية، لا تتحرك خارج منطق القوة ذاته، بل تسعى بدرجات متفاوتة إلى إعادة توزيع النفوذ لا تفكيكه، وفق مصالح خاصة لا غير، إن الخطاب المعلن حول “إحترام السيادة” و“عدم التدخل” كثيرا ما يصطدم بممارسات عملية تقوم على توظيف الإقتصاد، و الإستثمار، و الديون، و حتى الخطاب الحقوقي، كأدوات ضغط ناعمة لإعادة تشكيل الولاءات. الأخطر أن بعض دول البريكس تعيد إنتاج سردية “حقوق الإنسان” و“ الديمقراطية” بصيغة مغايرة لا تقل إنتقائية، حيث تستخدم المبادئ حين تخدم المصالح، و يغض الطرف عنها حين تتعارض مع الحسابات الجيوسياسية… بذلك، لا يمكن إعتبار البريكس مشروعا تحرريا مكتملا، بل ساحة صراع جديدة بين نماذج هيمنة مختلفة و بوجوه متباينة الموقع موحدة الهدف و المآرب، يبقى فيها الرهان الحقيقي ليس على تعدد الأقطاب في حد ذاته، بل على قدرة الشعوب على فرض إستقلالها عن كل مراكز القوة، القديمة منها و الجديدة…
ثامنا: مقترحات واقعية لعالم أقل عنفا و أكثر عدلا عن طريق:
*)إستبعاد الاقتصاد عن الحروب
*)منع إستخدام العملات و العقوبات كسلاح جماعي ضد الشعوب.
*)إصلاح النظام المالي الدولي على أساس الشراكة لا الإملاء.
*)تفكيك منطق الدولة الوظيفية
*)دعم السيادة الوطنية الحقيقية لا الأنظمة التابعة.
*)إنهاء هندسة الإنقلابات و الحروب بالوكالة.
*)عدالة دولية غير إنتقائية
*)إنهاء إزدواجية المعايير في حقوق الإنسان.
*)إخضاع كل الدول
بلا إستثناء للقانون الدولي.
*)الإستثمار في التنمية لا التسلح
*)تحويل ميزانيات السلاح إلى التعليم، الصحة، والبحث العلمي.
*)بناء أمن جماعي إقليمي بدل القواعد العسكرية الأجنبية.
*)إعادة الإعتبار لدور الشعوب فلا سلام دون مشاركة الشعوب في القرار.
و لا إستقرار فوق جماجم الفقراء و المهمشين.
إن نهاية الهيمنة ليست نهاية التاريخ
نحن لا نعيش “نهاية أمريكا”، بل نهاية نموذج: يقوم على السيطرة، و على النهب، و على إدارة العالم بالخوف و الترهيب و على إخضاعه بالتحويل و الإبادة إن إستدعى الأمر ذلك…
فما يولد الآن لم يتشكل بعد، و قد يكون أكثر عدلا… أو أكثر قسوة…
لكن الفارق لن تصنعه القوى الكبرى، بل وعي الشعوب إن إتحدت و واجهت الظلم و الغطرسة و وحدت قدرتها على فرض شروطها.
في هذه اللحظة الفاصلة،
ليصبح الإنحياز للحقيقة فعل مقاومة،
و تصبح الكلمة الحرة سلاحا إستراتيجيا دون هوادة…



























