التعليم المغربي بين فخ التبذير و سيف الخصخصة:
آن أوان الإقتداء بالنموذج الصيني!
( الحلقة الرابعة من سلسلة شذرات فكرية )
بقلم: نجاة زين الدين
من واجبنا كمواطنين، و كأصوات لا تزال تصرخ في وجه الصمت الرسمي، أن نرفع أقلامنا و نكتب الحقيقة دون تردد: إن المدرسة العمومية المغربية تحتضر، و الجامعة تذبح، و النظام التربوي بأكمله يجهز عليه بسكين الخصخصة على مهل، بلا حسرة، و بلا حياء…
1- من أين نبدأ؟ هل من الخيبات أم من الوعود الكاذبة؟
لنتأمل الكرونولوجيا الكارثية للسياسات التعليمية في المغرب منذ ما بعد الإستقلال:
🔴1965: سنة الحزن التعليمي والسياسي، بعد إنتفاضة التلاميذ و الطلبة التي قمعت بوحشية، ليتبعها بعد ذلك بسنوات قليلة فقط القرار الرسمي بحل الإتحاد الوطني لطلبة المغرب، أكبر تنظيم طلابي حر، هو القرار الذي كان بمثابة إعلان الحرب على كل نفس نضالي في الحقل التعليمي والفكري بوطننا العزيز… فما هو الإتحاد الوطني لطلبة المغرب يا ترى؟؟ متى تأسس؟؟ و كيف ساهم في نشر الوعي وسط الحرم الجامعي و المجتمع المدني المغربي؟؟؟ و كيف تدرجت خطوات حضره إلى أن تم تجميد حركيته بدهاء لحدود الساعة؟
- التأسيس:
تم تأسيس الإتحاد الوطني لطلبة المغرب في مؤتمر عقد بثانوية مولاي يوسف بالرباط، في شهر شتنبر من سنة 1956م، بعد إستقلال المغرب مباشرة خلفا لـ:
ـ”رابطة الطلبة المغاربة في فرنسا”.
ـ”إتحاد طلبة المغرب العربي”.
- الهدف الأساسي:
توحيد الحركة الطلابية المغربية و تنظيمها، و النضال من أجل الدفاع عن الحقوق الطلابية، و التعبير عن القضايا الوطنية و القومية.
- مرحلة التأطير الذهبي (1956 – 1965):
تميزت هذه المرحلة بقيادة قوية و تماسك تنظيمي واسع، حيث إنخرطت أوطم في نضالات دعم القضية الفلسطينية، و التنديد بالإستعمار الفرنسي في الجزائر، و دعم المطالب الإجتماعية للطلبة المغاربة.
ففي هذه المرحلة، كانت هناك علاقة تعاون نسبي بين أوطم و النظام السياسي، خصوصا مع حزب الإستقلال.
- أولى بوادر الإصطدام – أحداث 1965:
ففي 23 مارس 1965م
بمدينة الدار البيضاء شارك تلاميذة الثانويات و طلبة الجامعات في إحتجاجات ضد مرسوم حكومي يمنع من تجاوز سن الـ17 للإلتحاق بالثانوي.
تحولت المظاهرات إلى إنتفاضة شعبية سقط فيها عدد كبير من الضحايا برصاص القوات الأمنية، و هنا بدأ الحذر الرسمي من الحركة الطلابية.
- الحظر الأول (الغير الرسمي ـ التضييق السياسي):
من 1965 إلى 1973، بدأت مرحلة التضييق الغير المعلنة على أوطم، تميزت بـ:
– القمع المتزايد.
– إختراق أمني للتنظيم.
– إعتقال القيادات الطلابية اليسارية.
و رغم ذلك، عقدت أوطم مؤتمرات تنظيمية و أنتخبت قيادات لها كان أبرزها الفصائل الماركسية (كـ”إلى الأمام”، و”23 مارس”).
