الفينيق ميديا

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

الأبعاد الفلسفية والسياسية لنظرية المؤامرة

 

 

 ذ.حسن تزوضى (باحث في الفلسفة)/المغرب 

 

 

تبدو نظرية المؤامرة للوهلة الأولى مجرد محاولة للفهم ترتدي ثوب التحليل السياسي أو النقد الاجتماعي، لكنها في العمق مسألة فلسفية وسياسية بامتياز، لأنها تمسّ في الصميم أسئلة الحرية والمسؤولية، والعقل والمعنى وحتى المصير. إنها ليست فقط خطابًا يفسّر العالم، بل طريقة خاصة في التفكير الوجود داخل العالم. فنظرية المؤامرة من أكثر الخطابات انتشارًا في الوعي المعاصر، ليس فقط بوصفها تفسيرًا للأحداث، بل باعتبارها نمطًا خاصًا في التفكير ورؤية شاملة للعالم، فهي لا تكتفي بتقديم قراءة للواقع، بل تؤسس تصورًا كليًا للتاريخ والسلطة والفعل الانساني والوجود البشري العام. بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع نظرية المؤامرة كتحليل للوقائع والأحداث فحسب، بل كإشكالية فلسفية تمس أسس المعرفة، ومعنى الفعل، وحدود الحرية الإنسانية.

 

تنطلق نظرية المؤامرة من افتراض مركزي مفاده أن الأحداث لا تخضع لمنطق الصدفة ولا لتفاعل عوامل اجتماعية واقتصادية سياسية، بل لإرادة خفية تتحكم في مجرى التاريخ وتوجه غاياته، هذا التصور يعيد إنتاج منطق غائي قديم، يُلغى فيه التحليل البنيوي لصالح شخصنة الوقائع، على هذا الاساس فالظواهر المعقدة تُختزل في فاعل واحد مطلق القدرة، هذا الأمر يؤدي إلى تبسيط مخلّ للواقع وللأسباب المؤدية إليه والمفسرة له ، وإلى إقصاء العقل التحليلي الذي يشتغل على التراكم والتاريخ والبنى العميقة.

 

من الناحية الوجودية، تفضي نظرية المؤامرة إلى نفي الحرية الإنسانية بشكل غير مباشر، فإذا كان كل شيء مخططًا له سلفًا، أو بالأحرى القرارات الكبرى تُتخذ خارج مجال الوعي والفعل، فإن الإنسان يفقد موقعه كفاعل تاريخي ويتحول إلى مجرد منفّذ أو ضحية. وبهذا تُفرغ المسؤولية من معناها، ويُعاد تشكيل الوعي الفردي والجماعي على أساس العجز بدل المبادرة، والتبرير بدل الفعل، وانتظار الانكشاف بدل صناعة التغيير.

 

إن نظرية المؤامرة رغم طابعها السلبي فإن لها وظيفة نفسية ومعرفية واضحة، إذ تمنح الأفراد إحساسًا زائفًا بالمعنى في عالم متشابك ومعقّد، فهي تُخفف من قلق اللايقين عبر تقديم تفسير شامل وجاهز وميتافيزيقي، ورغم هذه الوظيفة النفسية لنظرية المؤامرة فهي لا ينتج فهمًا حقيقيًا، بل تعمّق الاغتراب، لأن الإنسان يتصالح مع تفسير يعفيه من مساءلة ذاته ومن تحمل تبعات اختياراته التاريخية والاجتماعية.

 

حين تتحول نظرية المؤامرة إلى يقين مغلق، فإنها تكتسب طابعًا إيديولوجيًا خطيرا ، فهي لا تفسر الواقع بقدر ما تجعله أكثر غموضا ، وتنتج قراءة انتقائية للأحداث، حيث يُقبل ما يخدم السردية المسبقة ويُرفض ما يناقضها. في هذا المستوى، تصبح نظرية المؤامرة آلية لتحريف الوعي، تُستخدم لتبرير الفشل، وتأبيد الضحية، ونقل المسؤولية إلى قوى غامضة غير قابلة للمساءلة. إنها إيديولوجيا مريحة، لأنها تُسقط عبء التفكير النقدي، وتحوّل الشك إلى أداة للإنكار بدل أن يكون مدخلًا للفهم.

 

يُخطئ من يخلط بين الشك الفلسفي ونظرية المؤامرة. فالشك الفلسفي كما أسس له الفيلسوف العقلاني ديكارت روني ديكارت في العصر الحديث ممارسة منهجية تهدف إلى تأسيس معرفة أكثر صلابة، بينما يقوم التفكير وفق منطق المؤامرة على الشك الدائم الذي لا يبحث عن برهان بقدر ما يبحث عن تحليل مسبق، في حالة الشك المنهجي يُنتج العقل معرفة عقلية وتحليلا أساسه النقد والبناء وفق قواعد ومعطيات علمية واقعية وملموسة ، أما في حالة التفكير القائم على نظرية المؤامرة، فالإنسان ينتج وعيًا مرتابًا يرى في كل تفسير عقلاني محاولة تضليل جديدة.

 

في المحصلة، لا تكمن خطورة نظرية المؤامرة في كونها خاطئة معرفيًا ومنهجيا فحسب، بل في كونها تقوّض أسس الفعل الإنساني الحر، وتعيد صياغة علاقة الإنسان بالتاريخ على أساس العجز والارتياب، ففي هذه الحال يصبح الإنسان مجرد منفعل لا فعلا اساسيا قادرا على صناعة التاريخ وتقرير مصره. إن نظرية المؤامرة تعبر عن أزمة ثقة عميقة في العقل والرغبة والقدرة والمعرفة، وهي في نفس الوقت ذاته شكل من أشكال الاستسلام الفكري أمام تعقيدات الوضع المعاصر، فعوض أن واجه الانسان القوى الفاعلة ويكشف الاسباب الحقيقة الكامنة وراء الاحداث والوقائع يستكين الى منطق المؤامرة باعتباره تحليلا مرضيا نفسيا، فالرهان الفلسفي الحقيقي لا يتمثل في نفي وجود مؤامرات محتملة في التاريخ، بل في رفض تحويلها إلى تفسير شامل يُعطل العقل، ويُفرغ الحرية من معناها، ويحوّل الإنسان من صانع للتاريخ إلى مجرد شاهد عليه.

 

نظرية المؤامرة أيديولوجيا غايتها تحريف الوعي ، ايديولوجيا تنتجها القوى الارتكاسية بكل أشكالها والوانها الهدف من وراءها الابقاء على الأوضاع القائمة ودرء كل محاولة لفهم موضوعي علمي يكشف الحقائق والأسباب، لأن كل تغيير ممكن ينطلق أولا وقبل كل من فهم حقيقي للوضع .

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest
Pocket
WhatsApp

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لا تفوت أهم المقالات والأحداث المستجدة

آخر المستجدات

error: Content is protected !!