- الحظر الرسمي الأول – 1973:
و في 24 يناير 1973 أصدرت السلطات المغربية مرسوما وزاريا رسميا يقضي بحظر أوطم.
و كان السبب المعلن عنه أنذاك هو: “تهديد الأمن العام” إلا أن السبب الحقيقي كان بالأساس هو
صعود المد الثوري اليساري داخل الجامعات، و تأييد أوطم للفكر الماركسي،
مما ورط بعض مناضليها في تهمة “النشاطات الثورية السرية”.
و برغم الحظر، إستمرت الأنشطة و النضالات الطلابية تدار في خلايا عمل سرية…
- رفع الحظر – أواخر السبعينات:
و في نوفمبر 1978
رفعت الدولة الحظر الرسمي، و استؤنفت أنشطة أوطم علنا.
- 1979: عقد المؤتمر 16 لـ”أوطم”، في جو من الإنفتاح النسبي، لكن تحت رقابة مشددة.
- الحظر الثاني – الغير المعلن لكنه كان فعلي منذ تسعينيات القرن الماضي إلى الآن:
منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي، دخلت أوطم مرحلة تجميد غير معلن، تميزت بـ:
– إنقسامات داخلية حادة بين التيارات الإسلامية و اليسارية و القومية و الأمازيغية…
– سيطرة “فصيل العدل و الإحسان” على عدد كبير من الكليات.
– غياب المؤتمرات الوطنية.
– قمع متكرر للأنشطة الطلابية في عدد من الجامعات.
– تحولات في شكل العمل الطلابي (تشرذم، تبادل العنف، تراجع الأفق السياسي… إلخ).
- الوضع الحالي:
– أوطم لم تحل رسميا، لكنها تعاني من جمود تنظيمي شبه كامل منذ أكثر من 25 عاما.
– المؤتمر الأخير (الـ16) عقد سنة 1979، و منذ ذلك الحين لم يعقد أي مؤتمر وطني جامع.
– توجد لجان محلية و فصائل طلابية تدعي التمثيل، لكنها منقسمة و متصارعة(عدل و إحسان، يسار، إسلاميون، أمازيغ…)
- غياب الاعتراف الرسمي من طرف الدولة،
رغم وجود طلبة نشطاء في الجامعات المغربية، التي ضرب حرمها في الصميم، بسبب الذبح الممنهج إزاءها نتيجة الخصخصة التي تلتهم كل تخصصاتها تقريبا، بل تم خلق أخرى جديدة، واقتصر تعليمها على من يتوفر على الإمكانيات لذلك، و إن لم تكن هاته الأخيرة متوفرة فإن الأبوين يقترضان لتأمين تعليم أبنائهم، مع كامل الأسف، و بهذا تحول المرفق العمومي في التعليم إلى قطاع خاص، يديره أصحاب المال و القرار فقط دون أية رؤية تشاركية و لا أي تصور وطني لباقي أبناء الشعب الذين تقاتل أسرهم بالكاد مع معاشهم اليومي، مما يتسبب في الكثير من الأحيان إلى إلتحاق غالبيتهم بمراكز التكوين المهني التي سأعود إليها بدورها بشكل مفصل و دقيق لاحقا.. إن لم يتوقفوا عن التعلم بالمرة، ليكون الشارع والمقاهي هما المأوى..
- الإطار الطلابي كمدرسة فكرية ونضالية، و الدور الفكري والتوعوي لأوطم في الجامعة المغربية:
منذ تأسيسه سنة 1956، لم يكن “الإتحاد الوطني لطلبة المغرب” مجرد إطار نقابي يدافع عن المأكل و المشرب و المأوى، بل كان في جوهره مؤسسة فكرية، مدرسة سياسية، و منبرا توعويا أخرج أجيالا من القادة و المفكرين و المناضلين، داخل الحرم الجامعي، فقد كانت قاعات الدروس و المدرجات، و حتى ممرات الكليات، فضاءات حية للمقارعات الفكرية و الإصطدامات الإيديولوجية الراقية بين مختلف التيارات (القومية، اليسارية، الإسلامية، الليبرالية…).
- مقامات التكوين و النقاش داخل الجامعة المغربية:
ـ الجامعة فضاء مفتوح للجدال المنتج، حيث كانت في فترة الستينات و السبعينات و حتى منتصف الثمانينات، بمثابة برلمان شبابي حر، فالنقاشات لم تكن مناسباتية بل يومية، تبدأ من تحليل الأوضاع السياسية الوطنية إلى قراءة المشهد الدولي، و غالبا ما تختتم بندوات أو حلقات نقاش “حرة”.
- مفهوم “الحلقية الطلابية”:
شكلت الحلقية الإطار الذهني و التنظيمي الأكثر تأثيرا، حيث يجلس العشرات من الطلبة في الساحات الجامعية لمناقشة موضوعات كبرى:
– “الاشتراكية و العلمانية”،
– “الإمبريالية و الصهيونية”،
– “قضايا الهوية و اللغة”
– “واقع الحركة النقابية و التعليمية”،
– “المرأة والعدالة الإجتماعية”…
و كانت الحلقية أحيانا أشبه بـ”منتدى الفكر الحر”، حيث يتصارع الطلبة بالكلمة و الحجة، و تتداول الكتب، و تناقش النظريات، و تطرح الأسئلة الفلسفية و السياسية و الأنطولوجية الكبرى…
- “أوطم” كفضاء لبلورة الوعي السياسي المبكر:
و هنا نجد أن الكثير من القادة السياسيين المغاربة اليوم (سواء من الإسلاميين أو اليساريين أو الحقوقيين) تكون وعيهم السياسي في حضن أوطم.
حيث كانت التجربة التنظيمية نفسها (إنتخاب المكاتب، إدارة الجمعيات، التنسيق، النضال الميداني…) تدريبا عمليا على القيادة و الديمقراطية.
- الإنتاجات الفكرية و النقاشية التي أفرزها أوطم:
بفضل المقارعة الفكرية، نشأت في الحرم الجامعي تيارات فكرية مغربية خالصة، منها:
* الماركسية المغربية (المغرب كان البلد العربي الوحيد الذي شهد ولادة حركة ماركسية مستقلة من رحم الطلبة).
* الإسلام السياسي المغربي (فصيل العدل و الإحسان و حركة التوحيد و الإصلاح خرجا من رحم الجامعة).
* الوعي بالقضية الأمازيغية بدأ من نقاشات طلبة الأطلس و سوس داخل الجامعة.
و لم يكن المثقف الأكاديمي منفصلا عن الواقع، بل كان يتشكل وسط النضال، فيتفاعل مع اليومي و الوطني و الدولي، مما أعطى للفكر الطلابي طابعا عضويا ملتزما.
- التحول الجذري: من وعي ناضج إلى شلل قاتل:
لكن مع أواخر تسعينيات القرن الماضي، دخلت الجامعة المغربية مرحلة تفريغ فكري رهيب:
ـ صراعات داخلية و إستقطاب إثني و إيديولوجي:
فبدل الصراع الفكري الراقي، إنتقلت الجامعة إلى نزاعات هوياتية و طائفية بين “الأمازيغيين” و”العروبيين”، و”الإسلاميين” و”اليساريين”، و”العدل و الإحسان” و”النهج” و”الحركة الثقافية الأمازيغية”…
فهذه الصراعات المفتعلة كانت موجهة بذكاء من قوى داخلية و خارجية أرادت للجامعة أن تتحول إلى ساحة تصفية حسابات بدل أن تكون مصنعا للعقول و الكوادر، لتذبح في صمت مريب…
ـ دور الدولة في تسعير الصراعات:
* من خلال التضييق على أنشطة أوطم و منع مؤتمراتها الوطنية و الجهوية.
* و إدخال الأمن إلى الجامعة و إذكاء العنف الداخلي.
* و تشجيع فصائل معينة على حساب أخرى، لضرب التوازن.
* و تسليع التعليم و ربط الجامعة بسوق الشغل بدل الفكر الحر.
- الجيل الجديد في عزلة فكرية:
و هنا ولجت أجيال الألفية الثانية الجامعة وهي مفصولة عن الوعي التاريخي لأوطم.
حيث وجدت في فضاء جامعي مسيج بالإنقسام، و العنف، و التفاهة، و ضعف النقاش الجاد و إنتشار الإنحلال و شيوع المخدرات…
فتوقفت بذلك الحلقات، و جفت الحوارات، و ساد الصمت و التوجس و اللامبالاة…
- المأساة الكبرى: منبر العقل تم تكميمه:
لقد كان الإتحاد الوطني لطلبة المغرب مشروع نهضة حقيقية، و مختبرا لإنتاج الفكر و النقد و البدائل، و ما حدث لاحقا هو أن:
ـ الدولة رأت في الفكر خطرا.
ـ الأطراف السياسية فضلت الإستقطاب الإيديولوجي الرخيص، عن طريق الجمعيات المبلقنة و الارتزاقية.
ـ القوى الخارجية شجعت تشتيت وحدة الصف الطلابي عبر النزاعات الإثنية و الدينية.
فغيبت الجامعة عن معركة الوعي، وتراجع الحس النقدي، و عم الجهل المعلب، و ولدت أجيال تعاني من الفراغ الفكري و السكوت القاتل و التيه التصفوي…
لقد كانت الجامعة المغربية في زمن أوطم الحقيقي، بيتا للفكر، و ساحة للكرامة، و منبعا للثورة الهادئة: ثورة الكلمة و النقاش الديالكتيكي الجاد، لذلك يبقى ما فقدناه ليس مجرد نقابة طلابية، بل فقدنا إحدى أهم أدوات الوعي الجماعي و النقد المدني… و هو ما تدفع ثمنه أجيال اليوم من خلال إنخراطها العفوي في التفاهة، أو إنسحابها الكلي من القضايا الكبرى…
- كرونولوجية مختصرة للإتحاد الوطني لطلبة المغرب لأهمية الإطار، لمن لا يعرفها:
التاريخ الحدث:
- 1956 تأسيس الإتحاد الوطني لطلبة المغرب
- 1965 إنتفاضة الدار البيضاء – بداية القمع الطلابي
- 1973 الحظر الرسمي الأول لـ”أوطم”
- 1978 رفع الحظر
- 1979 عقد المؤتمر 16
- منذ تسعينيات القرن الماضي تم التجميد الفعلي للإطار و الزج به في إنقسامات داخلية.
- الوضع الحالي أوطم كيان مشلول تنظيميا رغم حضوره الرمزي؟!!!
🔴1981: إنتفاضة الخبز أو ما يعرف “بإنتفاضة الكوميرا”التي أحرقت فيها الحكومة جسور الثقة بين الشعب و الدولة، و سحقت فيها الطبقات المتعلمة بالإعتقال و الطرد و التشريد، خاصة في أوساط النقابات المدرسية(سنعود للموضوع لاحقا)
🔴1999–2005: إطلاق الميثاق الوطني للتربية و التكوين في عهد حكومة التناوب، بميزانية تجاوزت 45 مليار درهم، بوعود طنانة بمدرسة جديدة، لكنها مع كامل الأسف بقيت مجرد حبر على ورق…
🔴2009–2012: “المخطط الإستعجالي” بميزانية قاربت 43 مليار درهم، إنتهى بفضائح فساد و إختلاسات، و بتقارير سوداء من المجلس الأعلى للحسابات دون أي محاسبة تذكر!!! فإلى أين المسير يا وطني الغالي يا وطني؟؟؟
🔴2020: “رؤية 2030″، مشروع آخر بعنوان “إصلاح”، لكنه يستمر في نهج الخصخصة التدريجية، عبر تحميل الأسر المغربية تكاليف إضافية و تكريس التعليم بوجهين: واحد للطبقة الميسورة، و آخر متهالك للطبقة الفقيرة، و مع ذلك لازالت تلك النماذج النيرة التي تطل علينا بين الفينة و الأخرى بنتائج سارة من تحصيلها من المدرسة العمومية، تثلج الصدر و تفرح القلب و تذكي فينا شعلة اليقين و الإصرار على التشبث بمطلبنا الرئيسي ألا و هو إعادة الإعتبار للمدرسة العمومية و حق الشعب المغربي المطلق في تنمية كفاءاته بتعليم يواكب التقدم التكنولوجي و الذكاء الإصطناعي و الرقمنة اللوجيستيكية الواعدة كالصين لما لا…؟
و لهذا السبب سنبقى نلح في طرح أسئلتنا الحارقة:
أين النتائج؟ أين المدرسة المجانية الجيدة؟ أين الجامعة المنتجة للفكر؟
فالجواب الآني يتجسد في أرشيف الإخفاقات الكبرى فقط…
2 – الصين… حين يكون التكوين مفتاح القوة:
الصين، تلك الدولة التي كانت إلى حدود سبعينيات القرن الماضي تعاني من فقر و بطالة و جوع، قررت أن تراهن على التعليم، لا على المهرجانات…
أطلقت برامج تكوينية ضخمة، منها:
- “مشروع 211” سنة 1995: لتطوير 100 جامعة رئيسية، و ربطها بسوق الشغل و العالم الصناعي.
- “مشروع 985” سنة 1998: خصصت له الحكومة الصينية 4.6 مليار دولار لدعم البحث العلمي و إنشاء جامعات عالمية، مجهزة بآخر التقنيات التكنولوجية لتفتيق إجتهاد الطالب و تفتيح فكره على الخلق و الإبداع…
- الإستثمار في الذكاء الإصطناعي: تعتبر الصين اليوم من أكبر الدول في تمويل البحوث الذكية و تعليم البرمجة للأطفال، في حين ندرس هنا مقررا مدرسيا كتب في دهاليز البيروقراطية منذ سنين، لا علاقة له بالعصر و لا يواكب الإحتياجات الخاصة لسوق الشغل…
3) مهرجانات… أم مدرسة، أية أولوية نختار؟
حين يصرف أكثر من 80 مليار سنتيم سنويا على تنظيم المهرجانات مثل “موازين”، و”مهرجان الطرب الغرناطي”، و”مهرجان الضحك”، و مواسم الخرافة، و الفروسية…إلخ، فإننا لا نحتاج إلى كثير من الذكاء لندرك أن كل الحكومات المتعاقبة بمركز القرار بالبلاد تنحاز للفراغ بدل الفكر، و تستثمر في التنويم بدل التنوير، بالرغم من مناداة ملك البلاد المتكررة بالتغيير والإصلاح في العديد من خطبه الرسمية…و نستشف كذلك أن الشعب غارق في إيبنوز اللاإدراك و التشظي الانتمائي، لأنه استطاب الكسل و إرتاح في موقع الكونفور الاستبدادي، الذي حدده له سياق التخدير الدائم الذي اختاره، بدل تفعيل عقله الذي منحه الله إياه…و تحول من دور الفاعل، المفكر إلى دور المفعول به فرهن نفسه بدور الإسترزاقي، المكتفي بإشباع البطن و تخدير العقل( مخدرات” حشيش، القرقوبي، البوڤا،…أو بفضائح وسائل التواصل الإجتماعي: التي أردته قتيلا و هو حي…)
و في المقابل، أهملت البنية التحتية للمدارس، و أغلقت المراكز الجهوية للتكوين، و تم التلاعب بالتعاقد الهش، و وقع التهجير المعنوي للمدرسين الذين أصبحوا هدفا لحملات التشويه الإعلامي لأسباب ذاتية و أخرى موضوعية، بدل من أن يكونوا عماد النهضة، بسبب توريطهم في مناهج منفصمة مع واقع الاحتياج الرسمي، بدل تكوينات تساير الطلب و تستجيب لمعايير الجودة التعليمية التي يجب أن ترتقي إلى مستوى طموحات الأجيال الصاعدة…
4) أين الالتزامات الدستورية؟
هنا أذكر الدولة المغربية بما ورد في الفصل 31 من دستور 2011 :
“تعمل الدولة و المؤسسات العمومية و الجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب إستفادة المواطنات و المواطنين من الحق في:
- العلاج و العناية الصحية…
- الحماية الإجتماعية و التغطية الصحية…
- التعليم العصري و التكوين المهني…
- السكن اللائق…
- الشغل و الدعم في البحث عن منصب شغل…”
فأين نحن من هذا كله؟
لقد تمت مصادرة الحلم بتعليم عمومي جيد، وأصبح “النجاح” امتيازا طبقيا، و”الفشل” قدرا جماعيا مفروضا على أبناء الفقراء، بسبب إملاءات صندوق النقد الدولي و البنك الدولي، الذي رهنت له العباد دون علمها، بسبب قروض لا نعلم عنها شيئا…
5) خيار التربية قبل التعليم هو قاطرة الإصلاح الحقيقي و الوحيد للبلاد:
لا يكفي الحديث عن المناهج و البرامج. نحن بحاجة إلى ثورة قيم:
- ضد الإتكالية التي جعلت شابا ينتظر وظيفة لا يتقن لأجلها حتى كتابة سيرته الذاتية.
- ضد الإنتهازية التي تدرس كمادة غير معلنة في بعض مراكز القرار و سلوكيات مسؤولي الكثير من الجماعات الترابية، و الدولة التي أبانت المتابعات الأخيرة عن فداحتها و قداحتها…
- ضد ثقافة المخدرات التي إنتشرت في الأحياء و المدارس و حتى الجامعات، بلا سياسات وقائية حقيقية.
- ضد الخضوع الإجتماعي الذي يصنع مواطنا عاجزا عن إتخاذ موقف، و مؤهلا فقط للخنوع لا للمبادرة و لا حتى للمقارعة الفكرية الصائبة…
6)المحاسبة… و إلا فلا إصلاح:
إذا لم نقر بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فكل البرامج وهم، و كل المطامح مجرد حلم و
كل إصلاح سيبقى مجرد “إعلان نوايا”،
يجب مساءلة من صرفوا المليارات على التعليم و لم ينجزوا منها سوى السراب.
يجب مساءلة من يروجون لمدرسة رقمية وهمية في قرى لا يصلها حتى التيار الكهربائي!!! و لا تحصل على الماء إلا بإحسان المحسنين لفتح الآبار و تعبيد الطرقات و يا للغرابة…!!!
7)لإنقاذ البلاد: أعيدوا التعليم للشعب:
التعليم ليس خدمة: التعليم حق….
التعليم ليس سلعة: التعليم رسالة نبيلة….
إذا كانت الصين قد إنتصرت بإرادة سياسية عاقلة راهنت على العقول، فإننا لا نزال في دوامة سياسات مشتتة، ميزانيات مهدورة، و أجيال تائهة متواكلة، تبحث عن ذاتها في فوضى الرداءة و الترويج للتفاهة…
كفانا عبثا: أعيدوا المدرسة إلى الشعب، و أعيدوا الشعب إلى المدرسة…بدل الزج به في المزيد من المتاهة…و تشظي السفاهة…و تشجيع التفاهة…